العزوف عن العزوف
الشمال نيوز – عامر الشعار
العزوف عن العزوف
لا يستطيع دولة الرئيس المكلف، نجيب ميقاتي، العزوف والإعتذار، عن الإستمرار في المضي لتشكيل حكومته، مهما رفعت في وجهه الحواجز. ومهما قست عليه الشروط. ومهما رمي بالسهام وبالبيادق.
أصلا، دولته يردد في سره، منذ المناداة به في مجلس النواب، رئيسا مكلفا، يجبه المنكدين عليه، ومعهم فريق عظيم من الشطار والعيارين:
فصرت إذا أصابتني سهام/
تكثرت النصال على النصال.
يعرف الرئيس المكلف مسبقا، أن حجم التصويب عليه، أعظم بما لا يقاس، مما كان قد نال من الرئيس المكلف الذي سبقه، بل مما كان يضمر له، وهو الشيخ سعد الحريري. ولهذا ربما، كان عليه أن يشحذ سكينه جيدا: يقطع به الوقت. يقطع به ما تبقى للعهد من الوقت.
يعرف الرئيس المكلف دولة الرئيس نجيب ميقاتي: ” أن الملأ يأتمرن عليه”. وأن عليه أن يصمد كثيرا في الساح بمشكاته، مثل عنترة فوق سرج جواده. لأن الملأ يأتمر عليه، ويريد إسقاطه، لا نجاحه، في الربع ساعة الأخيرة من الشوط.
تعجل كثيرا، حين صرح الرئيس المكلف، بأنه لا يملك “ترف الوقت” ل”تأليف” يحتاج إلى كثير من الوقت.
عليه أن يعرف مسبقا، أن الشوط الذي يريد قطعه طويل جدا. ولهذا عليه أن يكون طويل النفس. كثير الأناة. حديد البصر.
عليه أن يتذكر، صباح مساء، وهو عازم على التشكيل والتأليف، قول الشاعر:
مشيناها خطى كتبت علينا/
ومن كتبت عليه خطى مشاها.
قدر الرئيس نجيب ميقاتي، أن يكون “ثالث المكلفين”. والرقم الثالث، مسحور عادة بالكثير من الوجوه. مسحور عادة بالكثير من المعاني. مسحور عادة، بالزمان، كما بالمكان، كما بالقيافة، كما بالإستشراف، كما بالحصول بكفيه، على جوزية ماء، يبترد بها، يبرد بها وجهه، من النبع.
يعرف الرئيس المكلف، أنه “لا تأليف ولا ما يحزنون”، حتى “قيام الساعة”. لا تأليف ولا ما يحزنون حتى إنشقاق القمر. ولهذا كان التكليف فقط، لتمرير الوقت.
الرئيس المكلف، فيما إستقطع له، يعمل مثل “النائب الألماني”، بالديليفري، من عين التينة وبيت الوسط إلى بعبدا. حقيبته ثقيلة على ظهره. ولكنه محكوم عليه، ك”سيزيف”، بطل الأسطورة اليونانية،أن ينقل الصخر. يحمل الصخرة المسحورة من عين التينة وبيت الوسط، إلى أعالى بعبدا. حتى إذا ما أوصلها، سرعان ما تدحرجت إلى “المربع الأول”. مربع “العين”.
حلف بالثلاث الطباق، أم أنه كان ثالثة الأثافي. أم أنه كان ثالث أهل الكهف. أم أنه هو الثالوث والناموس، وتقصيد القصيد،
لمن جعلوا التكليف أوهى من خيط العنكبوت، فإن سيزيف كان يستقله في الصعود وفي الهبوط. بذا صار أقوى.
يوما بعد يوم، تقوى في نفس الرئيس المكلف، نجيب بك، عقيدة “العزوف عن العزوف”. يتخذ منها إستراتجيته، في الحفر تحت بعبدا، حتى يستمر بعدها.
نجيب ميقاتي، ثالث المكلفين، لإجتياز النفق، بل السرداب، من عين التينة إلى بعبدا، بيده “تكت الذهاب” بلا عودة.
عودته عن التكليف، دونها خرط القتاد. ولذا فهو مستمر في رحلة البحث عن خيط الدهشة ظهيرة كل يوم، في “شوارع روما”. بيده قنديل التكليف. مسرجا من عين التينة، يريد الوصول إلى الحقيقة. رغم عبء بعبدا عليه.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية