ثقافة وفنون

كيانه لبنان

الشمال نيوز – عامر الشعار

كيانه لبنان

في الثامن من حزيران العام2012، رحل رجل الصحافة الأول في لبنان، ورجل الكلمة الحرة النابعة من ضمير الوطن، غسان تويني.
كانت مقالة الأستاذ غسان التويني اليومية، عموده على الصفحة الأولى من جريدة النهار، هي الدرس الأول الذي أقرأه كل صباح، منذ العام1970.
كانت جريدة النهار تصلني يوميا من طرابلس، إلى بلدتي مشتى حسن، مع سائق التكسي العائد من طرابلس، الأخ والصديق “أبو محمود” رحمه الله، في السابعة والربع صباحا. كنت على الفور أقرأ عمود غسان تويني، وأراجع صفحات النهار كلها، التي كانت تخرج بعنايته، وأدقق في بعض المقالات المتنابذة. ثم أحمل الجريدة في محفظتي، وأذهب إلى مدرسة البلدة الرسمية.
كنت أدخل الصف، وأنا معزز بثقافة ورأي وحكمة وتقرير، من وحي الواقع اليومي الذي كان لبنان يعيشه. فنجد أنفسنا ونحن نندرج فيه، دون أن ندري به. واقع حي، بحلاوته ومرارته، تكشفه لنا أقلام جريدة النهار. ويلخصه بدقة متناهية وصائبة، ما يكتبه الأستاذ غسان، بصورة يومية في عموده.
ما أذكره، أن كتابة الأستاذ غسان، كانت تحتشد في. وكانت إلى ذلك تحشدني وتعبئني. فأدخل إلى الصف ممتلئا بالمعنى.
ولأنني كمدرس، في سني الأولى من التدريس، لا أحسن فصل المعنى عن ألفاظه، ولا عن جمله الرشيقة التي تكسوه، ولا عن الفقرات المتتابعة، مثل قاطرات قطار، يسرع به غسان تويني، إلى المحطة. كنت أجعل من عمود غسان تويني، المادة الأولى لعملي مع التلاميذ في الصف، حتى أكرره كثيرا، وأتمكن منه.
كنت أتخذ منه درسا في الإنشاء. أو درسا في الإملاء. أو أتخذ منه مادة للمناقشة في الصف، من بين النصوص المختارة، التي أفضل مناقشتها، لجهة دقة المعاني، ولجهة رشاقة الألفاظ، ولجهة الإطلاع على رؤيا حياتية حيوية، مرمزة، تجعل من النص كشفا مستنيرا للواقع المعاش.
ولأنني كنت أدرس في عدة صفوف. وكنت فيها مدرسا لعدد جم من الحصص في اللغة العربية وفي التربية المدنية وفي التاريخ وفي الجغرافيا، فإنني كنت، أفرد مقالات الأستاذ غسان، وأجعلها في أضابير، وأجعل منها مادة كل يوم، بما يناسب دفتر التحضير.
كانت مقالات غسان تويني الرائدة، تحفزني على التأدب. وكنت أريد أن أمتحن نفسي في مرآة الصف الذي أدرسه. وفي صدور وقلوب الناشئة، حين أقف أمامهم مدرسا.
حقا، كنت أجد فيها ما يدهشني وما يبهرني، فأريد أن أمتحن نفسي في ذلك كله، في مرآة الصف. فأجد فتنة تسري في عيونهم. وأجد عندهم شوقا للمتابعة، وإنضباطا لا يوصف، كما أنه لا يصدق. أجده لدى جيل من الفتية، الذين يميلون بطبعهم إلى الشغب والهزل، أكثر بكثير مما يميلون إلى الجد.
كان ذلك إمتحان ثقافي وأدبي لي، في عيون النص الغساني، كما في عيون أبناء غسان من الناشئة و الطلاب والمتأدبين بأدب المقالة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والوطنية والقومية.
كانت مقالة غسان تويني، تأخذ من كل ذلك بطرف. ولذلك كنت أجد فيها مادة ثقافية بإمتياز، تصلح أن تؤدب الأجيال من كل الأعمار. وهذا لعمري، سر إنبهار الصف المدرسي بها، كما الصف الجامعي، كما سائر الصفوف من رجال الحياة.
كنت كل يوم أقطع أمام إمتحانين: إمتحان التثقف الذاتي بالرسالة الوطنية الغسانية، وإمتحان توصيل الرسالة الوطنية الغسانية لأصحابها من التلاميذ والطلاب والزملاء.
كنت أشعر أن رسالة غسان تويني، يجب أن تصل للأجيال، إبتداء من الفتية. كما يجب أن تكمل طريقها، للوصول إلى سائر الأجيال الأخرى.
كنت أشعر أن رسالة غسان تويني، يجب أن تنطلق من الصف المدرسي. كنت أجد متعة في إنطلاقها من الصف المدرسي، لأنها غاية وطنية عظيمة. لأنها “طوبة” أساس، في البناء الثقافي الوطني.
كان الأستاذ غسان تويني: الأديب والكاتب والمحلل السياسي، والناقد الإجتماعي، إنما هو معلم الأجيال كلها، لأنه يصدر عن نبعة من كيانه الشخصي الممتلئ بالوطن. الممتلئ بلبنان.
كان كيانه كله لبنان. يقارع كل يوم، كما أمة، تريد أن تظل بين الأمم. كما شعب، يريد أن يظل بين شعوب الأرض. كما معلم: تراب لبنان نفض ثوبيه. وأرز لبنان خوافي تحت قبطيه. وينابيع لبنان مسقط روحه ومسيل رسالته. وجبال لبنان، بثلجه وصخره منارة عمره، حين تلامس صنوبرة العمر منه حد السماء.
غسان تويني، كان كيانا مفردا مثل لبنان. لذلك وجدت فيه الفتية، كما وجد فيه الشباب و الشيوخ وأهل السياسة وأهل الصحافة، شعلة يهتدون بها، في غمار الظلمة والظلام.
مات عبد الناصر، فكتب غسان تويني: “يخرج أحدنا في هذا اليوم وفي نفسه شيء من عمر. مات النبي محمد. فخرج شاهرا سيفه في وجوه الناس، فلاقاه أبو بكر فقال له: “من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله، فإن الله حي باق.”
وتحوطت الفتنة لبنان. وتكاثر المفتنون والمفتئتون عليه. فكتب غسان تويني: “وطن للبيع. وطن للإيجار. وطني دائما على حق”.
مضى غسان تويني وقضى. لكن لبنان لا يزال على صورته. لكن الأمة لا تزال على صورته. كيانان في كيان واحد إسمه لبنان.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى