لبنان حيث لم يتوقع الآخرون ..!!
الشمال نيوز – عامر الشعار

عارف العبد – المدن
عاش الشعب اللبناني بمختلف أطرافه ومناطقه وتكتلاته، خلال الأيام الماضية، أوقاتاً وأياماً من القلق والتوتر والترقب، لمتابعة التطورات التي شهدتها منطقة السويداء في جنوب سوريا، من مواجهات وتطورات وأحداث دموية مؤلمة، بين الجماعة الدرزية والقوات الحكومية. ومن ثم مع العشائر العربية. مما شكل صدمة قوية لكل الأطراف وحالة ترقب وقلق وخوف من امتداد هذه الأحداث إلى لبنان، خصوصاً وأن أطرافاً درزية وشخصيات كان واضحاً أنها تريد نقل موجة الأحداث والمواجهات إلى لبنان لغايات وأسباب متعددة.
وصلت التطورات ذروتها، بعد إقدام إسرائيل على قصف مباني وزارة الدفاع السورية وبعض نواحي القصر الرئاسي، ما دفع القوات الحكومية إلى الانسحاب من السويداء، اتبعت بخطاب من قبل الرئيس السوري الموقت أحمد الشرع، شرح فيه وجهة نظره وموقفه من الذي جرى، وحدد كيفية التصرف وأسبابه وخلفياته.
أسباب القلق والتوتر اللبناني الكبير، مرده بحسب التجارب التاريخية والواقع المعاش، إلى تأثير الأحداث في سوريا وانعكاسها المباشر على لبنان، خصوصاً أن الطائفة الدرزية أساسية في لبنان، ومؤثرة ومنتشرة ومتواجدة في مناطق معروفة في تماس مباشر، مع اغلب مناطق لبنان ومع أغلب المواطنين، ومنهم من النازحين السوريين المنتشرين في كل المناطق.
لكن ما الذي جرى في لبنان، وماذا كانت النتيجة؟
في الواقع، وبالرغم من كل الصعاب، والتوترات والمحاولات المبذولة، لنقل التوتر إلى لبنان وبعض مناطقه، سجل لبنان خلال الأيام الماضية في سجل أحداثه، نسبة إلى أحداث السويداء المتوترة والدموية والعنيفة، خطوة ناجحة أخرى على طريق تثبيت استقراره، وصيغته المميزة والمتقدمة في العيش المشترك، والتقارب والعيش الواحد بين أطرافه وطوائفه الرئيسية والأساسية، بالرغم من كل التمنيات والمحاولات التي كانت واضحة لإقحامه في الأتون الذي اشتعل في سوريا.
على عكس توقعات متعددة ومنتشرة ومروِّجة، ومصروف عليها من أجلها أموالاً طائلة، أحبطت صيغة العيش المشترك اللبنانية الأصلية والمتماسكة والعميقة، مرة جديدة تمنيات ومحاولات كثر لضرب أسس لبنان وجوهر استمراره.
في خلال سنة واحدة على الأقل، سجل لبنان بطوائفه المتناقضة والمتنافرة والمتحابة والمتنافسة في الوقت عينه، حدثين كبيرين ومميزين، لم يكونا متوقعين كما ضمر وعمل البعض، وكانت النتيجة على العكس مما أُعد وأمل.
أثبت اللبنانيون وعياً متقدماً وعالياً وفريداً، تجاه بعضهم وتجاه عيشهم الواحد، حين التفوا ومنعوا الفتنة من التمدد والوصول إلى لبنان، والإبقاء عليها خارج أسواره وحدوده، التي كانت تبدو متهالكة.
التجربة الأولى، كانت في السنة الماضية مع انطلاق العدوان الإسرائيلي على لبنان في أيلول 2024، يوم خرج أهل الجنوب في يوم واحد خارج قراهم، وبلداتهم جراء العدوان الإسرائيلي، إلى باقي المناطق اللبنانية، ففتحت لهم المنازل والمدارس، واستقبلوا بالترحاب في كل المناطق من دون تردد أو رفض من أحد، بالرغم من حالات التوتر والمواجهات التي كانت جرت مع أطراف محسوبة على الجنوبيين، وفي مقدمهم حزب الله. وقد وصل الأمر أن أهالي بلدة دير الأحمر المسيحية المارونية الشمالية البقاعية، أن فتحت بيوتها ومنازلها لجيرانها من سكان البقاع الشيعة، فيما لم يبخل أهل بيروت وطرابلس وقرى عكار وإقليم الخروب، في استقبال الجنوبيين وتقديم العون لهم، رغم ما سبق من توترات ومواجهات كلامية وحربية سابقة ودموية، من قبل حزب الله لفئات محسوبة عليهم أو مقربة منهم.
بالأمس توقع وعمل البعض لكي ينتقل التوتر إلى لبنان بين السنة والدروز، حيث أقدم البعض على قطع طرق دولية وداخلية حساسة، والاعتداء على بعض المارة، فكان الرد بمزيد من تجاهل التوتر والعمل على التقارب والتماسك في وجه نار الفتنة التي اندلعت في السويداء.
مما لا شك فيه، أن النائب السابق وزعيم المختارة وليد جنبلاط، قد لعب دوراً مركزياً في حصر ومحاصرة أية امتدادات للأزمة نحو لبنان والجبل اللبناني، وبقية المناطق، بموقفه الحازم والواضح والقوي والحكيم.
وقد لاقاه زعماء وقيادات السنّة بخطوات مماثلة بهدف التطويق والمحاصرة، بعد أن كانت المبادرة على الأرض لتطويق أي إشكال أو توتر في البقاع والجبل وبيروت بين القيادات العاقلة.
وقد تمثل ذلك في مبادرة رؤساء الحكومة السابقين، باعتبارهم يمثلون هيئة القيادة الساسية السنية الجماعية حالياً، بزيارة جنبلاط والوقوف إلى جانبه في مواجهة محاولات نقل التوتر إلى لبنان، إضافة إلى مواقف المفتي عبد اللطيف دريان بالتنسيق والتعاون مع شيخ عقل الطائفة الدرزية سامي أبي المنى.
هذه الخطوة السياسية، إضافة إلى ما تم تنفيذه على الأرض في البقاع والجبل من اجتماعات تقارب وتضامن، ساهمت في إطفاء وخنق أي محاولة لإشعال النار في لبنان.
لابد هنا من تسجيل أن لبنان وقياداته -وكما هو ظاهر- يبدو انهم في هذا المجال، ربما في هذا التصرف، قد تعلموا من التجارب السابقة المريرة بعد أن سبق وحدث الانجرار بسهولة سابقاً، نحو التوتر المكلف في لبنان بين بعضهم البعض، فبقيت نيران السويداء في السويداء ولم تعبر مع الهواء والرياح إلى لبنان المكتفي بالنيران والجمر والعذابات السابقة.
وللعلم وفي السياق نفسه، فقد أُجريت في المدة الاخيرة دراسات استطلاعية من مؤسسة معتبرة على عينة واسعة من الشباب المسيحيين، تراوحت أعمارهم بين 21 و42 سنة، مستقلّين من الناحية السياسية، في مناطق متعددة من جبل لبنان في الشمال والجنوب، بينت أن ما يجمع عليه غالبية هؤلاء ومعهم غالبية إسلامية، سنيّة وشيعية، ودرزية هو رفضهم “للعيش” مع من يتمسك بالسلاح، ومن هو خارج عن منطق الثقافة “اللبنانوية”، التي تراكمت في تكوينها عبر زمن التجارب، ولا يتماهون مع من لا يؤمن بالدولة ومن لا يحترم دستورها وقوانينها.
عملياً، هناك تقدم أو تفوق لثقافة “لبنان الكبير” بتنوعه واختلاطه وتماسكه وعيشه الواحد، مما يعني ابتعاداً، عن فكرة الكانتونات والفدراليات الوهمية التي يحاول البعض ترويجها في سوريا على أمل نقلها إلى لبنان.
هل يبقى لبنان على هذا الازدهار والاستقرار في العيش الواحد، وحالة النمو في ثقافة العيش المشترك في لبنان الكبير؟ ويحسن في الوقت عينه، الاستفادة من الظروف الحاضرة والمحيطة؟