اخبار عكار والشمال

أليسار ضحية قرار إداري: كيف شُلّت طرابلس باسم حماية التراث

الشمال نيوز  – عامر الشعار

*أليسار ضحية قرار إداري: كيف شُلّت طرابلس باسم حماية التراث*

جريدة اللواء 29 كانون الثاني 2026

د. مصطفى قراعلي*

لم تمت أليسار لأن بيتها قديم، بل لأن قرارًا إداريًا جعل طرابلس رهينة بين لجان ووزارات ووقّع حكمه باسم “حماية التراث”. ما يحدث لم يعد مسألة تنظيم أو تاريخ، بل مسألة حياة أو موت، بعدما وُضعت المدينة تحت وصاية بلا قانون، فتوقّفت رخص الترميم والهدم، وبات الناس ينامون تحت أسقف متصدّعة بانتظار الدور التالي للانهيار.

هنا لا يسقط الحجر وحده، بل يسقط معه معنى السلطة والمسؤولية. يُمنع الإصلاح، تُعلَّق الحلول، وتُترك البيوت المأهولة تتداعى فوق أصحابها، فيتحوّل التراث إلى ذريعة لتعطيل الحياة، وتتحوّل طرابلس إلى مدينة تنتظر موتها إداريًا.

*كيف صودرت صلاحيات بلدية طرابلس بلا قانون*

القانون واضح ولا يحتمل التلاعب: بلدية طرابلس تملك صلاحية الترخيص بالبناء والهدم والترميم، ولا يُستثنى إلا المبنى المصنَّف أثرًا أو الواقع ضمن موقع أثري مُسجَّل رسميًا. هذا نصّ قوانين البلديات والتنظيم المدني والآثار مجتمعة، بلا ازدواج ولا غموض.

لكن الواقع فُرض بعكس ذلك: منذ أكثر من عقد، تُحال كل رخص المدينة القديمة إلى وزارة الثقافة ولجنة الآثار، حتى للمباني غير المصنّفة وغير المدرجة على أي جرد. لا قانون نقل الصلاحية، ولا مرسوم أعلن طرابلس مدينة أثرية شاملة، بل أعراف إدارية حوّلت الاستثناء إلى قاعدة، وجمّدت صلاحيات بلدية منتخبة، وأمسكت برقبة المدينة من خارج القانون.

*من تعليق الرخص إلى سقوط الضحايا*

حين تُجرَّد بلدية من صلاحياتها بلا نصّ قانوني، فهذا ليس تنظيمًا بل اغتصاب للقرار العام. وحين تُعلَّق معاملات الترميم والهدم لأن لجنة مركزية لا تجيب، فهذا ليس حماية للتراث بل تعليق متعمّد للحياة.

النتائج صارت وقائع: مبانٍ متشققة مُنع تدعيمها، بيوت آيلة للسقوط مُنع هدمها الآمن، مشاريع ترميم أُقفلت، وأحياء عاشت تحت تهديد دائم. ثم جاء الموت: انهيارات في القبة، أليسار تحت الأنقاض، أطفال في الأسواق والميناء، وعائلات شُرّدت لأن القرار الإداري سبق الإنقاذ.

فمن المسؤول؟ ليس المواطن.
المسؤول هو من وسّع “المنطقة الأثرية” بلا قانون، ومن احتكر ملفات الرخص خارج النصوص، ومن وفّر الغطاء السياسي حتى صار التعطيل حكمًا يوميًا على المدينة.

*من إجراء مؤقّت إلى وصاية دائمة*

الوثيقة التي استُخدمت ذريعة لإحالة رخص طرابلس إلى وزارة الثقافة تعود إلى 31 تموز 2012 وموقّعة من وزير الثقافة آنذاك كابي ليون في حكومة نجيب ميقاتي وموجهة الى بلدية طرابلس بالتحديد. وهي لا تُصنّف المدينة أثرية ولا تنزع صلاحيات بلديتها، بل تتحدّث عن إحالة مؤقتة بانتظار إدخال بعض الأبنية إلى الجرد العام. غير أنّ هذا الإجراء الانتقالي جرى تحويله إلى أداة خنق عمراني دائم، من دون أي قانون جديد أو مرسوم أو جرد رسمي أو سقف زمني، في مسار بدا وكأنه خُطّة لتجريد طرابلس من قرارها العمراني وإبقائها رهينة استثناء دائم يُدار من خارجها باسم التراث.

ومع تعاقب الوزراء، أُحكمت السيطرة على ملف طرابلس العمراني حتى باتت المديرية العامة للآثار ولجنة الآثار تمسكان به كاملًا، برئاسة سركيس خوري منذ عام 2015، المعيَّن ضمن توازنات حزبية والمحسوب على تيار المردة الذي تولّى وزارة الثقافة في مراحل مفصلية من تثبيت هذا النهج. وقد توازى ذلك مع وجود فريق سياسي محلي حليف لهذا التيار داخل طرابلس وفّر الغطاء لاستمرار هذه السياسة، ومنع أي مواجهة جدّية معها داخل المجلس البلدي أو الإدارة المحلية، فانتقل التعطيل من قرار مركزي إلى واقع قائم على الإخضاع السياسي للمدينة عبر شبكة حماية مزدوجة: من بيروت وإليها.

وعند هذه المرحلة لم تعد المسألة إدارية ولا تقنية، بل قرارًا سياسيًا كامل الأركان: لجنة تقنية تُنصَّب سلطة فوق بلدية منتخبة، ومدينة تُدار من بيروت بلا مساءلة، ويُستخدم “التراث” لتعليق القوانين وخنق التنمية. وهكذا لم يعد التعطيل يطال الحجر وحده، بل أصاب البشر أولًا، فأُقفلت مشاريع تجارية وسياحية كان يمكن أن تُعيد الحياة إلى الأسواق والخانات والبيوت القديمة، وتُرك الفقراء تحت أسقف متصدّعة كأن المطلوب ليس حماية التراث، بل إحكام السيطرة على مدينة كاملة بمنطق الوصاية والتجفيف واللامبالاة المتعمّدة.

*من سؤال تقني إلى مسؤولية سياسية*

تبدأ المسؤولية منذ فُتح باب الاستثناء باسم “حماية التراث” ثم تُرك يتحوّل إلى قاعدة كرّستها المحاصصة الطائفية. ومع الانهيارات المتكرّرة لم يُصحَّح الخلل بل استمرّ التعطيل كأن حياة الناس تفصيل. فصار “إبداء الرأي” سلطة فوق بلدية منتخبة، وتحولت الأبنية المتصدعة إلى قنابل موقوتة، فيما تخلّت البلدية بشكل غير قانوني عن صلاحياتها وارتضت دور الوسيط العاجز بين وزارة تُعطّل ومدينة تُدار بالموت البطيء، تحت ضغط فريق سياسي محلي وفّر الغطاء لهذا المسار وحوّل الصمت إلى سياسة.

لم يعد السؤال تقنيًا بل اتهاميًا بوضوح: كيف قبل مجلس بلدي منتخب أن تُعلَّق صلاحياته ويُترك سكان مدينته تحت أبنية مهدَّدة بالسقوط؟ وكيف ارتضى أن يكون شاهدًا صامتًا على منع الترميم والهدم الآمن حتى يسقط الضحايا تحت الركام؟ إن المجلس البلدي لا يستطيع الادّعاء بأنه ضحية قرار خارجي، وهو الذي سلّم قراره طوعًا، ولعب عمليًا في يد الجهات التي صادرت صلاحياته وحوّلت المدينة إلى رهينة تعطيل دائم. فالتراث لا يُصان بالخضوع ولا بتجميد القرار، بل بالدفاع عن صلاحيات البلدية وحماية الناس قبل الحجر. وما جرى ليس حماية للمدينة، بل تخلٍّ عنها، ولا هو عجز بريء، بل مشاركة ضمنية في مسار أدّى إلى شلل طرابلس وتعريض أهلها للخطر باسم إدارة لا تمثّل مصالحها.

*الخاتمة: حين يتحوّل التعطيل إلى حكم بالإعدام*

اليوم تُختصر المأساة في مشهد واحد يتكرّر بلا خجل: مبانٍ غير مصنّفة تمتنع البلدية عن ترخيصها، وترفض وزارة الثقافة الموافقة عليها، فيُترك مصيرها للانهيار ويسقط الناس تحت أنقاضها. هذا ليس حفاظًا على التراث، بل إدارة متعمّدة لفراغ المسؤولية وخلل إداري جسيم يُدار بوعي كامل لنتائجه، وقابل للمساءلة القانونية والأخلاقية والسياسية.

فالقرار الوزاري غير القانوني، وسياسات تنفيذه المتعاقبة، يتحمّلان مسؤولية مباشرة عن سقوط الأبرياء، لأن التعسّف الإداري حين يقتل لا يعود خطأً بل جريمة بحق المدينة وأهلها. وطرابلس لا تموت لأنها قديمة، بل لأنها مُنعت عمدًا من الإصلاح بفعل وصاية طائفية تُدار من خارجها؛ وكل حجر يسقط اليوم على رأس بريء ليس حادثًا عابرًا، بل شهادة دامغة على منظومة المحاصصة القاتلة ورجالها. وفي هذه الجريمة لا حياد ولا براءة: الصمت نفسه شراكة، والسكوت تواطؤ، وتأجيل المحاسبة استمرار للقتل بوسائل إدارية.

*حزب الشباب الوطني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى