اخبار عكار والشمال

من الموقوفين إلى الدولة: أزمة نظام لا أزمة ملف!.. بقلم: د. مصطفى قراعي

الشمال نيوز – عامر الشعار

من الموقوفين إلى الدولة: أزمة نظام لا أزمة ملف!.. بقلم: د. مصطفى قراعلي

في لحظةٍ سياسيةٍ دقيقة، لم تعد المشكلة في اختلاف المواقف، بل في غياب المعايير التي تضبطها وتكشف تناقضها.

عندما يقف نائبٌ عن طرابلس في البرلمان مطالبًا بالإفراج عن موقوفين وُصِموا لسنوات بـ”الإسلاميين”، وصُنِعت حولهم سرديات التخوين والتجريم لانتمائهم إلى جماعات “متطرفة”، فإن السؤال لا يعود عن هؤلاء الموقوفين فقط، بل عن هذا الانقلاب في الخطاب: ما الذي تغيّر؟ هل تبدّلت القناعات أم تبدّلت الحسابات؟

وعندما تنتقل جهاتٌ سياسية ودينية من القطيعة الكاملة مع دولٍ ومؤسساتٍ كانت تُشيطنها، إلى الانفتاح والتواصل معها، فالمشكلة ليست في التحوّل بحد ذاته – فالسياسة تتبدّل – بل في غياب أي مراجعة صريحة تشرح للناس هذا التحوّل. من حقّ الناس أن تعرف: هل تغيّر التقييم، أم تغيّرت المصالح؟

هذه التبدّلات السريعة لا تعكس مرونة سياسية، بل تُعمّق ضبابية الثقة. والثقة في مدينة كطرابلس ليست تفصيلًا – بل هي أساس.

الأخطر أن هذا النمط من العمل السياسي، القائم على التبدّل غير المُفسَّر، ليس استثناءً، بل هو امتداد طبيعي للنظام الطائفي نفسه، الذي حوّل السياسة إلى إدارة توازنات لا إلى بناء دولة. في هذا النظام، لا تُبنى المواقف على مبادئ، بل على تموضعٍ دائم بين مراكز القوى.

ولهذا، حين يُطرح ملفّ الموقوفين – كما غيره من الملفات الحسّاسة – لا يعود مقبولًا التعامل معه بمنطقٍ انتقائي أو ظرفي يُبدّل توصيفه بتبدّل المواقف.

هذا النمط من الخطاب، الذي ينتقل من التجريم إلى التعاطف من دون مراجعة، لا ينتج عدالة، بل يكشف عجزًا عن تثبيت معيار واحد. والنتيجة أنّ هذه الملفات تُدار كأوراق ضغط داخل لعبة التوازنات، لا كقضايا حقّ يُفصل فيها بالعدل.

هذا الضعف في الخطاب يوازيه ضعف في القدرة على إحداث تغيير فعلي. فالمطالبة بالإفراج، أو رفع الصوت، تبقى محدودة الأثر ما دامت لا تُترجم إلى مسار مؤسسي واضح.

المشكلة في النظام، لا في الملف

لهذا، لا يكفي تصحيح الموقف من داخل المنظومة نفسها، لأن الإشكال أعمق من ملفّ بعينه. الإشكال في نظامٍ يسمح أصلاً بتسييس العدالة وتبديل توصيفها وفق موازين القوى.

ومن يحرص فعلًا على أوضاع الموقوفين، وعلى الأسباب التي أوصلتهم إلى السجن في المقام الأول، لا يختزل قضيتهم بمواقف ظرفية تُستَخدم للاستهلاك السياسي، ولا يبدّد صبرهم وتضحياتهم في بازار المزايدات. الوقوف إلى جانبهم لا يكون برفع الشعارات، بل بمنع تحويل قضيتهم إلى أداة، أو إلى وسيلة لاستقطاب الأصوات عبر استغلال معاناتهم.

المطلوب هو إعادة النظر في هذا الإطار برمّته: الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الدولة، من تعدّد المرجعيات إلى وحدة المعايير، ومن إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات قادرة على منعها.

عندها فقط، يتحوّل الحديث عن الموقوفين من مادة سجال إلى مسار إنصاف فعلي – المسار الوحيد القادر على تحريرهم وإنهاء معاناتهم. أمّا ما عدا ذلك، فليس سوى إضاعة للوقت، بل تكريسٌ لظلمهم، لأن النظام نفسه سيبقى بانتظارهم حتى لو خرجوا اليوم.

طرابلس بين إدارة التناقض وبناء المشروع

ولا ينفصل هذا الخلل في إدارة الملفات الحسّاسة عن أزمة أوسع في بنية القيادة السياسية نفسها. فالعجز عن تثبيت معيار واحد في قضايا العدالة ينعكس مباشرةً في أسلوب العمل السياسي، حيث يصبح التبدّل سمةً دائمة لا استثناء.

الأمر نفسه ينطبق على ما تبقّى من الزعامات التقليدية المتلاشية في طرابلس. لم يعد ممكنًا الجمع بين خطابين متناقضين، أو الاحتماء بتحالفات ظرفية في وجه التغيير الحقيقي. المرحلة تغيّرت، والناس لم تعد تقبل بإدارة التناقض، بل تطالب بوضوح في الموقف وثبات في الاتجاه.

أما على مستوى المؤسسات والجمعيات الخيرية الإسلامية في طرابلس، فلم يعد السؤال عن تاريخها، بل عن قدرتها على إنتاج مستقبلها. أي مؤسسة تعجز عن توليد قيادات جديدة، وتغلق أبوابها أمام الكفاءات خارج دوائرها الضيقة، تتحوّل إلى إطارٍ مغلقٍ يعيد إنتاج نفسه- بصرف النظر عمّا تدّعيه عن دورها ورسالتها.

طرابلس اليوم لا تحتمل إعادة تدوير نخبٍ استُهلكت، بل تحتاج إلى دمٍ جديد ورؤيةٍ حاسمة تتجاوز الاصطفافات التقليدية نحو بناء مشروعٍ فعلي: اقتصاد منتج، مؤسسات فاعلة، ودولة حقيقية.

المعركة لم تعد بين أطرافٍ داخل النظام، بل بين من يتمسّك به كما هو، ومن يعمل على تجاوزه نحو دولةٍ قادرة.

وفي هذا التحوّل، لن يكون المعيار من يعلو صوته، بل من يقدّم رؤيةً واضحة ويملك القدرة الفعلية على تحويلها إلى واقع.

الكاتب: د. مصطفى قراعلي هو مفكّر ومبادر لبناني-أسترالي، مؤسس مبادرة “طرابلس أولًا”، يعمل على تطوير نموذج اقتصادي-مدني لطرابلس وربطها بامتدادها الاغتراب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى