تراتنياهو وتداعيات الحرب على ايران والمنطقة
الشمال نيوز
تراتنياهو وتداعيات الحرب على ايران والمنطقة
كتب : علي شندب
بخطاب باهت للأميركيين أطلّ الرئيس الامريكي دونالد ترامب. باهت لأن آلته الإعلامية ضخّت كل عناصر التشويق السياسي توازياً مع الخطط التي وضعها البنتاغون ليعتمد الخطة التي باتت تستهدف تضليل ماكينة التنبؤات بسلوكه، أكثر ممّا تستهدف الخطط الاستراتيجية بعد الاخفاقات التي هشّمت الكاريزما الترامبية في استطلاعات الرأي الأخيرة.
ويبدو أن سبب التخبّط الأميركي، ابتلاع ترامب لكامل الوجبة المفخّخة التي ألقمه إياها بنيامين نتنياهو الذي نجح خلال لقائهما الأخير في تعزيز إقناعه بأنّ الاستهدافات القاتلة للنظام الايراني بدءاً باغتيال المرشد علي خامنئي وأركان الصفّ الأول للقيادة الايرانية العسكرية والثورية، من شأنها أن تؤدي الى انهيار النظام من داخله فورياً، نتيجة تحييد منظومة القيادة والسيطرة من جهة، وتجريء المعارضين الايرانيين وخصوصاً الأكراد على الخروج وبسلاحهم هذه المرة من جهة أخرى.
لكنّ حسابات تراتنياهو بحصد رؤوس النظام لم تتطابق مع حسابات الميدان الايراني، فتبخرت آمالهما في إنهاء المهمة وأخفقا في استيلاد النتائج التي ترسم لهم صورة النصر المأمول. ويبدو أنّ حرب تراتنياهو على ايران باتت أشبه بمأزق حقيقي لهما، خصوصاً في ظل ثبات ايران واقتدارها على المطاولة والقتال الصاروخي على امتداد اسرائيل ومواقع انتشار القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة.
وكما تفتقد الحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران، والتي لا يمكن وصفها بأقل من العدوان الغاشم، لأي مشروعية قانونية وأخلاقية، فإن استهداف ايران لدول الخليج يفتقد بدوره لأي مشروعية قانونية وأخلاقية.
وربما يصح الاستنتاج، أن عرب الخليج الذي يدفعون أثماناً أمنية واقتصادية استراتيجية باهظة نتيجة تموضعهم واعتدادهم بالحماية الأميركية، اكتشفوا ولو متأخرين مصداقية مقولة حسني مبارك “المتغطي بأمريكا عريان”، وأن قناعة بعض حكومات الخليج بحماية أمريكا لهم قد اهتزت، ما يدفع النخب الخليجية الحاكمة الى مراجعة وضعها كـ”محميات” ذابت مساحيق حصانتها الشكلية بفعل مروحة الصواريخ الايرانية على القواعد الأمريكية والمنصّات الزجاجية الطاقوية والاقتصادية.
ممّا تقدم يتضح ان الاخفاق الترامبي في ايران، شبيه بالاخفاق البوتيني في اوكرانيا، مع ملاحظة الفارق بين الانخراط الاوروبي الأميركي الفاعل بجانب اوكرانيا، وعدم الانخراط المعلن والمتناسب من روسيا والصين مع ايران. ورغم انعدام الفارق، يسجّل لايران ثباتها في حرب غير متكافئة، أضاف اليها إحكامها “السيطرة الذكية” المعزّزة بقانون برلماني قيد التشريع على مضيق هرمز، ترسيخ مكانتها كقوّة اقليمية بارزة جحّظها تلويح “حركة أنصار الله الحوثية” بإغلاق باب المندب كوسيلة ضغط اضافية في صراع الارادات والوجود في المنطقة.
وفي نظرة فاحصة على أهداف تراتنياهو من الحرب نجدها قد تغيّرت عدة مرّات خصوصاً بعد اخفاق هدفهما المركزي في إسقاط النظام الغير مخلّق في دوائر القرار الغربية، بخلاف نظم ومحميات عربية وأجنبية..
ويبدو أنّ السلاح الاستراتيجي الذي صاغه خامنئي الأب قبيل اغتياله، وخصّبته ايران وأحسنت استخدامه، يرتكز على نظام سري متعدّد المستويات لتداول السلطة يعيّن بموجبه 4 شخصيات من البدائل القيادية لكل منصب، منحوا استقلالية تامة في حال تدمير القيادة العليا وانقطاع الاتصالات ما يجعل من كل قيادي صاحب قرار في مجال اختصاصه وأمر عملياته المسبقة.
أمّا الطريقة المعلنة لتركيبة النظام فتقوم على تراكمية تطويرية تجمع بين الديمقراطية الشكلية والسلطة الالهية المنوطة بـ “الوليّ الفقيه”. نظام ينتصب على عديد المؤسّسات المتوازية والمتوازنة خارج وضمن سلطة الحكومة الخدماتية. نظام استطاع للمرّة الأولى أن يحقّق الاندماج والفصل المتصل بين دفتيه، حيث يتولى ركنها الأول حماية الدولة، ويتولى ركنها الآخر حماية الثورة وتأمين تمدّدها المتجاوز لعواصم عربية واقليمية. وكلنا يذكر كلام قاسم سليماني لقائد مقر عام خاتم الأنبياء السابق غلام علي رشيد، بأنه نجح في إنشاء 6 جيوش عربية مهمتها الدفاع عن طهران.
جيوش، حذفت منها سورياً كلياً، جيشاً ونظاماً، لكن إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى ربما يعيدها الى المواجهة كما أوحت وأفصحت مواقف وتصريحات خطيرة لمجاميع سورية مسلحة في درعا ومحيطها. كما حذفت منها حركة حماس جزئياً بفعل العدوان على غزّة، وبقي منها حوثيي اليمن وفصائل العراق الولائية، وساد اعتقاد رغبوي عمّم على نطاق واسع بأنّ حزب الله قد حذف منها نتيجة ما أصابه خلال معركة إسناد غزّة.
وفيما انخرطت فصائل عراقية ضد القواعد الأميركية، فقد شكّل حزب الله المفاجأة الموازية لمفاجئة ايران، وبدا انخراطه في معركة مزدوجة للدفاع عن لبنان وايران، والثأر لاغتيال زعيمه حسن نصرالله ومرشده علي خامنئي، مفاجأة من العيار الثقيل دلّلت على اتقانه لعبة الخداع التي فاجأه بها نتنياهو عبر “البيجرز” واغتيال القادة.
مفاجأة بيّنت أن الحزب بقيادة نعيم قاسم، تعافى الى حد سمح له بخوض حرب استباقية لحرب إسرائيلية مقرّرة عليه، توازياً مع الحرب على ايران. لكن استباقية حزب الله الوجودية رغم نزع لبنان الرسمي شرعيته عنه، فتحت المشهد على توازات جديدة تفكّ شيفرتها بعدما تضع الحرب أوزارها.
إنها حرب اسرائيل التي استطاع نتنياهو جرّ ترامب اليها، وفشل ترامب في جرّ أوروبا. فشل أخذ ينعكس على دول الناتو بلسان قادة بريطانيا وايطاليا والمانيا وفرنسا التي سبق لرئيسها ايمانويل ماكرون أن وصف الناتو بـ”الميت سريرياً” لأنه تخلّف عن مساعدته ضد تركيا الناتوية في شرقي المتوسط، بعدما تشاركا مع الولايات المتحدة وقطر والامارات والاردن عسكرياً في العدوان على ليبيا واغتيال قائدها معمّر القذافي عام 2011.
هي الحرب التي لطالما تعهد ترامب للناخب الاميركي بعدم خوضها وشنّها، وما زال ينكّل بأسلافه بوش، اوباما وبايدن بسبب خوضهم لها. واذ به يشنّ الحرب الأخطر المتجاوزة لمخاطر كل حروب أسلافه، لأنّ تداعيات هذه الحرب ستصيب الاقليم الأوسع من فوّهة مضيقي هرمز وباب المندب الى بحر قزوين وبحر إيجه، ودقت نواقيس خطرها في الدول العربية والاسلامية الكبرى فتداعت الى اجتماع في اسلام أباد لإطفاء الحريق، ضمّ وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان وسط دعم ومتابعة من روسيا والصين.
في اليوم التالي للحرب سيكون الخطرالأكبرعلى ايران من داخلها، ويرجح أن هذه المخاطر ستنسحب على دواخل العراق ولبنان وسوريا أيضاً.