اخبار عكار والشمال

وَصِيَّةُ أَبٍ إِلَى أَبْنَائِهِ

الشمال نيوز  – عامر الشعار

🌷🌹 وَصِيَّةُ أَبٍ إِلَى أَبْنَائِهِ 🌹🌷

✍️ الشاعر نبيل ويزاني العاملي


دُونِي وَدُونَكُمُ الأَكْوَانُ كَالأَثَرِ
غُبَارُ وَهْنٍ يُسَابِقُ خُطْوَةَ الْبَشَرِ
دُونَكُمُ الْيَوْمَ لَا شَيْءٌ يُؤَانِسُنِي
وَأَمْشِيَ الْهَوْنَ فِي أَرْضٍ مِنَ الْكِبَرِ
أَنْتُمْ لِقَلْبِيَ نَبْضٌ لَا أُفَارِقُهُ
وَإِنْ تَنَاءَتْ بِنَا الأَيَّامُ وَالسَّفَرِ
تَبْقَوْنَ فِي مُقْلَتِي نُورًا أُرَتِّلُهُ
وَفِي دَمِي، وَبِأَعْمَاقِي، وَفِي فِكَري
مَا كُنْتُ أَرْجُو مِنَ الدُّنْيَا مَكَارِمَهَا
إِلَّا سَنَاكُمْ يُجَلِّي عَتْمَةَ الضَّرَرِ
وَكَمْ حَمَلْتُ مِنَ الأَثْقَالِ مُبْتَسِمًا
كَيْ لَا تَرَوْا أَبَاكُمْ خَائِرَ النَّظَرِ
وَكَمْ تَجَرَّعْتُ مُرَّ الدَّهْرِ مُنْكَتِمًا
وَكُنْتُ أَسْقِيكُمُ الشَهدُ من الصِرَرِ
وَكَمْ تَجَلَّدْتُ وَالأَيَّامُ عَاصِفَةٌ
حَتَّى يُظِلَّكُمُ صَدْرِي مِنَ الْخَطَرِ
وَكَمْ دَفَنْتُ جِرَاحِي خَلْفَ أَضْلُعِي
وَصُنْتُ وَجْهِيَ عَنْ وَهْنٍ وَعَنْ كَدَرِ
مَا كُنْتُ أَبْغِي مِنَ الدُّنْيَا سِوَى صِلَةٍ
تَرُدُّ لِلرُّوحِ بَعْضَ الْوُدِّ وَالثَّمَرِ
إِنْ ضَاقَ بِيَ الدَّهْرُ يَوْمًا فَلَا تَكُونُوا
عَنْ صَمْتِ أَبٍ جَرِيحِ الْقَلْبِ كَالْحَجَرِ
فَالْأَبُ يَكْبُرُ، لَكِنْ فِي مَحَبَّتِهِ
يَبْقَى صَبِيًّا يُنَادِي دِفْءَ مُدَّخَرِ
يَرْجُو مِنَ الأَبْنَاءِ حُضْنًا إِنْ تَعِبْتُ بِهِ
وَيَسْتَمِدُّ مِنَ الأَحْبَابِ مُعْتَصَرِ
إِنِّي وَإِنْ قُلْتُ: إِنِّي صَابِرٌ جَلِدٌ
يَبْقَى حَنِينِي لَكُمْ كغزارةِ المطرِ
لَا تَتْرُكُوا أَبًا أَفْنَى السِّنِينَ لَكُمْ
حَتَّى رَآكُمْ أَنَاشِيدًا عَلَى وَتَرِ
أَفْنَيْتُ عُمْرِيَ كَيْ تَحْيَوْا بِمَكْرُمَةٍ
وَكُنْتُ أَكْتُمُ وَجْدِي خَلْفَ مُنْتَظَرِ
فَإِنْ بَقِيَتْ لِيَ فِي الْكَوْنِ مِنْ يَدٍ
فَهِيَ الدُّعَاءُ لَكُمْ فِي سَاعَةِ السَّحَرِ
وَإِنْ مَضَيْتُ فَلَا تَبْكُوا عَلَى رَجُلٍ
قَدْ عَاشَ يَحْمِيكُمُ مِنْ صَوْلَةِ الْغِيَرِ
وَاذْكُرُوا أَبًا كَانَتْ كُلُّ أُمْنِيَةٍ
لَهُ أَنْ يَرَاكُمْ فِي خَيْرٍ وَفِي ظَفَرِ
مَا كَانَ يَرْجُو ثَرَاءً مِنْ مَتَاعِ دُنًى
وَلَا جَزَاءً مِنَ الأَيَّامِ وَالْبَشَرِ
كَانَتْ أَمَانِيهِ أَنْ تَبْقَوْا مُتَّحِدِينَ
وَأَنْ يَظَلَّ وِدَادُ الْقَلْبِ فِي الذِّكَرِ
فَإِنْ تَذَكَّرْتُمُ أَبًا خَلَتْ سِنُونُهُ
فَاذْكُرُوا حُبَّهُ، لَا وَهْنَهُ الْعَبِرِ
وَقُولُوا: كَانَ أَبِي قَلْبًا نُقَبِّلُهُ
وَكَانَ ظِلًّا لَنَا فِي أَقْسَى الْهَجَرِ
هَذَا أَنَا، يَا بَنِيَّ، الْيَوْمَ مُنْكَسِرٌ
لَكِنَّ حُبِّيَ أَقْوَى مِنْ ذِي الْكَسَرِ
إِنْ غَابَ جِسْمِي فَإِنِّي لَسْتُ مُنْطَفِئًا
فَأَنْتُمُ فِي دَمِي، وَالرُّوحِ، وَالأَثَرِ
وَإِنْ سَأَلْتُمْ عَنِ الأَبِ الَّذِي مَضَى
فَقُولُوا: مَاتَ جِسْمًا، عَاشَ فِي السِّيَرِ
وَإِنْ بَقِيَ مِنْ حَنِينِي بَعْدَ رَاحِلَتِي
فَهُوَ الدُّعَاءُ لَكُمْ فِي سَاعَةِ السَّحَرِ
أَحْبَبْتُكُمْ فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُ الورى
وَكُلُّ قَوْلِيَ دُونَ الْحُبِّ وَالْقَدَرِ
فَإِنْ أَتَتْكُمْ يَدُ الأَيَّامِ عَاصِفَةً
فَاذْكُرُوا أَبًا أَفْنَى الْعُمْرَ فِي الْحَذَرِ
هَذِي وَصِيَّتِيَ الْكُبْرَى فَاحْفَظُوهَا:
كُونُوا لِبَعْضِكُمْ سِتْرًا مِنَ الضَّرَرِ
سَأَسْتَظِلُّ بِدُعْوَاتِي لَكُمْ أَبَدًا
وَأَنْتُمُ كُلُّ مَا أَبْقَيْتُ مِنْ عُمُرِي
فَإِنْ رَحَلْتُ فَلَا تَنْسَوْا حِكَايَتَنَا
أَبٌ أَحَبَّ بَنِيهِ أَطْهَرَ السِّيَرِ
وَقُولُوا: كَانَ أَبِي لِلْحُبِّ مَمْلَكَةً
وَمَاتَ جِسْمًا، وَلَكِنْ خَلَّدَ الذِّكَرِ
وَقُولُوا: كَانَ لَنَا سِتْرًا وَمَكْرُمَةً
وَكَانَ يَحْمِي حِمَانَا مِنْ يَدِ الْغِيَرِ
وَقُولُوا: كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرَاكُمْ فِي
أَعْلَى مَرَاقِي الْمَعَالِي غَيْرَ مُنْكَسِرِ
وَإِنْ بَقِيَتْ فِي ثَرَى الأَيَّامِ ذِكْرَتُهُ
فَالْحُبُّ أَبْقَى مِنَ الأَجْسَادِ وَالْعُمُرِ
يَغِيبُ عَنْ نَاظِرِ الدُّنْيَا وَصُورَتِهِ
وَلَا يَغِيبُ عَنِ الأَرْوَاحِ وَالذِّكَرِ
فَاحْفَظُوا وَدَّهُ، وَصُونُوا مَوَدَّتَهُ
فَذَاكَ آخِرُ مَا يَرْجُوهُ مِنْ بَشَرِ
إِنْ كَانَ لِي بَعْدَ هَذَا الْعُمْرِ مِنْ أَمَلٍ
فَأَنْتُمُ الأَمَلُ أنتُم الماس والدُرَرِ
وَإِنْ مَضَيْتُ، فَذِكْرِي لَيْسَ مُنْتَهِيًا
مَا دُمْتُمُ فِي فُؤَادِي مَوْضِعَ الذِّكَرِ
وَإِنْ رَحَلْتُ، فَإِنِّي لَسْتُ مُنْعَدِمًا
مَا دُمْتُمُ فِي دُعَائِي نَبْضَ مُدَّخَرِ
أَحْبَبْتُكُمْ، وَمَا وَفَّتْ حُرُوفِيَ لَكُمْ
فَالْقَلْبُ أَعْظَمُ مِنْ نَظْمٍ وَمِنْ شِعَرِ
وَإِنْ سَأَلْتُمْ عَنِ الأَبِ الَّذِي مَضَى
فَقُولُوا: أَحَبَّ بَنِيهِ، وَذَاكَ مُفْتَخَرِ
هَذَا خِتَامِي، وَفِي قَلْبِي لَكُمْ أَمَلٌ
أَنْ تَجْمَعَ الْوُدَّ بَيْنَكُمْ يَدُ الْقَدَرِ
وَأَنْ يَظَلَّ اسْمُكُمْ فِي الْقَلْبِ مُزْدَهِرًا
مَا دَامَ فِي الأَرْضِ نَبْضٌ، وَالسَّمَا قَمَرِ
فَإِنْ رَحَلْتُ، فَإِنِّي فِي مَحَبَّتِكُمْ
حَيٌّ، وَفِي كُلِّ دَعْوَى مِنْكُمُ أَثَرِي
نبيل علي ويزاني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى