مقالات مختارة

حساسيات لبنانية متفاعلة بنكهة مسيحية مستجدة

الشمال نيوز  – عامر الشعار

كتب عارف العبد – المدن

أُضيف إلى الملفات الخلافية الكبرى والكثيرة، المتعددة والساخنة في البلاد، وهي ليست بقليلة، أحد الملفات الجديدة والتي بدأت تشهد سخونة في المعطيات، تتحرك وترتفع وتنشط في المدة الأخيرة، وذلك عبر مؤشرات ودلالات كثيرة، أساسها ليس كبيراً أو خطيراً الآن. وهي ليست أكثر من بعض الضغائن الصغيرة، و”العنعنات” والنعرات و”النكايات” المحلية المسيحية والمارونية تحديداً! بعد أن أقدم رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، وبلسان زوجته النائبة السيدة ستريدا جعجع، على إعلان انزعاجه أو عتبه على الرئيس جوزاف عون، لعدم دعوته إلى حفل استقبال البابا لاوون الرابع عشر في القصر الجمهوري. وهي مسألة تحتمل أكثر من تأويل، خصوصاً أن جعجع لم يزر رئيس الجمهورية في قصر بعبدا للقاء والتهنئة، إلا بعد مضي ستة أشهر من انتخابه رئيساً للجمهورية.

رفع جعجع أكثر من السابق من درجة اعتراضه، أو ملاحظاته أو تحسسه، من رئيس الجمهورية، بأن نقل درجة “النكوزة” من توجيه النقد المباشر إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري “المتسلبط” على مجلس النواب، وتصرفه الفردي والمزاجي في طريقة إدارة جلسات المجلس، والمواضيع المطروحة على جدول أعمال الجلسة العامة، ومنها مسألة قانون الانتخاب.. إلى محاولة الحشر السياسي لرئيس الجمهورية نفسه، عبر الطلب منه الالتزام بمنطوق الدستور واستخدام صلاحياته انطلاقًا من أحكام الفقرة العاشرة من المادة 53 من الدستور، لتوجيه رسالة إلى رئيس مجلس النواب، اعتراضاً على عدم إدراج الاقتراح المعجل المكرر، المحال من الحكومة، والذي لم يتجاوب معه بري في مناقشة قانون الانتخابات النيابية وبعض تطبيقاته.   

إضافة إلى أن جعجع كان توجه برسالة سياسية اعتراضية على تصرفات الرئيس بري وشمل فيها رئيس الجمهورية، متهماً الرؤساء الثلاثة بما فيهم الرئيس عون بإعاده الترويكا إلى العمل.

الرئيس عون الذي التقط كل هذه الإشارات، كان أن أبدى انزعاجه من تصرفات بعض الوزراء، حين أشار في جلسة لمجلس الوزراء، بغياب وزير الخارجية يوسف رجي “القواتي “، إلى وجوب امتثال أي وزير لقرارات ومراسيم مجلس الوزراء.

بطبيعة الحال، فإن هذه الحساسية الراهنة، لم تبق معزولة عن التفاعل والتمحور، الذي سرعان ما ظهر في الزيارة التي قام بها الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية إلى بعبدا، وتشديده على الوقوف إلى جانب الرئيس ودعمه في مواقفه وجهوده.

والذي لم يقله رئيس تيار المردة، صرح به نجله النائب طوني فرنجية، بعد زيارته الرئيس عون أيضاً على بعد ساعات من زيارة والده، قائلاً: “إنّ ما نراه اليوم في لبنان، ليس أملًا مبنيًّا على كاريزما الرّئيس عون؛ بل على وقائع سياسيّة، بدأنا نتلمس نتائجها على الأرض. يجب أن نبثّ دائمًا الأمل للنّاس”، مبيّنًا “إنّنا نسمع كثيرًا بعض المسؤولين في لبنان يهوّلون بالحرب، وبأنّ البلاد تتجه صوب الأسوأ، وإنّ لبنان لا يقوم بواجباته، لكنّني أعتقد أنّ ما تقوم به الدولة اللبنانية والجيش هو أكثر من ممتاز، وأكثر من المطلوب”. 

النائب فرنجية أشاد بما قام به الجيش اللبناني جنوب الليطاني، في الجنوب. على العكس من موقف جعجع وانتقاداته، المبطنة والعلنية الصريحة، للعملية الجارية وطريقتها. وقد غمز النائب فرنجية، من قناة جعجع والقوات بالقول: “ما تقوم به الدّولة والجيش أكثر من جيّد، وضمن المستطاع والواقعيّة السّياسيّة”. قائلاً بشكل صريح: “للأسف، هناك أشخاص ربّما لا يريدون نجاح هذا العهد، ولا يرون التقدّم الحاصل الّذي يحرجهم، ويحرمهم مادّةً سياسيّةً يتداولون بها”.

بطبيعة الحال، يدرك رئيس الجمهورية تماماً حدود صلاحياته الدستورية، والآفاق التي يمكنه أن يتحرك بها تجاه المواضيع المطروحة.

السؤال، هل أن الرئيس عون سيستخدم صلاحياته الدستورية، حسب إشارة ومطالبة جعجع؟

لا يخفى، أن القوات اللبنانية بمواقفها الحالية، تموضعت منذ ظهور نتائج حرب الإسناد المدمرة، باتجاه الضغط السياسي والإعلامي، بأعلى درجة ممكنة، لتسريع مسألة حصر السلاح بيد الدولة، والذي تطلق عليه تعبير “نزع السلاح” حتى ولو بالقوة.

ولا يخفى أيضاً، أن رئيس الجمهورية الذي يعمل جاهداً حتى “يعبّي مطرحه” ويحاول أن يبرهن عن جدارته بقوة وفاعلية وتميز، ويثبت أقدامه ونفسه، لجهة مبادرته في أكثر من ملف واتجاه.

الرئيس عون له مقاربته، التي توحي بالتمهل والتروي، وبعض الأحيان المسايرة وتطويل البال، تجاه حزب الله والحالة الشيعية المتوترة والمنفعلة والمأزومة راهناً.

رئيس الجمهورية استعان بعلاقته التي يتصرف ويوحي أنها إيجابية وسالكة مع الرئيس بري، لتمرير وترتيب ملفات كثيرة، انطلاقاً من تعيين حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، إلى الاستفادة لتمرير وإنضاج ملفات أخرى في السلم الإداري والتنافس على النفوذ ومراكز القوى.

لذلك، الرئيس عون سيفكر أكثر من مرة، ولأكثر من سبب، قبل أن يذهب إلى خطوات تُوتر علاقته مع بري.

لم يثبت حتى الآن، أن رئيس الجمهورية يعمل لتشكيل قوة أو كتلة سياسية نيابية مؤيدة له، صالحة للاستخدام في المستقبل. فلم يتدخل في الانتخابات البلدية، بالرغم من الطلبات المتعددة والكثيرة.

المسلم به جدلاً أن الرئيس الحالي ليس الرئيس الراحل فؤاد شهاب، لأكثر من سبب وسبب، لكنه وبسبب تموضع الحزبين المسيحيين الأكبر، أي ” القوات اللبنانية” والتيار الوطني الحر، في مكان متحفظ ومراقب لخطواته وتصرفاته، وفي غياب رؤية ومشروع متكامل لديه، لإعادة بناء الدولة وإنهاضها، وتطبيق ما تبقى من اتفاق الطائف، لم يتردد في إعادة تنشيط والمساعدة على فتح أبواب بيوت بعض الموارنة الشهابيين السابقين. انطلاقاً من آل سعيد في جبيل، عبر دعم تعيين كريم سعيد نجل النائب الراحل السابق انطون سعيد، حاكماً لمصرف لبنان، وصولاً الى آل عزيز في جزين عبر تعيين السفير سيمون كرم ممثلاً للبنان في لجنة الميكانيزم، وهو ابن شقيقة السياسي الشهابي الراحل جان عزيز. 

رئيس الجمهورية الحالي أثبت أنه يحمل ويعمل بنشاط على توجهات قوية لإعادة إحياء وتقوية مؤسسات الدولة المتداعية.

أحدث الرئيس الحالي فرقاً هائلاً في التعاطي مع ملفات عديدة، كانت مهملة أو مجمدة، أو كانت نائمة في العهد العوني السابق. تقدم خطوات كبيرة إلى الأمام، لكن كلامه الأخير من بكركي عن تنفيذ خطة حصر السلاح حسب الظروف، قد يكون حاملاً للكثير من الردود والتفاسير. 

ما زال الامتحان اللبناني صعباً وعسيراً، وقد يكون الآتي أعقد من الذي أفل وعَبر.

يبقى السؤال هل تتحول الحساسية الراهنة التي تظهر أعراضها بين حين وآخر إلى عارض صحي سياسي يشغل البال؟ 

كل شيء وارد في لبنان، والعلم عند الله وحده ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى