مقالات مختارة

شارع سوريا في التبانة طرابلس وحكاياته مع المعارك المتتالية منذ فترة طويلة

شارع سوريا في التبانة طرابلس وحكاياته مع المعارك المتتالية منذ فترة طويلة

ريتا بولس شهوان – الشمال نيوز

يجمع لبنان 18 طائفة. تنوّع هذا الواقع بالنسبة لدول العالم، إنما فعليًا ليس اكثر من تواصل “هش” ينقطع حينًا حسب الاجواء الاقليمية والمحلية. عاصمة لبنان الثانية، طرابلس، تعيش منذ زمن توترات مسلحة في أفقر رقعة باب التبانة وجبل محسن، تكاد تلامس الحرب الاهلية بالتوصيف التقني.

أكثر من 200 قتيلاً بين سكّان باب التبانة من المسلمين السنّة، وسكّان جبل محسن من المسلمين العلويين. هذا ما تشير إليه أرقام لجنة الصليب الأحمر الدولية. في الواقع عند دراسة هذه المشهد القائم على الصراع، يخيّل للزائر أن العدد يفوق هذا بكثير لسببين عاطفة الألم التي تقيسها الدموع وطبيعة الفرز بين المجتمعين المتجاورين القائم نسبة إلى رأي سياسي منبثق عن حجم “القتلى” مع الحكومة السورية او ضدها اليوم، في ظل هذا السياق السياسي الاجتماعي. عند التعمق مع ابناء المدينة يُستنتج أن  مشكلة طرابلس من مشكلة فلسطين. فمخيمات فلسطين، بطرابلس – لبنان -وحدودها بدأت من باب التبانة وجبل محسن تفرعت وأصبحت بالمخيمات عندما اتى عرفات وخرج من طرابلس فكان نهر البارد. ظهرت تلك المشاكل بعد الفرز الفلسطيني أضيف لها الوجود السوري الذي استفاد من الواقع منذ السبعينات.

لم شارع سورية؟

هكذا اكتسب الشارع الفاصل الملموس والمعنوي بين المنطقتين الذي هو شارع رئيسي في طرابلس  اسم “شارع سورية.” شارع سورية هذا عاش ايام التوترات قذائف كثيرة، فتكاد واجهات المحال على الخط المواز له من كلتا الجهتين اصابهم القصف، من محلات السمانة، الى محلات الحلاقة، محل تشريج الهواتف ، محل بيع الحبوب الذي قص على مسامعنا رواية لعبة ” الاستخباء” مع الطلقات النارية واصفًا كيف انتقل اولاده الى العيش الى دبي مع والدتهم لاكمال تحصيلهم العلمي هذا المحل مثلا يزوّد الباب والجبل على حد سواء بالمونة لايام القصف والسلم يات ببضاعته من الدول العربي. قصص كثيرة عن لسان الأشخاص من طرفي الشارع… نقلتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والفنان البصري براندون توسزك الذين اطلقاها عبر موقع “شارع سورية”. (http://www.syriastreet.com)

ملاك جعفر مثلا من القسم الإعلامي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان وصفت سيرتها منذ صغرها في هذا المكان: “لم يسمح لي عمري بأن أفهم. بينما كان والدي يحتسيان القهوة بعد الظهر على شرفة منزلنا في بيروت، كنت أشير إلى آثار الطلقات النارية الثلاثة على الجدار وأسأل والدي من أين أتت. كنت أتساءل، وقد بلغت ثماني سنوات من العمر، “ما الذي قد يدفع بأحدهم إلى إطلاق النار على منزل شخصٍ آخر؟” سؤال طبيعي يفكر به الطفل كما الدكتور، إنها الحرب الاهلية التي دامت 15 سنة على حد اجابة والدها. هذا الموقع هو نتيجة عمل مع سكان حيين في طرابلس، شمال لبنان، فرقهما العنف على مدى أعوام، فقامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والفنان البصري براندون توسزك بتسجيل والتقاط الحياة اليومية في هذين الحيين من خلال موقع “شارع سورية” الذي هو تجربة فريدة وتفاعلية باللغات العربية والانكليزية والفرنسية. بتوجيه من فريق اللجنة الدولية، أمضى براندون أسبوعا في طرابلس يقابل ويصور ويستمع إلى سكان هذين الحيين. والنتيجة ؟ موقع “شارع سورية” الذي يسلط الضوء على حياة ومخاوف وآمال سكان باب التبانة وجبل محسن. عبّاس، مالك محل  من باب التبانة  يقول ان الشارع “يمتلك (..) القدرة على الانتعاش من جديد، ولكننا نواجه جميعاً ظروفاً مماثلة، فنعاني من انقطاع الكهرباء، والمياه المتسّخة، وانعدام الخدمات الصحية. أتمنى حين يستلم اولادي المحل، ان يعيشوا بجو من التسامح.” ومن باب التبانة أيضًا حلل ظروف حمل السلاح للتقاتل إذ “تجبر الأحوال الاقتصادية السيئة أشخاصاً مثلي على حمل السلاح مقابل المال والقتال في الشوارع. إنه نزاع سياسي واقتصادي، وليس نزاعاً طائفياً كما يطلق عليه البعض”. فرص العمل ضئيلة بسبب الحرب وظروف الحياة صعبة.  هذا ما حاول أن يصوره الفنان البصري براندون توسزك عبر “البورتريهات” التي حملها الى أعين الجمهور فعند سؤاله عما يتضح للعين المجردة كون القصة في الصورة وعمله على مواءمة الصورة لتأدية الرسالة ؟ يبدي اهتمامه خلال عمله هذا على “تقديم  “بورتريه” بالتزامن عن المكان كما وسكان شارع سورية وهو يشمل الصورة كما احداث من يومياتهم فكان كذلك الأمر اصوات من الأجواء والمحيط بالاضافة لنصوص من الحوارات مع المقيمين” هذا الفنان المتحمس لتقديم لسكان شارع سورية منصة يخبروا عبرها قصصهم كانت قد وجدت القوّة المشهدية للشارع المذكور الفاصل والجامع للجيران على حد سواء  صداها الى حسه الفني موضحًا بأن “هدفه كان تكرار هذه القصة المعقدة بالتزامن مع أنسنة وتطبيع السكان وورطتهم، مع التفكير بجمهور اللجنة الدولية للصليب الأحمر الغربي المنتشر”.  اراد للمشاهد ان يعي اكثر من حياة يومية للسكان، فهذا ليس عمل خال من الابداع، الصور هذه بحركتها البطيئة تقرب المسافة بين الانسان والانسان. هم بشر. هم عمال .  اطفال .  كل زاوية تحرك عاطفة  لدى المتلقي. أي جرم اقترفوه ليستحقوا هذا الثمن. هذا الرجل فكر كثيرًا بخلفيات الصورة إذ يضع كل هذا الواقع في سياق عالمي واصفًا ” التوتر عالٍ بين العرب والغرب يكفي النظر الى اليمين الشعبي المنتشر عبر اوروبا واميركا” ساردًا كيف  “يجنح الناس الى رسم القصص الآتية من الشرق الاوسط بقلم عريض ” وشعوره بـ” ان توقيت هذا العمل ياتي ليعاكس هذه القصص بانسانية وصراحة”.  إنه يريد أن يذكر المشاهد أن كل السكان والمقيمين في هذه الرقعة اشخاص لهم حياة فكانت تقنية الـ GIF فهو يجد كفنان أن “تقنية الـ GIF  (تقنية في عرض صورة متحركة مع صوت) إنما هي خلطة جميلة وهجينة بين صورة جامدة وفيلم تحوي مظاهر من الاثنين. باستعمال هذه التقنية الفردية الوسطية لنقل البورتيه اجد نفسي قادرًا على التقاط الاختلافات الدقيقة وترك حاسة مرهفة بربط بين اللحظة والشخص في البورتيه”.

هذا ليس موضوع اكاديمي،  ولا يقدم زاوية علمية عند التمعن  تبدو الاقصوصات كأنها تحكي  بضمير ” دكتور ” عن لسان المقيمين ليس لشئ، بل لأن من ذاق المر يقدر بعد التفكير به على الاستخلاص العبر ما ورد ليس إلا  أقوال حرفية تم فقط تحويلها من اللهجة اللبنانية إلى اللغة العربية الفصحى على حد قول ملاك جعفر التي اضافة الى كونها من الفريق الاعلامي للجنة الصليب الاحمر، وكتبت روايتها مع هذا الشارع، إنما واكبت ورشة التصوير هذه. توضح الهدف الانساني ملاك من هذا المشروع للجنة الدولية للصليب الأحمر مذكرة بأن “اللجنة منظمة مستقلة ومحايدة تضمن الحماية والمساعدة في المجال الإنساني للمتضررين جراء النـزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى. وتتخذ إجراءات لمواجهة حالات الطوارئ وتعزز في الوقت ذاته احترام القانون الدولي الإنساني وإدراجه في القوانين الوطنية. وبسبب جولات العنف التي دارت بين جبل محسن وباب التبانة، تعتبر المنطقتين متأثرتين بحالات العنف. تقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ عام 2014 بجوار سكان باب التبانة وجبل محسن لمساعدتهم على التعافي من حالات الفقر والعنف التي طال أمدها.

للجنة هذه أنشطة ومن بين هذه الأنشطة : تعزيز قدرة المجتمعات المحلية المتضررة من العنف على الصمود و إطلاق برنامج طبخ لصالح نساء الحيين وإصلاح نوافذ وأبواب المنازل في الحيين.

هذا الجانب  الانساني المتعلق بعمل الصليب الاحمر بشارع سورية المعروف بشارع الذهب الذي من شانه التخفيف من حدة نتائج وتداعيات الموت له رسالة وهي وفق ملاك أن “جبل محسن وباب التبانه منطقتان بحاجة إلى المزيد من الدعم وما زالتا تتعافيان من جولات العنف” المشروع لا يهدف إلى “شيطنة” السياسة  اذا كلمة سياسة تعني ادارة المجتمع وهذا ما لا يعلمه اغلب الناس وهذا الشارع بالتحديد فيه اكبر نسبة مساعدات دولية بعد ذهاب رفعت عيد وعلي عيد قد لا يكون الشارع مؤهل إلى الاندماج السياسي، بمعنى النشاط الحزبي بعد العنف المتزايد الذي أدى  إلى الفرز الطائفي بين سني – علوية  علما انه ميدانيا لا ازمة فعلية من ناحية الفكر الديني ، بل اعداد القتلى الذي تقريبا يعادل ربع معدل السكان بين المنطقتين سبب ليكشتف المراقب أن هذه الازمة القائمة سببها فعليًا تداعيات “الموت” الذي يحفر إنسانية السكان فالموت ليس ماضيا طالما انه يؤثر على حياة الناس فيصبح الحوار محبوكًا بالعواطف، التي تتمرجح بين الألم ومرارة الفقدان.

الرابط الديني بين الاديان والطوائف أمر تاريخي في الشرق الاوسط ممكن تفعيله سلبيا في الحروب ممكن ايجابيا لبناء علاقات دولية لا دور للصليب الاحمر في ذلك إذ “اللجنة الدولية للصليب الأحمر منظمة محايدة إنسانية لا تتدخل في الأمور الطائفية والسياسية وتعنى فقط في حماية ومساعدة في المجال الإنساني لضحايا النـزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى”.

حتى الساعة الاندماج السياسي في واقع طرابلس صعب دون ان يصعب ذلك في سياسة العمل وسوق العمل والاندماج الاقتصادي الذي يجب ان يسير على خط مواز مع الاجتماعي لكسر حواجز الموت فمن الناحية الاقتصادية البطالة سبب انتقال الشباب من مفهوم الاندماج المهني الى مفهوم التقاتل كمصدر مال. للصليب الأحمر دور في ذلك إذ وفق ملاك “تقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ عام 2014 بجوار قاطني باب التبانة وجبل محسن لمساعدتهم على التعافي من حالات الفقر والعنف التي طال أمدها. من بين هذه الأنشطة : تعزيز قدرة المجتمعات المحلية المتضررة من العنف على الصمود“.

هذا عمل يظهر كيف أن الانسان كما يقسو عليه الموت يقسو مع اخيه الانسان، يبقى الحل في تفاقم العمل الانساني والحس المسؤولية الاجتماعية. فهل هذا قد يدفع الدولة اللبنانية بوضع خطة للاندماج المهني والاجتماعي ضمن مخطط اقتصادي لوزارة الاقتصاد. سؤال برسم لبنان. ذهب علي عيد ورفعت عيد. بقي لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى