مقالات مختارة

من هو الملتزم الجديد للبنان

الشمال نيوز  – عامر الشعار

كتب عارف العبد – المدن

لا يزال الرأي العام اللبناني، وقطاع واسع من القوى السياسية والدولة اللبنانية، في حالة الصدمة والارتباك، جراء إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة الأميركية. صحيح أن قرار الإلغاء النهائي جاء من لبنان، بعد تشاور بين رئيس الجمهورية وقائد الجيش، إثر إلغاء وانهيار أغلب وأهم مواعيد القائد في العاصمة الأميركية. لكن المهم والأساسي في الموضوع أن العلاقات اللبنانية الأميركية، هي اليوم في أدنى مستوياتها، وفي أسوأ الحالات، بالرغم من أن لبنان استقبل خلال الساعات الماضية السفير الأميركي الجديد اللبناني الأصل، ميشال عيسى.   

والظاهر حتى الآن، أن علاقة لبنان مع الموفدين الأميركيين في عهد الرئيس دونالد ترامب، هي في وضعية صعبة ومعقدة، لم تحدث سابقاً، لارتباط أغلبية الموفدين بالرئيس ترامب مباشرة، كرجل أعمال ومستثمر طموح ومغامر، ومتعاطف مع إسرائيل ومؤيد وداعم لها، فيما تراجع دور الدبلوماسيين التقليديين المحترفين، المعدّين للخدمة في دول المنطقة والعالم.  والدليل ما جرى مع قيادة الجيش مؤخراً، والتي تعتبر في أوقات كثيرة وفي المدة الأخيرة، محمية ومصانة ومرعية ومضمونة تقليدياً من قبل أميركا.

الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، كانت صدمت لبنان والمسؤولين فيه، حين أعلنت من على باب القصر الجمهوري، في أول زيارة لها، انحيازها المطلق إلى جانب إسرائيل وبطريقة جافة ووقحة، مباشرة وقاسية، حين قالت ومن على عتبة مكتب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، إنها تتوجه بالتهنئة والشكر لإسرائيل لأنها تمكنت من ضرب حزب الله وتحطيمه أو القضاء عليه.

كما أن خلفها طوم براك، عاد وأبدع في التصرف بغرابة ووقاحة وقسوة وقلة احترام، عبر إطلاق المواقف والتعابير الحادة والمستغربة تجاه لبنان والمسؤولين فيه، بعد أن كان أقدم على وصف أصوات وضجيج الصحافيين في غرفة الصحافة بالتصرف الحيواني. 

في لبنان واستناداً إلى التجربة العملية، هناك قناعة قوية أنه من دون الولايات المتحدة الأميركية، ما كان للجيش في لبنان أن يصمد ويستمر إلى يومنا هذا. فقد تولت الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص في السنوات الأخيرة، مد ومساعدة الجيش اللبناني على الصمود والبقاء قوة ومؤسسة متماسكة، في مواجهة الظروف والمعطيات القاسية والصعبة التي مر بها لبنان سياسياً ومالياً وأمنياً.  

الواقع يقول، إن أميركا أنقذت الجيش من الانهيار والتفكك في العقد الأخير، ولو لم تقف أميركا إلى جانب لبنان في هذه النقطة، لما كان هناك وجود لجيش لبناني متماسك وقوي وفي بنية واحدة.

الذي جرى مؤخراً، أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب بدأت تبدل من موقفها وطريقة تعاطيها مع لبنان.

هناك انطباع قوي، يستند على دلائل وتصرفات أميركية متعددة، أن الإدارة الأميركية، تتصرف مع لبنان كأنه في وضعية عبد مأمور، منتزعة وملغية حقوقه، كبلد له تاريخ ولديه دور مهم في المنطقة والعالم، بسبب تركيبته المتنوعة والمختلطة.   

الولايات المتحدة في العهد الحالي، لم تظهر أنها حريصة على الحد الأدنى من حقوق لبنان البسيطة والضرورية لإعادة بناء الدولة السيدة. 

الولايات المتحدة، تنظر إلى لبنان في المدة الأخيرة، بعين إسرائيل ومصالحها، وليس بعين ضرورة الحفاظ على ماء وجه السلطة في لبنان ومساعدتها على التماسك والبقاء.

الدليل الثابت، أن المطلوب من لبنان الالتزام بوقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية، من دون مطالبة إسرائيل بخطوات مقابلة لتحسين أجواء التنفيذ. وإعطاء انطباع بعدم الانحياز لإسرائيل.

الموفد الرئاسي الأميركي طوم براك، كان قال علناً، في آخر زيارة، إنه ذاهب إلى إسرائيل لمطالبتها بخطوات مقابل خطوات لبنان، ما أوحى بمقاربة متوازنة بين البلدين. لكن الذي جرى، فيما بعد حين عاد من إسرائيل هو التراجع عن الفكرة، وتبني النظرية والمقاربة الإسرائيلية المتطرفة والمتشددة، لا مقاربة لبنان التي تسعى إلى حفظ ماء الوجه، وإعادة ترتيب الأوضاع في الحد الأدنى.

في المقابل، فإن السلطة اللبنانية الموقرة تتصرف، وتصرفت بطريقة مربكة للحلفاء الغربيين والعرب.

يقول الخطاب الرسمي للسلطة اللبنانية الحالية، بحصر السلاح بيد الدولة، وفي المقابل تظهر السلطة الحاكمة نفسها، إشارات متناقضة ومحيرة للداعم الغربي والعربي، كمثل أن يقترب مسؤول كبير ويحيط نفسه بمستشارين مقربين من حزب الله والثنائي الشيعي، بشكل مقصود ومبالغ فيه أحياناً.

المحير والمربك بالنسبة للآخرين، من داعمين عرب وغربيين، ما جرى أثناء وبعد حادثة صخرة الروشة، وخصوصاً موقف وتصرف قيادة الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، إضافة إلى بيان وزير الدفاع الغريب آنذاك، في بيانه الشهير، مما أوحى أن هناك وجهين وتصرفين في الدولة نفسها، إزاء موضوع يفترض أن لا خلاف عليه.  

المؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية، تتبنى المقاربة والهواجس الإسرائيلية، وتغطي على جرائم إسرائيل المرتكبة بحق لبنان، من دون أن تعطي الدولة اللبنانية الأوراق المطلوبة للتوازن، في المقابل، لمواجهة حزب الله وجموحه للعودة إلى سابق عهده.

الطرفان، أي الدولة اللبنانية وأميركا، لم “يحلبا صافياً” تجاه ما هو مطلوب منهما. أميركا تدلل إسرائيل وتناصرها في تصرفاتها، وبعض الدولة يظهر أنه يساير ويراعي حزب الله، وتشنجه وتعنته وسلبيته المتفاقمة.

في مطلع التسعينات ومع إعادة ترتيب أوضاع وأوراق المنطقة، وإزاء الاستعصاء اللبناني الذي فاقمه يومها طموح ميشال عون في بعبدا، أقدمت الولايات المتحدة على الهرب من الزواريب اللبنانية، وإلى تلزيم لبنان لسوريا حافظ الأسد. اليوم وإذا ما استمر الاستعصاء في لبنان، كما هو جارٍ الآن، هل سيكون هناك ملتزم جديد ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى