السيادة الوطنية في العصر الرقمي: من حماية الحدود إلى حماية المعرفة
الشمال نيوز – هناء محمود
السيادة الوطنية في العصر الرقمي: من حماية الحدود إلى حماية المعرفة
لم تعد السيادة الوطنية في عالم اليوم تقتصر على حماية الحدود البرية والبحرية والجوية أو الحفاظ على استقلال القرار السياسي للدولة. فقد ظهر بُعد جديد للسيادة، لا يقل أهمية عن الحدود التقليدية، يتمثل في القدرة على حماية الفضاء الرقمي والبيانات والمعلومات وضمان عدم تحولها إلى أدوات للنفوذ أو الضغط السياسي.
وفي لبنان، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، لم يعد الأمن الرقمي ترفاً فكرياً أو مسألة تقنية تخص الخبراء والمتخصصين، بل أصبح قضية تمس حياة المواطن اليومية، من هاتفه الشخصي وحسابه المصرفي إلى معاملاته الرسمية وتفاعلاته على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمواطن الذي يضع بياناته الشخصية على المنصات الإلكترونية من دون أن يعرف أين تُخزّن أو من يستطيع الوصول إليها، يشبه من يضع مفاتيح منزله في يد الغريب، ثم يأمل ألا يُساء استخدام تلك المفاتيح. وهنا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في غياب الضمانات الكافية التي تجعل استخدامها آمناً وتحفظ خصوصية الأفراد.
من يملك البيانات يملك جزءاً من القوة
إذا كانت الحروب التقليدية تترك آثارها على الأرض اللبنانية والمباني والبنية التحتية، فإن الحروب الرقمية قد تترك آثاراً لا تقل خطورة، حتى وإن لم تكن مرئية بالعين المجردة. يمكن ملاحظة هذه الإشكالية خلال فترات التصعيد العسكري، حين تتحول مجموعات واتساب ومواقع التواصل الاجتماعي إلى مصادر رئيسية للأخبار العاجلة. تنتشر الصور والتسجيلات والتحذيرات بسرعة كبيرة، من دون أن يكون مصدرها واضحاً دائماً أو أن تكون المعلومات الواردة فيها دقيقة والتي يمكن أن تكون كالنار في الهشيم.
لم تعد العلاقة بين المواطن والتكنولوجيا تقتصر على البحث عن معلومة عبر محرك البحث أو التواصل مع الآخرين من خلال منصات التواصل الاجتماعي. فقد دخل العالم مرحلة جديدة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT و Gemini قد يبدو استخدام هذه المنصات أمراً بسيطاً في الحياة اليومية وخلف هذه الاستخدامات اليومية تبرز مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز الجانب التقني، لتصل إلى جوهر السيادة الوطنية واستقلال القرار المعرفي.
فعندما يسأل مواطن لبناني إحدى منصات الذكاء الاصطناعي عن الأزمة السياسية في بلده، أو عن أسباب الانهيار الاقتصادي، أو عن التوترات الأمنية في المنطقة، فمن أين تأتي الإجابة؟ ما المصادر التي تعتمد عليها المنصة؟ وكيف تختار المعلومات التي تعرضها؟ وهل تعكس الإجابة جميع وجهات النظر،أم أنها تتأثر بطبيعة البيانات التي دُرّبت عليها وبطريقة تصميمها وتحديثها؟
ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل جواب منظم ودقيق الصياغة حقيقة لا تقبل النقاش. وقد يجد المستخدم نفسه أمام إجابة تبدو مقنعة، فيتبناها من دون التحقق من مصادرها، وكأنه يحرث في البحر بحثاً عن الحقيقة، بينما كان يكفيه الرجوع إلى المصدر الأصلي ومقارنة الروايات المختلفة.
من هنا، تصبح السيادة الوطنية مرتبطة أيضاً بالسيادة المعرفية: أي قدرة لبنان على إنتاج المعرفة، وحماية بياناته، وتطوير كفاءاته، ووضع قواعد واضحة لاستخدام التكنولوجيا داخل مؤسساته. فالدولة التي تكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، من دون أن تستثمر في قدراتها العلمية والتقنية، تشبه من يزرع أرضه بيد غيره ثم ينتظر أن يكون الحصاد من نصيبه.فكما يجب أن نحمي حدودنا الجغرافية، علينا أيضاً أن نحمي حدودنا المعرفية.
وكما يقول المثل اللبناني: إيد وحدها ما بتصفّق، لا تستطيع الدولة مواجهة تحديات العصر الرقمي من دون تكامل بين مؤسساتها ومجتمعها وكفاءاتها العلمية. فهل ينجح لبنان في بناء سيادته المعرفية بأيدٍ وطنية، أم يبقى يستهلك ما ينتجه الآخرون، مكتفياً بالوقوف على باب التكنولوجيا؟
هناء محمود. اجتماع سياسي