مقالات مختارة

حين يصبح الكاتب متسولاً: أزمة النشر والفكر في لبنان والعالم العربي

الشمال نيوز  – عامر الشعار

حين يصبح الكاتب متسولاً: أزمة النشر والفكر في لبنان والعالم العربي

تخيّل كاتباً قضى أربعَ سنواتٍ أو خمساً من عمره في صومعته، يحارب الوحدة، ويصارع قسوة الورق الأبيض، ويستنزف خلاياه العصبية في سبيل فكرة، حبكة، رؤية، أو بحث علمي قد يغير مسار المعرفة. يخرج أخيراً ومخطوطته بين يديه، يتنفس الصعداء، ليصطدم بحقيقة مرة: لا أحد ينتظره. ليس هناك ذراع ترحيب من دار نشر، ولا يد تمتد لتقديم الدعم، بل يقف على عتبات دور النشر الكبرى أو المجلات العلمية المحكمة كمتسول، يقرع الأبواب التي لا تفتح إلا لمن يملك المال، أو الاسم، أو الصديق الشفيع. هذا ليس سيناريو درامياً مبالغاً فيه، بل هو وصف دقيق لواقع مرير يعيشه آلاف المؤلفين والباحثين في لبنان والوطن العربي اليوم. فما هذا الزمن الذي أصبح فيه المؤلف مستغلاً ومستضعفاً، بينما تتحكم “حيتان” النشر والبحث العلمي بمصير إبداعه، وتكرس الآلة البيروقراطية إفقاره، بدلاً من أن تحمي فكره وتقدر سنوات عمره التي ضحى بها؟

ما يجري ليس مجرّد أزمة عابرة في سوق النشر، بل تحوّل عميق في موقع الكاتب داخل منظومة الإنتاج الثقافي. الكاتب اليوم لم يعد ذاك الفاعل المركزي الذي يدور حوله النص والمعرفة، بل أصبح – في كثير من الحالات – الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة تبدأ برأس المال وتنتهي بالقارئ. وبين البداية والنهاية، يُختزل جهد سنوات من البحث والكتابة إلى “منتج” يُقاس بقدرته على البيع، لا بقيمته المعرفية أو الإبداعية. لقد تبدّل ميزان القوى؛ فلم تعد دور النشر وسيطاً ثقافياً يهدف إلى نقل المعرفة، بل تحوّلت – في كثير من السياقات – إلى مؤسسات تجارية خالصة، تحكمها حسابات السوق، وتفرض شروطها على الكاتب الذي يجد نفسه مضطراً لدفع تكاليف نشر عمله، أو التنازل عن حقوقه الفكرية، أو إعادة صياغة مشروعه ليتلاءم مع “ذائقة السوق”. وهكذا يُختزل المؤلف من صاحب مشروع فكري إلى مجرّد “مزوّد محتوى”، يُطلب منه أن ينتج وفق الطلب، وأن يصمت حين يُسلب حقه.

الأخطر من ذلك أن الأزمة لا تتوقف عند حدود الطباعة. فحتى في الحقول الأكاديمية، حيث يُفترض أن تُصان قيمة البحث، أصبح الباحث أسير منظومة مجلات علمية تجارية، تفرض رسوماً باهظة للنشر، وتُخضع الإنتاج العلمي لمعايير شكلية وتصنيفية، لا تعكس دائماً جوهر المعرفة. هنا أيضاً، يُستنزف جهد الباحث، وتُحتكر المعرفة داخل منصات مغلقة، بينما يبقى صاحبها في الهامش. إنها مفارقة قاسية: في زمن يُقال فيه إن المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى، يُقصى صانعو المعرفة أنفسهم من شروط إنتاجها وتداولها. الكاتب الذي يقضي سنوات في البحث والتأليف، يجد نفسه في النهاية باحثاً عن ممول، أو راعٍ، أو “صدفة” تنقذ مخطوطه من الأدراج. وكأن الإبداع لم يعد قيمة بحد ذاته، بل يحتاج إلى شهادة سوقية تبرر وجوده.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في “جشع دور النشر” فقط. فهناك تحوّلات أوسع: تغيّر عادات القراءة، صعود الوسائط الرقمية السريعة، تراجع مكانة الكتاب الورقي، وتحوّل القارئ نفسه إلى مستهلك يبحث عن المعلومة السريعة لا المشروع الفكري العميق. هذه التحوّلات مجتمعة خلقت بيئة تُهمّش العمل الطويل، وتكافئ الإنتاج السريع، ما زاد من هشاشة موقع الكاتب. لكن القول بأن “الكتاب انتهوا” ليس دقيقاً. الكتّاب موجودون، بل ربما أكثر من أي وقت مضى. ما تغيّر هو شروط ظهورهم. إنهم يكتبون في الظل، ينشرون على حسابهم، أو يكدّسون مخطوطاتهم بانتظار فرصة. إنهم لا يختفون، بل يُقصَون. وهنا تكمن المأساة: ليس في غياب الفكر، بل في غياب العدالة الثقافية التي تتيح لهذا الفكر أن يُرى.

الليرة والدولار: الورقة الخضراء تقتل الورقة البيضاء

لبنان، الذي كان يُعرف ردحاً من الزمن بـ”مطبعة العرب”، حيث كانت بيروت ملاذاً للكتّاب والمفكرين الهاربين من الرقابة، ومقصّاً لصناع المعرفة من المحيط إلى الخليج، بات اليوم يعيش أزمة وجود حقيقية. رئيسة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين، سميرة عاصي، تصف واقع النشر اليوم بـ”المأساوي”، وكشفت أن مبيعات دور النشر تراجعت بأكثر من 70%. جوهر المشكلة باختصار هو “الدولار”. فجميع مستلزمات الطباعة من ورق وأحبار، تُسدّد بالدولار، بينما تباع الكتب في السوق المحلية بالليرة اللبنانية التي فقدت أكثر من 90% من قيمتها. هذا التفاوت الكارثي جعل من المستحيل على معظم دور النشر، التي يصل عددها حالياً إلى نحو نصف ما كانت عليه في الماضي، الاستمرار في إصدار عناوين جديدة، وقد اضطر البعض إلى خفض إنتاجها بنسبة تصل إلى 70%.

والمعاناة لا تقف عند دور النشر وحدها، بل تمتد إلى المطابع التي كانت شريان الحياة لهذه الصناعة. فقد انخفض عدد المطابع في لبنان بنسبة 85%، فمن 4000 مطبعة، لم يتبق سوى مئات قليلة تكافح للبقاء. وتلتهم فواتير الكهرباء والمازوت أي هامش ربح متبقٍ، في مشهد محبط يجعل صناعة الكتاب أقرب إلى المغامرة الخاسرة منها إلى مشروع ثقافي مستدام.

الإبداع مقابل المجانية: صراع مع السوق والمافيا والمنّة

في هذا الجو الخانق، يتحول الكاتب من مبدع إلى “مستجدي” للفرص، يخضع لـ”الأمزجة وسوق الورق ومافيا إنتاج الكتب”. المؤلف لم يعد محور العملية الثقافية، بل أصبح حلقة أضعف في سلسلة إنتاج لا ترحم. فالعديد من دور النشر لم تعد ترى في الكاتب سوى كلفة إضافية، فتلجأ إلى عقود استغلالية تحرمه من حقوقه، أو تشترط عليه تحمل أعباء الطباعة والتوزيع بنفسه. ولم تسلم المجلات العلمية من هذا الفساد المستشري، فهي تفرض رسوماً باهظة على الباحثين لنشر أبحاثهم، ثم تعيد بيع هذه الأبحاث للمكتبات الجامعية بأسعار خيالية، محققة أرباحاً طائلة على حساب جهد الباحثين.

الباحث العربي، الذي يعاني أصلاً من ضعف التمويل وقلة الدعم، يجد نفسه مضطراً لدفع ثمن النشر من جيبه الخاص، أو البحث عن “متمول” أو “مهجوس بالكتب” يقدم له “منّة” المساعدة في النشر، كتعبيرك الصادم والحقيقي.

والمشكلة لا تقتصر على المال فحسب. فالواقع المؤلم أن القراء أنفسهم لم يعودوا قادرين على شراء الكتب. وفي بلد يكافح أغلبه لتأمين لقمة العيش، يصبح شراء كتاب “رفاهية” لا يمكن تحملها. وقد لجأ الكثيرون، بمن فيهم الباحثون والمثقفون، إلى تحميل الكتب بصيغة PDF مجاناً من الإنترنت، مما زاد من تعقيد أزمة حقوق المؤلف والناشر على حد سواء.

وهكذا، تتسع دائرة المفارقة: الكاتب عاجز عن النشر، والناشر عاجز عن الطباعة، والقارئ عاجز عن الشراء. دائرة مغلقة تخنق الثقافة من كل الجهات.

الإبداع البشري يعلن عصيانه على الآلة

في خضم هذه الأزمة، يبرز سؤال وجودي: هل يمكن للتكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، أن تعوّض هذا الانهيار؟ الجواب، بوضوح، لا. فالآلة قد تُنتج نصاً، لكنها لا تعيش تجربة، ولا تراكم وعياً، ولا تدفع ثمن المعرفة من عمرها. الإبداع الحقيقي ليس خوارزمية، بل تجربة إنسانية عميقة، مشبعة بالمعاناة والشك والبحث. الكاتب ليس مجرد منتج كلمات، بل حامل ذاكرة وسؤال ورؤية للعالم.

الذكاء الاصطناعي يعتمد على الاحتمالات والتكرار، بينما الإبداع الحقيقي هو نتاج المعاناة، والشك، والتمرد على المألوف، والشغف الإنساني الذي لا يمكن قولبته في صيغة رياضية. وإذا كان الجدل يدور حول حقوق الطبع والنشر في عصر الذكاء الاصطناعي، فإنه إذا كان لا يمكن تسجيل مصنف مولّد بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي لحمايته، فكيف لآلة أن ترقى إلى مستوى الخلق الإنساني؟ إذن، الجواب واضح: لا يمكن للعقل الاصطناعي أن يملأ الفراغ الذي يتركه العقل البشري حين يُقصى أو يُهمّش.

لبنان نموذجاً: ورشة النشر التي تخنقها الأنقاض

لبنان يقدم نموذجاً مأساوياً بامتياز لهذه الأزمة. فإلى جانب الانهيار الاقتصادي، عانى القطاع الثقافي من جائحة كورونا التي أوقفت معارض الكتب، ومن انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر مراكز ثقافية عريقة، ومن أزمات متراكمة أضعفت البنية التحتية الثقافية. هذا التراكم جعل من الاستمرار في النشر فعلاً شبه بطولي. أغلب دور النشر لم يعد لديها خطط واضحة، بل تحاول فقط البقاء.

في هذا السياق، يعيش الكاتب اللبناني مأساة مضاعفة: فهو يعاني من ارتفاع تكاليف الطباعة وانعدام الدعم، وفي الوقت نفسه يفقد جمهوره نتيجة انهيار القدرة الشرائية. وتبدو الأزمة هنا كأنها قدر دائري: لأن الناس لا تشتري، دور النشر لا تطبع؛ ولأن دور النشر لا تطبع، الكتّاب لا ينشرون؛ ولأن الكتّاب لا ينشرون، الثقافة نفسها تتراجع.

يسألون: لماذا جف إصدار الكتب؟

الجواب ليس أن المبدعين قد اختفوا، بل أنهم موجودون لكنهم يُقصَون. يكتبون، لكنهم لا يُنشرون. ينتجون، لكنهم لا يُرون. يبحثون عن ممول، أو فرصة، أو نافذة صغيرة تسمح لأعمالهم بأن ترى النور. إنها أزمة الكتاب والكاتب، بل أزمة الفكر والثقافة بأكملها.

إن أزمة الكتاب اليوم هي في جوهرها أزمة قيمة: قيمة الفكر، وقيمة الزمن الذي يُستثمر في إنتاجه، وقيمة الإنسان الذي يقف خلفه. حين يصبح الكاتب متسوّلاً لحقه في النشر، فالمشكلة لا تخصه وحده، بل تخص المجتمع بأسره. فالمجتمع الذي يهمل كتّابه، إنما يهمل مستقبله.

الحل لا يكمن في الحنين إلى زمن مضى، بل في إعادة بناء منظومة النشر على أسس أكثر عدلاً: دعم حقيقي للكتاب، تشريعات تحمي حقوقهم، مؤسسات نشر ترى في الكتاب مشروعاً ثقافياً لا سلعة فقط، ومنصات تتيح الوصول الحر إلى المعرفة دون استغلال المنتجين. كما يتطلب الأمر إعادة الاعتبار لفعل القراءة ذاته، بوصفه ممارسة نقدية لا استهلاكاً عابراً.

في النهاية، الكاتب لا يطلب امتيازاً، بل حقاً بسيطاً: أن يُنشر عمله دون إذلال، وأن يُقدَّر جهده دون ابتزاز، وأن يكون شريكاً في صناعة الثقافة، لا ضحية لها. وإذا استمر هذا الخلل، فإن الخسارة لن تكون خسارة الكاتب وحده، بل خسارة مجتمع بأكمله، يفقد تدريجياً قدرته على التفكير العميق، ويستبدل المعرفة بالصدى، والفكر بالضجيج.

غير أنّ هذه الصورة العامة تكتسب في لبنان ملامح أكثر حدّة وتعقيداً، حيث تتقاطع أزمة النشر مع أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة. فمنذ الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، ارتفعت كلفة الورق والطباعة بشكل هائل نتيجة انهيار العملة المحلية وارتباط مواد الإنتاج بالدولار، ما جعل نشر كتاب واحد مغامرة مالية شبه مستحيلة. دور النشر، حتى العريقة منها، وجدت نفسها عاجزة عن تحمّل المخاطر، فنقلت العبء إلى الكاتب، أو خفّضت عدد إصداراتها إلى الحد الأدنى.

في هذا السياق، لم يعد الكاتب اللبناني يواجه فقط منطق السوق، بل يواجه أيضاً انهيار البنية التحتية الثقافية: تراجع المكتبات، تقلّص معارض الكتب، ضعف القدرة الشرائية لدى القارئ، وغياب أي سياسة ثقافية رسمية تدعم الإنتاج الفكري. حتى معارض الكتاب، التي كانت تشكّل نافذة أساسية لظهور المؤلفين، باتت تعاني من ضعف المشاركة والإقبال، ما حرم الكاتب من أحد أهم فضاءات التفاعل مع جمهوره.

إلى جانب ذلك، يبرز عامل الهجرة الثقافية. فعدد كبير من الكتّاب والباحثين اللبنانيين اضطروا إلى مغادرة البلاد، بحثاً عن بيئة تتيح لهم الاستمرار في العمل والإنتاج. وهكذا لا يخسر لبنان فقط كتبه، بل يخسر أيضاً كتّابه، في نزيف صامت يهدد مستقبله الثقافي. أما من بقي، فيجد نفسه محاصراً بين شغف الكتابة وقسوة الواقع، يكتب في ظروف معيشية ضاغطة، دون أفق واضح للنشر أو التوزيع.

كما تتجلى الأزمة في اختلال العلاقة بين الكاتب والناشر. ففي ظل الضائقة الاقتصادية، أصبحت عقود النشر أكثر إجحافاً، وغالباً غير شفافة، فيما تغيب آليات قانونية فعالة تحمي حقوق الملكية الفكرية. ويزداد الأمر سوءاً مع انتشار القرصنة، التي تحرم الكاتب من أي عائد مادي محتمل، وتحوّل كتابه إلى مادة متداولة بلا مقابل.

ورغم كل ذلك، لا يمكن إغفال أن لبنان لا يزال يحتفظ بتقليد ثقافي عريق، وبطاقة إبداعية حيّة. فهناك مبادرات فردية وجماعية تحاول كسر هذا الواقع: دور نشر صغيرة مستقلة، منصات رقمية بديلة، ومشاريع ترجمة ونشر جديدة تسعى إلى إعادة الاعتبار للكتاب. لكنها تبقى جهوداً متناثرة، تحتاج إلى دعم مؤسسي حقيقي كي تتحول إلى بديل مستدام.

إن أزمة الكتاب والكتّاب في لبنان ليست إلا مرآة مكثّفة للأزمة العامة التي يعيشها البلد: أزمة اقتصاد، وأزمة دولة، وأزمة رؤية. لكنها أيضاً اختبار لقدرة الثقافة على الصمود. فإما أن يُعاد الاعتبار للكتاب بوصفه ركيزة من ركائز الوعي المجتمعي، وإما أن يُترك ليغرق في سوق لا يعترف إلا بما يُباع سريعاً، لا بما يبقى طويلاً.

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى