أميركا وتفكيك النظام الدولي: من منطق القواعد إلى شريعة القوّة
الشمال نيوز – عامر الشعار

*أميركا وتفكيك النظام الدولي: من منطق القواعد إلى شريعة القوّة*
https://www.al-binaa.com/archives/452178
كتب حمد رستم – في جريدة البناء
من يراقب سياسات أميركا وحروبها على الساحة الدولية، ويطلع على وثيقة الأمن القومي الأميركية الصادرة في “٤ كانون الأول /ديسمبر ٢٠٢٥”، ويتأمل بعض تصريحات الرئيس ترامب حيث ورد في منشور له على منصة تروث -أمس الاثنين- تمسّكه بمبدأ السلام من خلال القوة، يتّضح له أنّ السلوك الأميركي مبنيٌّ على فائض القوة، كلغة إثباتِ وزنٍ وسيطرةٍ في السياسة الدولية، حيث إن أحد فصولها كان اختطاف الرئيس الفنزويلي، ثمّ النظر بازدراء إلى دول الناتو وتوتير العلاقة معهم، وصولاً إلى الحرب على إيران دون غطاء دولي، وتجاوز جميع الأعراف والمؤسسات الدولية، ممّا أثّر على سوق الطاقة والتجارة في العالم.
وجميعها محطات تؤشر بأنّ أميركا باتت تشعر أن ثمة متغيرات كبيرة حصلت في الساحة الدولية، ولم يعد بالإمكان تجاهلها، فموازين قوى جديدة بدأت تفرض وزنها، وأقطاب صاحبة إرث وتاريخ حضاري كروسيا والصين عادت للعب على الساحة الدولية دون استئذان؛ هذا الواقع الذي أدركته أميركا يعدّ نذيراً لتبدل قواعد اللعبة الدولية، وهو ما دفعها لتصميم سياسات جديدة تهدف من خلالها إلى فرض نظام دولي مستحدث يقوم على منطق أنّ “القوة تصنع الحق”.
وهنا، انطلاقاً من ذلك، يجدر طرح سؤال محوري:
هل أميركا بسياساتها اليوم تسعى إلى هدم النظام الدولي القائم على القواعد، وتحويله إلى نظام محاصصة دولية يحكمه منطق القوة والصفقات بين الكبار؟
علماً أنّ إسقاط أميركا على نظرية الإفراط الإمبراطوري واتساع رقعة نفوذها وتمددها بشكل مفرط أصبح معه كلفة ديمومتها أكبر من جدواها، وتقلص الدور الأميركي نفسه في العالم نتيجة بروز قوى جديدة في ظلّ عبء التمدد والنفوذ، كلّها حقائق معلومة لدى أميركا التي تلقّفت هذا الواقع المستجد في العالم، فوضعت نفسها أمام خياريْن:
الخيار الأول: إما أن تستكين وتقبل بواقع دولي جديد يجلس على مائدته ثُلّة من الدول الناشئة صاحبة الأوزان المتوسطة، مع إعادة قياس واختبار الأوزان الدولية لكل عضو في الأمن والاقتصاد والنفوذ والقدرة على لعب الأدوار، وهذا بدون شك سيجعل صوت أميركا خافتاً وسط الضجيج الدولي، وتصبح المهابة والمكانة والمصالح في تزاحم قد لا تُحمدُ عقباه.
ومن المحتمل أن تنشأ تكتلات من الدول الناشئة المهضومة الحقوق، لتطالب بتحقيق مصالحها وإعادة توزيع الأدوار بين اللاعبين، وهو ما قد يقوّض الهيمنة الأميركية ويضعف مكانتها ودورها الفعّال.
أمّا الخيار الثاني، وهو محور موضوعنا، وسوف نبني الإجابة عليه استناداً إلى فهم وثيقة الأمن القومي الأميركية الأخيرة وربطها بإطار المدرسة الواقعية الكلاسيكية في العلاقات الدولية للمنظّر الألماني هانز مورغنثاو، الذي يعتبر أن الدول هي الفاعل الأساسي في السياسة الدولية، وسلوكها تحكمه المصالح، والنزعة البشرية الميّالة للعنف والكراهية وحبّ السيطرة والتملّك، والدفاع عنها يكون بامتلاك القوة ضمن بيئة دولية فوضوية تفتقر الى أي سلطة رادعة، وتكون المصالح فيها أعلى من أي قوانين ومعاهدات وحتى أعلى من الأخلاق.
حيث إنّ تلك الوثيقة تمحورت حول مركزية القوة، والمحافظة على التفوق العسكري لضمان الأمن والمصالح، وفرض القواعد حسب رؤيتها ومصالحها، وأنّ عامل الردع يكون من خلال إظهار القدرة والإرادة في استخدام القوة، إضافة للاعتراف بدخول عصر المنافسة الاستراتيجية الذي لا بدّ من التنبه إليه؛ ومن أبرز ما جاء في الوثيقة: ضرورة إعادة النظر في شبكة الحلفاء، بحيث يكون المقياس هو من يقدم منفعة حقيقية للمصالح الأميركية، وأي التزامات مطلقة مع بعض الحلفاء قابلة لإعادة التقييم وفق معايير المصلحة، وهو ما يفسر إصرار ترامب على مهاجمة دور الناتو ودوله.
وإنّ أميركا في اتّخاذها هذا الخيار العدائي في التعاطي مع السياسة الدولية، تحاول من خلال استخدام القوة المفرطة -دون روادع قانونية أو أخلاقية- أن تفرض واقعاً دولياً جديداً يقوم على نفوذ القوة حسب المصالح، وبهذا السلوك تفرض قواعد لعب جديدة على الساحة الدولية، تجبر من خلالها روسيا والصين، بوصفهما قوتيْن لا يمكن لأميركا تجاهلهما، على الدخول في حلبة المحاصصة الدولية، بحيث تكون القواعد الجديدة مصممة على شكل (عصابة دولية) قوامها لاعبون كبار، لكل واحد منطقة نفوذ ومصالح ومجال حيوي، يستطيع كل طرف ضمن نطاقه أن يتمتع بامتيازات، وينعم بغضّ الطرف عن أي ارتكابات يقوم بها ضمن نطاقه، وهذا يكون بشكل متبادل بين الأطراف.
من هذا المنطلق، تكون أميركا قد استدرجت روسيا والصين إلى تلك الحلبة من خلال فرض أمر واقع: إما أن نتقاسم النفوذ والهيمنة بيننا نحن الأقوياء، أو نترك أبواب النظام الدولي الجديد مشرّعة لدخول لاعبين قد لا يمكن السيطرة عليهم.
وفي هذا السياق، يتضح لنا أن أميركا، التي اصطدمت بالواقع الدولي الجديد الآيل للتبدل نحو نظام دولي أكثر عدلاً وتعدداً، اختارت أن تقوم بتعطيله وفرض واقع جديد أكثر قسوة وكراهية، يعزز منطق الفوضى ويقدس القوة، ويجعلها لغة إخضاع للمستضعفين من الدول.
وبهذا تكون الإجابة على سؤالنا أن أميركا تفكك النظام الدولي بما فيه من قواعد ومؤسسات كانت هي من روجت لها إبان الحرب العالمية الثانية، وتسعى اليوم لفرض نظام أكثر طغياناً ومكراً قائماً على منطق “شريعة الغاب”.
وفي هذا الصدد، يبقى السؤال: هل ستنجح أميركا بفرض صفقة المحاصصة على روسيا والصين؟