مقالات مختارة

سيف الإسلام وزلزال الاغتيال والتشييع

الشمال نيوز

سيف الإسلام وزلزال الاغتيال والتشييع

علي شندب
كثيرون اعتقدوا أن زمن الزلازل السياسية في ليبيا قد طُوي الى غير رجعة مع اغتيال “حلف الناتو” للعقيد معمّر القذّافي. لكن، لا يمكن وصف ما أصاب ليبيا نتيجة اغتيال سيف الاسلام القذّافي، بأقل من الزلزال.
ورغم أن ليبيا لم تشفى من تداعيات اغتيال معمّر القذّافي، فقد صدق من قال “أنّ ليبيا دخلت معه في قبره المجهول ولم تزل فيه”. وما ضاعف من عدم استجابة ليبيا للتسويات الترقيعية من قبل القوى الاقليمية والدولية التي أجهزت على جماهيرية العقيد هو ذلك الانقسام والاستقطاب العامودي بين الذين ركبوا موجة الثورة عليه، وباتوا و”ليبياهم” محل تجاذب القوى الناتوية والاقليمية المُمسكة بعنق ليبيا وشرايينها وأوردتها ومواردها.
صحيح أنّ “وصفة” دفن معمّر القذّافي في “قبر مجهول” المقام والمكان، قد حال دون تشييعه وتقبّل العزاء به، لكن الصحيح أيضاً أن تشييع ابنه سيف الاسلام في دينة بني وليد “دردنيل العرب” معقل قبائل ورفلّة المرتبطة بأخوة الدّم مع قبيلة القذاذفة ما جعلها ايضاً معقلاً روحياً واستراتيجياً لأنصار نظام القذّافي وتياره الجماهيري، والتي يمّم شطرها حشود شيوخ وأبناء القبائل الليبية الوازنة على امتداد ليبيا، وبهذا المعنى فقد كان التشييع في بني وليد تشييعاً رمزياً لمعمّر القذّافي ولو بدون جثمان مسجّى، بجانب جثمان ابنه ووريثه السياسي.. ما يطرح بوضوح الدور الذي ستلعبه بني وليد مستقبلاً فضلاً عن التداعيات التي قد تصيبها!
وبإجماع المراقبين فإنّ تشييع سيف الاسلام ودفنه في بني وليد يرتقي لمستوى الاستفتاء الشعبي على تجذّر “النظام السابق” في الجغرافيا والديمغرافيا الليبية والعربية ايضا، بدليل حالة الحزن التي لفّت الوطن العربي على قتل سيف الاسلام. تجذّر لم تتمكن منه آلة القتل الناتوية وأدواتها المحلية، ولم تتمكن منه شيطنات شياطين الأرض وأبالستها لمعمّر القذافي قبل سيف الاسلام. تجذّر راكم من اتساع مساحته إخفاق الحكام الجدد الوافدين مع بوارج الناتو وأقبية السفارات والبعثات الدولية وفشلهم الذريع في تقديم بديل أفضل من نظام القذّافي.
ما تقدم ليس قراءة وجدانية مبتسرة للمُصاب الجلل الذي ألمّ بليبيا كلها، وليس فقط بأسرة القذّافي وقبيلة القذاذفة والقذّافية السياسية، بل تشخيص دقيق لحاضر ليبيا ومستقبلها.
فقطع رأس ليبيا عام 2011 لم يهدف الا الى شطبها من حالة الفعل والفعالية عربياً وإسلامياً وافريقياً. قطع رأس ليبيا كان احدى الحلقات والمحطات المبكرة لـ”الشرق الاوسط الجديد” لصاحبه بنيامين نتنياهو، لتنطلق عجلة التطبيع مع ليبيا والتي سرعان ما أطاحت بوزيرة خارجية ليبيا نجلاء المنقوش نتيجة لقائها مع وزير خارجية اسرائيل.
قطع رأس ليبيا كان يهدف الى ادخال ليبيا في العصر الاسرائيلي الذي كان القذّافي الأب من أكثر القارئين الاستشرافيين المحذرين منه، وباتت تلك المواقف محل استعادة مكثّفة من قبل جموع ونخب عربية لم تُعر يومذاك اهتمامها لمن روّج الغرب والرجعية العربية فريته عليه ووصفه بالمجنون، فما سبق وقاله “المجنون” أثبت ويثبت صحته كل يوم، تماماً كما أثبت أن القذّافي كان كمن ينفخ في قربة مثقوبة ضاعف من ثقبها صواريخ الناتو وأساطيله “المباركة”.
تشييع سيف الاسلام المهيب، هو بالدرجة الأولى استنكار لجريمة الاغتيال التي أصابته، وفي الدرجة ما قبل الاولى وفاء لمعمّر القذّافي في قبره المجهول. لكن هذا التشييع يمثل تحدياً عميقاً على استعادة العباءة الوطنية واعادة الحياة للمشروع الوطني الذي يلملم شتات ليبيا ويخرج الليبيين من حالة التراجيديا السوداء التي تلفهم، ويُنتظر ويرجح أن تجود ليبيا بأحد أبنائها لحمل الراية ومشعل الخلاص.
لن نتوقف عند الاغتيال بحد ذاته، لكن دعونا نقول ان أبرز أهداف الاغتيال تكمن في إشعال نار الفتنة بين تحالف قبائل القذاذفة وقبائل الزنتان. الزنتان، تلك القبيلة والمدينة التي تشكل الحزام العربي في جنوب غرب ليبيا، والتي ناصبت معمّر القذّافي الخلاف وكانت ضمن المدن الثائرة عليه، وهي التي اعتقلت سيف الاسلام وسجنته، ثم وفرت له محاكمة، ثم آوته وحمته وأصبح نزيلها.
إذن، عبر هذا الاغتيال، خطّط “المخرج” لإشعال “الفتنة” التي تناقلتها بعض الأصوات الغاضبة، وكتمها ولجمها شيوخ قبائل بني وليد والقذاذفة والمقارحة الذين أصرّوا على حضور سجّان سيف الاسلام وحاميه “العميد العجمي العتيري” مراسم تشييع رفيقه ودفنه، وبهذا تم اطفاء الحريق الذي أضمره مخططو الاغتيال والآمرين به. فخرج مشهد التشييع مهيباً حاشداً يصوّب أصابع الاتهام بحق من تخرج أسماءهم من لسان القضاء الليبي لا الدولي، والنائب العام الصديق السور فقط لا غير.
لن ندخل في حسابات المستفيد والخاسر من شطب سيف الاسلام. فبالتأكيد أن الخاسر الأكبر هو ليبيا. وأن الرابح المحلي هم بعض الطامحين لانتخابات رئاسية كان سيف الاسلام يشكل حاجزاً أمامهم وأمام المشروع الدولي الذي يعمل على اعادة رسم وهندسة المنطقة وليبيا، فأزاحوه.
وكما فوّتت قيادة خليفة حفتر فرصة التعامل المناسب مع ملف اطلاق هانيبال القذّافي من سجون لبنان، فقد فوّتت هذه القيادة وللمرة الثانية فرصة التعامل المناسب مع قضية اغتيال سيف الاسلام، في حين تفوّقت حكومة عبد الحميد دبيبة على قيادة حفتر وبالواقعتين.
بعيداً عن انهماك الكثير من الدوائر في اجراء حصر إرث سياسي، لمعمّر القذّافي وابنه سيف الاسلام، يبدو أن التشييع الاستفتائي سيكون له مفاعيل كبرى، خصوصاً اذا ما أنتجت المحنة الحالية شخصية جديدة تعمل على لملمة شتات ليبيا ومداواة جراحها الغائرة، شخصية تدرك عميقاً أنّ بعض المحيطين بمعمر القذّافي متشابهين مع بعض المحيطين بسيف الاسلام، وقد كانوا بحسن او سوء نية من أدوات ساهمت في تقويض الاثنين معاً..
ولعلّ الاجهاز المتأخر بضعة عشر عاماً على سيف الاسلام الذي لم يُفوّت فرصة الشماتة بسجن نيكولا ساركوزي بسبب تمويلات القذّافي التي أجلسته على كرسي فرنسا، فقد لعبت هذه “الشماتة” دورها وساهمت ضمن أجندات أخرى في رفع الغطاء عن ملاذ ومقرّ سيف الإسلام حتى بات (كحصان الشاعر محمود درويش) وحيداً في الزنتان..
لكن وقبل كل هذا دعونا ألا نغفل اللحظة السياسية الراهنة المثقلة بالتحديات الاقليمية والدولية، انها اللحظة الترامبية التي تهدد العالم من فنزويلا الى ايران ومن اوكرانيا الى غريلاند، ومن باب المندب الى مضيق هرمز، وقبلهم من غزّة الى بيروت وجنوبي لبنان.
دعونا ألا نغفل اللحظة الترامبية التي سبق لصاحبها دونالد ترامب أن “هدّد في يوليو الماضي بإحداث تغيير جذري في المشهد السياسي الليبي لأن عمر القيادات الليبية الحالية قد انتهى”!
بالتأكيد لن يكون اغتيال سيف الاسلام القذافي نهاية التراجيديا الليبية التي بات واضحاً أن ترامب قد أعدّ كامل عدته وعديده لها، إلا إذا..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى