د. عليا علي ملحم بين الترفيه والخصوصية الثقافية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية، رؤية 2030 نموذجا
الشمال نيوز – عامر الشعار
د. عليا علي ملحم
بين الترفيه والخصوصية الثقافية والاجتماعية في المملكة العربية السعودية، رؤية 2030 نموذجا.
رؤية المملكة العربية السعودية 2030 تتلخص في محاولة التطوير والنهوض بالبلاد ويتم ذلك عن طريق إعداد خطة كبيرة من شأنها عمل إصلاح اقتصادي شامل وكذلك اجتماعي وإلى جانب هذا الإصلاح العمل على تطويره كما يجب أن يكون للارتقاء بالمجتمع وإعلاء اسم الوطن..وانطلاقا من هذه الرؤية تأسس قطاع الترفيه بالسعودية.. لكي يتولى مهمة تطوير وتنظيم قطاع الترفيه، وتوفير خيارات ترفيهية نوعية وشاملة، تثري تجربة الأفراد، وترسم البهجة، وتُحسِّن جودة الحياة، وتتماشى مع المعايير العالمية، وتلائم كل شرائح المجتمع من المواطنين والمقيمين، وتناسب مستويات الدخل المختلفة، إضافة إلى وجودها في جميع مناطق السعودية.
الا أننا من خلال هذه الرؤية وهذا القطاع الترفيهي، نثير نقاشات سوسيولوجية تتناول قضايا المجتمع السعودي وسلوكية أفراده.. وكيفية التعامل مع رؤية 2030 التي قلبت الموازين السلوكية والثقافية في المملكة باتجاه أكثر تطورا وتحضرا.. أما الربط بين الترفيه والخصوصية الثقافية فهو شيء طبيعي خاصة أن للمُجتمع السعودي سِـماته العامة من عادات وتقاليد ومُميزات، وقد يشاركه فيها عدد من المجتمعات الأخرى.
وهنا، وعلى الرغم من النهضة الاقتصادية التي تحققها السعودية ربطا برؤية 2030 الا أن الحديث عن النقلة النوعية في مجال الترفيه كان الأبرز على ساحة النقاش السياسي العربي والعالمي.. على الرغم من أن هذا الموضوع، قد تجاوزته كثيـر من المجتمعات العربية بعقلانية وقرارات واضحة لا تدع مجالا للجدل واللغط، بل تم تنظيمها وتقنينها بما يتوافق مع مبادئ الإنسانية والعدالة الاجتماعية التي تتبناها الشريعة الإسلامية.
وعلى الرغم من ذلك نطرح اشكالية الـمزايدة على الدين والوطنية والأخلاق في ظل شرعنة الترفيه في المملكة، في محاولة فرض واقعٍ يتسبب في تأخر النهضة الإنسانية والفكرية والثقافية للمجتمع السعودي.
وهذا ما يطرح التعارض بين مقولتين: الأولى: المدنية الحديثة التي اقتحمها المجتمع السعودي من واسع أبوابها الثقافية والتقنية والفكرية والصحية والإعلامية والاقتصادية، والثانية: الانغلاق على الذات ورفض المُختلف.
فأين المشكلة في القطاع الترفيهي الذي يساهم بتحسين جودة حياة المواطنين والمقيمين في المملكة، وجذب الزوار والسياح من مختلف دول العالم، ليكون الترفيه في المملكة علامة فارقة منذ إطلاق القطاع ضمن رؤية السعودية 2030 أو أن السعودية ستبقى في دائرة الاتهام وخاصة من بعض المفكرين والمثقفيـن السعوديين والعرب الذين أقروا بأن هناك محاولات اقتحام «الخصوصية السعودية» عند تناولهم قضايا جدَلية تتعلق بتأثير الانفتاح ومسألة الترفيه على الإرث الثقافي والديني.
يبدو أن الرد على هذه الرجعية قد جاء على لسان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الثامنة لمجلس الشورى السعودي، حيث أكد، أن «الترفيه يمثل حاجة إنسانية ومتطلباً اجتماعياً، إضافة إلى كونه يعد نشاطاً اقتصادياً مهماً ومصدراً من مصادر الدخل للدول وللقطاع الخاص، ومحركاً رئيسياً للأنشطة الاقتصادية الأخرى».
كما وأشار الملك سلمان، إلى أن «رؤية المملكة 2030» أولت هذا القطاع عناية كبيرة من خلال العمل على دعمه وتعزيزه، وتشجيع القطاع الخاص لتقديم مساهماته فيه، ومن المتوقع أن تصل مساهمة قطاع الترفيه مع الجهات المرتبطة به بحلول 2030م إلى 4.2 في المائة من الناتج المحلي، وستولد 450 ألف فرصة عمل. ويأتي قطاع الترفيه كأحد أهم التحولات التي يعيشها المجتمع السعودي، اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، مع تسارع النمو الذي يشهده القطاع وكثرة المواسم والفعاليات، يتصدرها موسم الرياض، الذي جاء خليطاً من الفن والطرب والتراث والثقافة والسياحة والتنوع والتعايش والمتعة، ليتجاوز حدود البلاد، جاذباً الزوار من دول مجاورة، بما يفتح آفاقاً جديدة لكل الزوار والعاملين في هذا الموسم الذي تديره كوادر سعودية بالكامل.
أليس هذا ما يساعد على النهضة الاقتصادية والاجتماعية أو أنه يساهم بتجاوز ما يسمى «بالخصوصية المُجتمعية» وعدم إقحام عادات وممارسات غريبة في قضايا الثقافة والدين والمجتمع.
من الناحية العلمية لم يأت موضوع الترفيه بشكل عشوائي بل هو في اساس استراتيجية النهوض الاقتصادي كما أنه منتظم ومنضبط بشكل كلي.. فأي تعديات باسم الترفيه على المقدسات السعودية الدينية والاجتماعية تستدعي تدخّلات من الجهات المعنية لتنسيق الجهود وضبط السلوك واحتواء الآخر. فالمملكة تعمل على تكريس مفهوم الوطنية الحقّة، وتسهيل التحوّل المنضبط لمجتمع المؤسسات المدنية دون إبطاء، وإثراء الثقافة المنفتحة على أنظمة المجتمعات المتقدمة، دون ضررٍ ولا ضِرار، ففي النهاية، يجب ألا يُزايد أحدٌ على القيم والثوابت الإسلامية للمجتمع السعودي، التي يشاركه فيها أيضًا عدد من المجتمعات الإسلامية والعربية الأخرى.
من هنا نرى بأن المنجزات والأرقام الواعدة في قطاع الترفيه تحقق هدف رؤية السعودية 2030، وستنعكس على الاقتصاد الوطني عبر تأسيس شركات محلية للعمل في القطاع، وتوليد الوظائف، وتعظيم الأثر الاقتصادي لصناعة الترفيه.
تمضي السعودية قُدماً في دعم صناعة الترفيه، بما يحقق رفاهية المجتمع ويعزز الاقتصاد من خلال طرحها لابرز المشاريع الاستثمارية والسياحية على الاطلاق وهو مشروع القدية وهو إحدى مشاريع صندوق الاستثمارات العامة المستلهمة من رؤية السعودية 2030، وهي العاصمة المستقبلية للترفيه والرياضة والفنون، حيث ستصبح وجهة عالمية فريدة تقدم تجاربًا مبتكرة وغامرة في مجالات الترفيه والرياضة والفنون.
ستخدم القدية جهود رؤية السعودية 2030 في تعزيز الترفيه والثقافة والسياحة في المملكة العربية السعودية، وتستند على خمس ركائز أساسية هي المتنزهات والمرافق الترفيهية، والفنون والثقافة، والرياضة والصحة، والحركة والتشويق، والطبيعة والبيئة.
صمم المخطط العام للقدية بعناية لصون النظم البيئية والطبيعية بالموقع وتعزيزها، استنادًا إلى مراكز التطوير الرئيسية التالية: منتجع الترفيه، وقرية القدية، ومنطقة الحركة والتشويق، ومنطقة الطبيعة، ومنطقة الجولف.
تسعى القدية، باعتبارها مكونًا رئيسيًا في رؤية السعودية 2030، إلى تحقيق هدف اقتصادي واجتماعي مزدوج، يتمثل في دفع مسيرة التنوع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية مع تعزيز انفتاح المملكة على العالم.
بناء عليه، وعلى الرغم من تأكيد الرؤية المستمر على تعزيز هوية المجتمع، كونها ركيزة أساسية لرؤية المملكة التي تمثلت في (مجتمع حيوي: قيمه راسخة، بيئته عامرة، بنيانه متين)، إلا أنه لا يمكن إنكار أن مظاهر التغيُّر الاجتماعي والثقافي الذي يمرُّ به المجتمع السعودي؛ نتيجة المستجدات التي طرأت على سطحه الاجتماعي، أدَّت إلى ظهور أنماط جديدة من السلوك الاجتماعي والقيم الثقافية.
هذه الأنماط الجديدة من القيم والتوجهات رفضها الكثير من أفراد الشعب؛ الذين يرون أنها تتنافى مع هوية المجتمع، في حين قَبِل بها آخرون. فمع الإعلان عن إنشاء هيئة الترفيه التي أُريد منها أن تمثل مشروعًا ثقافيًا سياسيًا اقتصاديًا في التغيير، قُلص أداء هيئة الأمر بالمعروف، وتنامى أداء هيئة الترفيه، والتي سعت إلى خلق حالة من التغيير، يرى فيها أفراد من المجتمع السعودي أنها تتنافى مع الروابط الدينية، وتحول المملكة من دولة تحرص على التمسك بقيمها والاستفادة من أدوات العصر، إلى دولة لا تراعي القيم الدينية والمجتمعية.
وقد تصاعدت المعارك الكلامية على وسائل التواصل الاجتماعي، والمقالات الصحفية والمواقع الإخبارية من قبل معارضي الهيئة تنديدًا بأدائها، وانتقادًا لأنشطتها، حيث أطلق عدد من السعوديين بعض الأوسمة على تويتر من بينها “هيئة الترفيه تسعى للتغريب” و”نبرأ لله من هيئة الترفيه” و”نحو ترفيه بناء” و”هيئة الترفيه تخالف الدستور”؛ وذلك بهدف التعبير عن وجهة نظرهم التي ترى أن الأنشطة القائمة سببًا من أسباب نشر الرذيلة والفساد في المجتمع؛ كونها تقوم برعاية فعاليات غنائية وترفيهية مختلطة لم يعتد عليها المجتمع السعودي، كما ظهر على الجانب الآخر فريق من المؤيدين لأنشطة هيئة الترفيه بأوسمة مثل: “كلنا هيئة الترفيه” و”هيئة الترفيه تجمعنا” و”هيئة الترفيه تسعدنا”، والتي تعبر عن دعمهم للهيئة وتأييدهم لها.
تُظِهر الأوسمة المتضادة حالة من الانقسام الحاد داخل المجتمع، الذي ظل متماسكًا على مدى العقود الماضية، ففي كل مرة تعلن فيها هيئة الترفيه عن مواسم ترفيهية أو مهرجات تفاعلية، تبرز ملامح الخلاف والغضب بين شرائح المجتمع السعودي على منصات التواصل الاجتماعي، وفي حال لم يتم تدارك هذا الأمر، واستمر التباين على ما هو عليه، فإنه قد يُحدث اضطرابًا ثقافيًا واجتماعيًا، ينعكس سلبًا على الاستقرار داخل المملكة، خاصة إذا ما تداخل مع سوء الأحوال الاقتصادية.
وعند مراجعة فعاليات هيئة الترفيه نجد أن أغلبها يتركز في إقامة الحفلات الموسيقية والأمسيات الطربية المفتوحة، تلك التي لطالما وقف المجتمع السعودي ضدها، وأصبحت عنده من الممنوعات، نتيجة حالة الانسجام بينه وبين المؤسسة الدينية من جهة، وبين المؤسسة الدينية ومؤسسة الحكم من جهة أخرى.
يمكن مقاربة انعكاس الترفيه على الدين والمجتمع انطلاقا من سياسة المملكة القادرة على تنقية الترفيه من المفاسد والأضرار ، وجعله معياراً للتمسك بالدين وليس العكس، كما قادرة على تأطيره وفق ضوابط الإسلام الوسطية، ذلك لأن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وقد تمثلث هذه الوسطية في الجمع بين الشرع والقانون والترفيه في حياة السعوديين والوافدين.
أما بالنسبة لضوابط الترفيه في الإسلام فقد حددها الدكتور نور الدين مختار الخادمي في نقاط أربعة وهي: “عدم إخلال الترويح بمصالح الدنيا والآخرة، فلا ينبغي أن يؤدي هذا الترويح إلى تضييع واجب ديني كإقامة صلاة وأمر بمعروف وإنفاق واجب وما في حكمه، كما لا ينبغي أن يؤدي إلى تضييع واجب حياتي ودنيوي كالعمل والإنتاج والقيام بأمر الأهل والولد.
إضافة إلى عدم إيلولة الترويح إلى إحدى مفاسد الدنيا والآخرة، كالوقوع في الضرر والهلاك بموجب الإفراط فيه، وكالوقوع في المحرم ومقدماته بموجب مزاولة الترويح الممنوع والمحظور.
وعدم الاعتداء على الآخر سواء في بدنه أو عقله أو نفسه أو ماله، والله تعالى يقول: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) [البقرة: 190]. والاعتداء يحصل بالتعسف في مزاولة الترويح أو في تجاوز حدوده وقيوده والمبالغة فيه، وبغير ذلك مما يؤدي إلى الإضرار بالآخر والاعتداء عليه أو التقصير في يحقه والتهاون فيه. قال صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
وأن لا يؤدي الترويح إلى تقرير خصلة التسيب والانفلات والميوعة في نفس الإنسان أو في حياة المجتمع أو في بنيان الأمة كلها، فالترفيه نوع من النشاط الإنساني المبني على ضروراته وحاجاته وأهدافه، والمترابط مع غيره من الأنشطة التكليفية والعلمية والإنمائية والحياتية بصورة عامة”.
أما على المستوى الاجتماعي والثقافي فلا بد من الاشارة الى أن المملكة العربية السعودية قد مرّت بمراحل عديدة في تطوير مفاهيمها المجتمعية للعلاقات الاجتماعية بين أفرادها، منذ تأريخ تأسيس الدولة إلى الفترة الحالية، وتحاول الرؤية الحالية إحداث تغيير جديد في بنية المجتمع، من خلال عدد من الأهداف المرتبطة بالفرد في المملكة، وبطبيعية علاقته داخل المجتمع، والتي اُتبعت بعدد من الخطط والقرارات الحكومية للوصول إلى تحقيقها عام 2030.