مقالات مختارة

فشل الإطباق الاسرائيكي وتفخيخ لبنان

الشمال نيوز

فشل الإطباق الاسرائيكي وتفخيخ لبنان!

كتب – علي شندب

بات شديد الوضوح أن الإدارة الترامبية قد نحّت جانباً خطة “الإحتواء الإستراتيجي” التي لطالما اعتمدتها الإدارات الأميركية المتعاقبة حيال ايران، لصالح خطة “الإطباق الإستراتيجي” والتي نجح بنيامين نتنياهو في جرّ دونالد ترامب اليها، وبيّنت حسابات البيدر الايراني والحزبلّاهي تخبطها وفشل تنفيذها في إخضاع ايران للاملاءات الاميركية والاستسلام لمشروع ومشيئة نتنياهو في تحويل حلم “إسرائيل الكبرى” الى واقع.
ويبدو أن بناء الولايات المتحدة واسرائيل لهياكل خطتهما في الاطباق الاستراتيجي، قد اقتُبس من شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، والشعب يريد إسقاط النظام، بدءاً من العراق ثمّ ليبيا وقبلهما تونس ومصر وصولاً الى سوريا، وبعدها عملية إعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومعه أنابيب الغاز كنموذج طازج يمكن إسقاطه على ايران التي يريد ترمب استتباعها بإسقاط كوبا في طريق عودة أساطيله من المنطقة.
لكن حسابات “الإطباق الاستراتيجي الإسرائيكي” اصطدمت بحسابات الميدان في إيران ولبنان معاً. فليس تفصيلاً أن تتمكن ايران من اعادة انتاج آليات التحكم والقيادة والسيطرة والتوازن النفسي تحت النار وعصف المقنبلات. كما ليس تفصيلاً أن يتمكن “حزب الله” من إعادة لملمة شتاته بعد الخسائر الضخمة التي أصابته باغتيال زعيمه التاريخي وقياداته العسكرية والأمنية وعدد كبير من مقاتليه قبل البيجر وبعدها وطوال 15 شهراً من الاستهداف الإسرائيلي المركز، ما دفع نتنياهو لاعلان متكرر للنصر على حزب الله، ومباهاته في تغيير الشرق الأوسط.
وقائع الميدان اللبنانية، كشفت أن حزب الله تمكن من ترميم نفسه وامتصاص تداعيات الضربة القاسية التي تلقاها، وعاد الى مواجهة قوات الاحتلال وتغوّلها بتكيكات عسكرية فاجأت الاسرائيليين وأربكت حساباتهم نتيجة استشعارهم بنفاذ الحزب من الفخّ الاستراتيجي الذي نُصب له، وابتكاره آليات جديدة للقتال لعلّ آخرها المُسيرات السلكية التي تصطاد آليات الاحتلال داخل الخط الأصفر الذي تحوّل لساحة ملاكمة يتلقى فيها الضربات الموجعة والمقلقة لنظرية ضمان تفوقه الأمني.
والى مُسيرات الحزب السلكية العاملة بالأسلاك الضوئية، برز في الجانب الايراني “بعوض الحرس الثوري” لضبط مرور الناقلات في مضيق هرمز والذي فاق بأهميته امتلاك ايران لقنبلة نووية مؤجلة.
في بداية الحرب على ايران كان رهان تراتنياهو الحقيقي يرتكز على تحرك “المعارضة الايرانية” التي صرّح ترامب بتسليح بعضها، لكن وقائع ايران المهدّدة وجودياً ابتلع مغامرات المعارضة، وأجّل أي تحرك لها، لما بعد اليوم التالي لوقف الحرب، والتي يرجّح أنها ستُسأنف بعد رفض ترمب لورقة البنود الايرانية لأنها لا تمنحه صورة النصر التي يريد رغم مرور مهلة الـ 60 يوماً بعيداً عن موافقة الكونغرس، ويبدو أن أحداً لم يبلغ “صانع السلام” بقدرة ايران على المماحكة وابتلاع الوقت اتساقاً مع استراتجيتها في الصبر الاستراتيجي.
من مفاعيل الحرب الإسرائيكية على ايران، أنّها جحّظت موقع باكستان ودورها المحوري في منطقة شديدة التعقيد والحساسية الاستراتيجية. وهنا يجدر التوقف أمام قدرة باكستان على صياغة توازن دقيق في علاقاتها الدولية، فهي حليفة الصين في مواجهة الهند من جهة، وصديقة الولايات المتحدة وكل دول المنطقة من جهة ثانية. وما يميّز باكستان تشابهها وتداخلها الدينوغرافي مع ايران، ولهذا لم تُنعى وساطتها حتى الآن، ويرجّح أنّ حجم التصادم بين ايران والولايات المتحدة فرضت وجود وساطة نووية، أشدّ قوة وثقة من بعض الأدوار الخليجية، وقد كشف انسحاب الامارات من “أوبك” عن تصدع مرشح للتمدد باتجاه المؤسّسات الخليجية الأخرى!
صعود باكستان، جحّظه أيضاً استضافة إسلام أباد لاجتماع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، انها الرباعية الاسلامية المتلمسة لمخاطر تفكيك ايران وتداعياته الاقليمية من جهة، ولشراهة نتنياهو مدعوماً من ترمب في تمكين مشروع “اسرائيل الكبري” من جهة ثانية.
وفي هذا السياق ليس تفصيلاً كلام رجل تركيا القوي ووزير خارجيتها هاكان فيدان “أن تركيا ستكون العدو التالي لإسرائيل بعد ايران”. كما انه ليس تفصيلاً ما تردّد عن ابلاغ هاكان فيدان للرئيس السوري احمد الشرع “أن حزب الله يمثل خط دفاع أول عن تركيا”، وبحسب ما تردّد أيضاً فان كلام فيدان للشرع أتى في لحظة تكاثر فيها الكلام عن حشود سورية على الحدود الشرقية للبنان بهدف الانخراط في الحرب ضد الحزب تسكيراً لحساب سابق، وهو ما نجحت تركيا في لجمه وفرملته، ما دفع الشرع لابلاغ المبعوث الترامبي توم باراك بربط انخراط سوريا في الحرب بانسحاب اسرائيل من الأراضي المحتلة وخصوصاً جبل الشيخ وهو الأمر الذي تريده تركيا وترفضه اسرائيل.
لكنّ الموقف الأكثر وضوحاً حسب المواقف السرّية المسرّبة والتي سمعها وليد جنبلاط من الشرع “لو هُزمت ايران لاحتلت اسرائيل دمشق.. ولفرض علينا العودة الى ادلب.. لا عودة للقتال مع الحزب والتدخل في لبنان”.
ربما لهذا السبب ثمّة من يوقد للفتنة الداخلية في لبنان. انها الفتنة التي تمتلك أعتى الأدوات والأسلحة، وتنخرط فيها فضائيات ولوبيات سياسية وطائفية ومذهبية متعدّدة تحقيقاً للأهداف التي فشلت اسرائيل في تحقيقها لتاريخه. فالحملة التشويهية المتجاوزة للنقد السياسي المستهدفة لرموز حزب الله الأحياء والأموات، قابلها حملة استهدفت البطريرك الماروني، حملات متقابلة كادت تثبت أن اللبنانيين لم يتعلموا ويستخلصوا العبر والدروس من حروبهم وليس حروب الآخرين على أرضهم.
وتتخذ الفتنة من الانقسام السياسي الحاد داخل أقطاب الدولة والقوى السياسية حول المفاوضات المباشرة مع اسرائيل كما يريدها رئيسي الجمهورية والحكومة، وغير المباشرة كما يريدها رئيس البرلمان وحزب الله. ذريعة، واكبها تخوين متبادل، وتكذيب رئاسات لبعضها.
صحيح أنّ حزب الله تفرّد بقراره مواجهة اسرائيل، وقبلها الدخول في حروب اخرى، لكن هل ينطبق سلوك الحزب الذي يمثل فريقاً سياسياً وطائفياً، على سلوك رئيس الجمهورية الذي يمثل إجماعاً وطنياً شكّل تصويت نواب حزب الله نتيجته الحاسمة رئاسياً؟
ان حواراً وطنياً صادقاً وحده ما يردم الفجوة الداخلية، ويصنع سلام اللبنانيين وينزع صواعق تفجير لبنان المفخّخ بالفتنة، وان صورة تجمع رئيس الجمهورية مع مجرم الحرب نتنياهو لن تكون سوى ورقة في ملف ترمب لزوم تطويبه “بطلا للسلام”، لكنها قد تحرق البلد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى