اخبار عكار والشمال

التضليل في ساحة الاعلام الحديث

الشمال نيوز  – عامر الشعار

التضليل في ساحة الاعلام الحديث

بقلم ليلى شحود تيشوري

تعد العلاقة بين المشهد الاعلامي والسيكولوجيا البشرية في اوقات الازمات واحدة من اعقد صراعات القوى في العصر الحديث، اذ لم يعد الخبر مجرد وسيلة للاخبار، بل صار اداة هندسية لتصميم الوعي وادارة الجماهير. ان الحقيقة التي يجب ادراكها هي ان ما يقدم للمشاهد ليس انعكاسا امينا للواقع، بل هو واقع مؤطر بعناية فائقة؛ فالاعلام يعمل كمصفاة تختار زوايا الرؤية التي تخدم اهدافا استراتيجية، تماما كما يختار المرء شباكا معينا ليطل منه على ساحة واسعة، فيرى جزءا ويغيب عنه الكثير، معتقدا في وهمه انه يمتلك الصورة الكاملة. ولا غرو ان هذا التاطير هو السلاح الاول في السيطرة على العقل الجمعي، حيث يتم تحويل القضايا الجوهرية الى هوامش، ورفع الهوامش لتصبح هي القضايا المركزية، ضمن عملية دقيقة لترتيب الاولويات الذهنية للمجتمع.

​بيد أن في عمق هذا المشهد، تبرز البروباغندا كعملية جراحية تستهدف الفكر لا العاطفة فحسب، فهي تسعى لاعادة صياغة القناعات عبر التكرار الممنهج، مستغلة قوة الصورة التي تخترق اللاوعي بفعالية تفوق الكلمات بمراحل. ومع استمرار تدفق مشاهد العنف والازمات، يقع الانسان في فخ التبلد العاطفي؛ وهي حالة دفاعية يتخذها الدماغ لمواجهة التوتر المستمر، لكن ثمنها الباهظ هو فقدان الحساسية الانسانية والتعود على المأساة، مما يجعل المجتمعات اكثر قابلية للانقياد واقل قدرة على الاستجابة الاخلاقية. وتتفاقم هذه المعضلة في ميادين التواصل الاجتماعي، حيث تذوب المسؤولية المهنية وتتحول الخوارزميات الى غرف صدى تعزل الفرد عن اي راي مخالف، وتغذيه فقط بما يوافق اهواءه، مما يقضي على ملكة النقد ويخلق بيئة خصبة لانتشار الاشاعات التي تتغذى على القلق الوجودي للشعوب.

​وصفوة القول ان اخطر ما يمارسه الاعلام المعاصر هو الغرس الثقافي طويل الامد، الذي يتجاوز السياسة ليعيد تشكيل بنية القيم الاجتماعية والاسرية، ويخلق انماطا استهلاكية وسلوكية دخيلة تصبح مع الوقت هي المعيار الجديد. هذا التاثير يبلغ ذروته لدى الاطفال والمراهقين، الذين يفتقرون للدرع المعرفي الذي يميز بين الخطر الافتراضي والواقعي، مما يزرع في وجدانهم صدمات نفسية عميقة ومستدامة. لذا، فان السيادة الحقيقية للفرد في هذا العصر تبدأ من امتلاك الوعي الانتقائي ، اي القدرة على متابعة الحدث دون الغرق في دوامته، وتنويع مصادر المعرفة لكسر حصار الاجندات الموجهة، والحفاظ على مساحة من الهدوء النفسي بعيدا عن ضجيج الحرب النفسية التي لا تهدف الا لكسر الارادة وتزييف الحقائق. وهاكم النتيجة الجلية ألا وهي ان المعركة اليوم لم تعد على الارض فقط، بل هي معركة على شاشات الهواتف وعقول المشاهدين، والمنتصر فيها هو من يرفض ان يكون مجرد مستهلك سلبي لاطار يضعه الآخرون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى