إغتراب

مشاركة الإعلامية كلود ناصيف حرب في الجلسة الحوارية مع الأديب د. جميل الدويهي

الشمال نيوز – عامر الشعار

مشاركتي في الجلسة الحوارية مع الأديب د. جميل الدويهي. حول كتابه الفكريّ الخامس “بلاد القصرين”، تمهيداً لإصدارها في كتاب أكاديميّ يوم 30 آذار 2021.

1- قراءة الأديبة كلود ناصيف حرب لقصّة “الكرْم على التلّة”
___________
– القصّة:
كانت تمسكني من يدي، وتأخذني إلى كرْم لنا. هو ليس لنا حقيقة، بيْد أنّه شيء من أفكارنا، وأحلامنا البعيدة بُعد السماء عن الأرض…
ليس من أمر مستحيلاً… تقول لي، وهي تنظر في عينيّ الصغيرتين، وتهمس: كآبة هي مدينة… ليست مألوفة عند الصغار.
وكانت تسير معي ولا تتعب… والأولاد في حيّ العرب يسخرون منّا: “قال عندهم كرْم! الكرْم ليس لكم… عنب أسود لم يخلق الله مثله”.
أتشاجر مع الأولاد في الحيّ. أبادلهم الكلام القاسي. فتقول: لا تدع الكبار يسمعون. الكلمة السيّئة عندما تخرج من فمك تصبح جريمة. والرجال يغضبون كالنار في الهشيم. لا تخبرْ أحداً أنّك تشاجرت مع الأولاد، ولا تحقّر أحداً من الناس… يمكنك أن تعضّ على الجرح وتتجاهل.
وأسألها عن الكرْم هناك على التلّة، حيث نحن ذاهبان بعزم وإصرار. وأقول: سمعت من الأولاد أنّه للناطور.
تجيب وهي تضحك: هو لنا. الناطور الأعرج أخذه منّا عنوة، ونحن سنستردّه.
– كيف؟ هل نقوى على ذلك الشرّير، ولا نملك أداة لنحاربه؟
– لا تخف. عندما يخاف الإنسان يصبح ميتاً. الشجاعة تحرّرنا.
نصل إلى التلّة، والشمس في أعلى السماء، امرأة من نار، تحرقني، وتكوي جبهتي، فأمسح العرق الهاطل من وجهي. وأرتعش، لأنّ المواجهة مع الناطور ستكون صعبة… سلاحنا الإصرار.
ويصرخ الناطور من خيمته: إلى أين؟
فنجيبه: إلى أشجارنا، وعناقيدنا السوداء كالليل. كعيون الخيْل الهاربة من المعركة. ما هي مشكلتك؟
ينزل الرجل العملاق من خيمته، على درج من الخشب، فيكاد ينهار تحت ساقيه الطويلتين. إحداهما أقصر من الأخرى، فيتمايل جسده كشبح مخيف. كان ظلّه فوقي مثل جبل. خفت
على ظلّه أن يكون ثقيلاً عليّ، فأتحطّم.
يخاطبنا الناطور بصوت أجشّ: أليست وقاحة أن ترفضا أوامري، وتعودا إلى هذا المكان؟
أسارع إلى القول: إسمع أيّها الرجل الطويل القامة كسكّان الكهوف.
إذا كان لك شأن معنا، فتحدَّثْ إليّ… رجل لرجل.
– أنت يا صعلوك؟
– نعم أنا… صعلوك وسأنتصر عليك…
يهجم عليّ الناطور، ويمسكني من عنقي، ويرفعني فأظنّ أنّ الأرض أصبحت بعيدة عنّي. وأصرخ…
أسمعها تقول بلهفة: إذا أمسكته من ذقنه، يذوب كالماء…
– وكيف أمسكه؟ هو أطول منّي…
– ألست ملاكاً؟
كانت كلماتها بمثابة البرق الذي التهمَ روحي. مددتُ يدي الصغيرة، وأمسكت بالناطور من ذقنه، وتعلّقت بها، فأصبح يذوب كالماء، ويتلاشى، فسقطت على الحضيض، أنوح من الألم.
قالت لي: إنهض. أنت بخير… العناقيد تنتظر من يقطفها.
قمت على الأرض بثقل، وهرولت نحو الكرْم، وعيناي شاخصتان إلى العناقيد. لم تكن سوداء، بل شقراء، يقطر منها سائل شهيّ. فركت عينيَّ غير مصدّق أنّ لون العنب قد تغيّر. التفتّ إليها، فرأيتها تضحك وتقول: لا تهتمّ يا بنيّ. الألوان كلّها هي لون واحد يرتدي ثياباً مختلفة… هل فهمتَ ما أعنيه؟
هززت برأسي موافقاً، وقلت بصوت خفيض: فهمت. ثمّ رحت
أضحك، ويردّد الوادي صدى ضحكتي.
كانت تراقبني بشغف وأنا أقطف حبّات من الذهب، مسرعاً مسرعاً، كأنّني أخشى على اللحظات الجميلة أن تنتهي، وأن تهرب منّا الحياة على حين غرّة.
___________
– قراءة الأديبة كلود ناصيف حرب لقصّة “الكرم على التلّة”:
ما هذا؟! طرحت سؤالاً على نفسي منذ الوهلة الأولى التي قرأت فيها قصّة “الكرْم على التلّة” للأديب المهجريّ د. جميل الدويهي… قصّة بحجم كتاب. وهي وحدها رواية، يمكن للنقّاد أن يتحدّثوا عنها زماناً. وأنا من المتفائلين بأنّ يومًا سيأتي، ويحظى أدب العبقريّ الدويهي بكثير من الاهتمام، خارج أستراليا. ولست أدّعي معرفتي بالنقد. فأنا قارئة لا أكثر. ولذلك أستنجد بالدويهي، كإعلاميّة خبيرة في مهنتي، وكأديبة مساهمة في مشروعه الراقي، وأحاول أن أفهم منه ما يسمّيه “الأبعاد”، أو “السحر بين الواقع والحلم” . وأطرح أسئلة عليه، لأستطيع تكوين فكرة عن العمل. فأسلوب الدويهي سهل ممتنع، وأنت تتعلّم منه أشياء وتغيب عنك أشياء. فما هو الكرْم؟ ولماذا هو على تلّة؟ ولماذا؟ ولماذا؟
يجيب: الكرْم هو كلّ حقّ مسلوب، سطا عليه الأشرار، وأخذوه عنوة من أصحابه. والتلّة هي الارتفاع، فالإنسان لا يطمح نزولاً بل صعوداً. والمرأة هي بالتاكيد الأمّ التي علّمت أبناءها قيّماً كثيرة: “لا تدع الكبار يسمعون. الكلمة السيّئة عندما تخرج من فمك تصبح جريمة. والرجال يغضبون كالنار في الهشيم. لا تخبر أبداً أنّك تشاجرت مع الأولاد، ولا تحقّر أحداً من الناس… يمكنك أن تعضّ على الجرح وتتجاهل”. وتقول أيضاً: “لا تخف. عندما يخاف الإنسان يصبح ميتاً. الشجاعة تحرّرنا”. والناطور، كما يقول الدويهي، هو الشيطان. وعلى الرغم من أنّ الدويهي تقدّميّ في نظرته إلى الدِّين، فالشيطان، خارج الإطار الديني، هو كلّ إنسان شرّير، وطول قامته مخيف ويخبر عن جبروته : “ينزل الرجل العملاق من خيمته، على درج من الخشب، فيكاد ينهار تحت ساقيه الطويلتين. إحداهما أقصر من الأخرى، فيتمايل جسده كشبح مخيف. كان ظلّه فوقي مثل جبل. خفت على ظلّه أن يكون ثقيلاً عليّ، فأتحطّم”. إنّ ظلّ الشرّير على الطفل ثقيل جدّاً، وقد يحطّمه… في صورة، هي وحدها فيلم سينمائيّ قصير، تمتزج فيه الصورة الشعريّة بالواقع المرعب. وقد وردت في القصّة لفظة “أعرج” في إشارة إلى الناطور. وهو عندما نزل من خيمته، بدا أنّ إحدى ساقيه الطويلتين أقصر من الأخرى. أقول لجميل: هذا لم أفهمه. ولماذا اخترت العرج فقط، كعاهة محدّدة؟ فيقول: إنّ هذا توظيف للأسطورة القديمة التي تقول إن الله عندما رمى بالشيطان من الفردوس، سقط هذا الأخير على ركبته، فأصابته عاهة دائمة، وأصبح أعرج. وهناك قصّة أسطوريّة أخرى عن القدّيس الإنكليزيّ دانستان (909-988)، حيث استطاع هذا القدّيس أن يركّب حدوة حصان (نضوة) في قدم الشيطان على غفلة منه. والعنب الأسود في القصّة علامة الشرّ. وعندما ينتصر البطل الصغير على الشيطان ويذوب ليصبح كالماء، يتحوّل اللون الأسود إلى أشقر، ويسمّي الدويهي هذه الحال بـ “الـتحوّل الاسطوريّ”، ويقول إنّه كتب عن هذا “التحوّل” في رسالته للماجستير (1987) عن الأسطورة في النثر اللبنانيّ. والمفتاحان للانتصار على الشيطان هما: الإمساك بذقن الشرّير (ابتكار لا علاقة له بأيّ رواية سابقة أو تقليد شعبيّ أسطوريّ)، وأن يكون المرء ملاكاً. ولذلك قالت الأم بعد أن رأت يأس ابنها، وتفوّق الشيطان الجسديّ عليه: ألست ملاكاً؟
صعلوك ينتصر على جبّار. وكم من الجبابرة في عالمنا هذا، وفي أوطاننا… لهم جبروت العصور، وحيلة المتنكّرين، وطغمة الجائرين. يحدّثونك بلسان أين منه حلاوة السكر، وهم عبيد الظلام، والمتسكّعون في أروقة الاستبداد! بيْد أنّ الشعوب الضعيفة المقهورة هي التي ستنتصر عليهم.
كرْم الدويهي على التلّة، هو الفردوس المفقود… وفيه عبّر ودروس، كما فيه ذاتيّة جميلة ومعبّرة… قصّة عن ولد صغير، من صعاليك الأرض، يرافق أمّه ليستعيدا الكرم المنهوب، ويواجههما أبناء حيّ العرب، فيعاملون الأمّ والولد بسخرية، معتبرين أن الكرْم للناطور، فهل فقدَ أيناء العرب البوصلة، ولا يعرفون مَن هو صاحب الحقّ؟ وكم حيّرني كلام الأمّ: إن الألوان هي لون واحد يرتدي ثياباً مختلفة. وتذكّرت أنّني قرأت مثل هذا الكلام في كتاب “في معبد الروح” للدويهي – عظة العدد، حيث يعتبر أديبنا أنّ الفصول جميعها هي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة. لكنّ المقاربة هنا – يقول جميل- ليست لتوضيح أنّ الأعداد هي صيَغ موضوعة وغير حقيقيّة بشكل كامل، بل هي لتأكيد أنّ الخير والشرّ يتداخلان في الحياة الإنسانيّة، ولا يحيا أحدهما من غير الآخر. أخيراً، ليسمح لي الأديب الدويهي، عميد الأدب الراقي، أن أعيد التأكيد على أنّه قامة مديدة وفريدة في المهجر البعيد. وعلى الرغم من معاناته اليوميّة، يبثّ هذا الشعاع من النور إلى العالم، ويسير على القمم، فالناس لا يطمحون نزولاً بل صعوداً. والصعود والإصرار علامتان من علامات عصر الدويهي الجميل.
كلود ناصيف حرب
سيدني أستراليا
٣١ ك٢ ٢٠٢١
__________
مشروع الأديب د. جميل الدويهي “أفكار اغترابيّة” للأدب الراقي – سيدني 2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى