عربي ودولي

السحمراني: مخاطر التجاسر على الفتوى الفتيا المجمعية هي الحلّ

الشمال نيوز – عامر الشعار

مقالة مقدمة لمؤتمر دولي عقدته جامعة الزيتونة في تونس يومي السبت ١٧-١٠-والأحد ١٨-١٠-٢٠٢٠ تحت عنوان :

مخاطر التجاسر على الفتوى .
*الفتيا المجمعية هي الحلّ*

*الأستاذ الدكتور أسعد السحمراني*
جامعة الإمام الأوزاعي-لبنان

*تمهيد:* يعاني المسلمون على مستوى الفرد والاجتماع العامّ من مشكلة هي فوضى الفتاوى؛ وهو ما يقول بعض الظرفاء فيه: الفتاوى البلاوى.
وإذا حاول المهتمّون معرفة أسباب ذلك سيخلصون إلى الآتي:
1- *الجمود:* فقد برز قبيل من أهل الأمّة يجتاح فكره أفهام خاطئة، وتحكمه حالة قصور في التفقّه والقدرة على التصدّي للنوازل، وقد واجه بالتقوقع والجمود بذريعة التزام ما هو موروث عن السلف، وبات يقرأ المستجدّات والنوازل بنظّاراتٍ وحلول كانت لغير هذا الواقع، واعتراه جمود هو جناية على الشريعة السمحاء وعلى الفقه، والجمود لا يقلّ خطورة عن الجحود، إن لم يقل أحدنا: الجمود موت.
2- *أشباه العلماء:* وهؤلاء ازداد عددهم، وباتوا يشكّلون طبقة من جماعة زادها قليل معرفياً، وفي الوقت عينه تصدّرت مجالس العلم والدعوة، ومقاعد الإفتاء، فكان منهم نتائج كارثيّة…
فشبه العالم أشدّ خطراً من الجاهل، لأنّ الجاهل إن توافر له عالم حليم واستطاع استمالته، سيتحوّل إلى طالب يتلقّى العلوم والمعارف ليرقى وعيه، أمّا أشباه العلماء فهم أدعياء ومعاندون، ولا يقبلون توجيهاً ولا مراجعة.
3- *الجُبن وقلّة الحيلة:* القاعدة العلمائيّة تقول: لا عالم جبان. والقول المأثور للصحابي خالد بن الوليد: فلا نامت أعين الجبناء.
وقد نشأت مجموعة من هؤلاء ممّن يؤثِرون السلامة، ويفرّون من اتّخاذ الموقف خوف دفع ضريبة يمنعهم جبنهم وتخاذلهم منها، خاصّة إذا كان الموقف سيكون مجابهة فساد وتزوير فكري، وليّ لأعناق النصوص من بعض وعّاظ السلاطين ممّن تعلّق قلبهم بالمكاسب الدنيويّة.
4- *فقدان الأهليّة:* لقد أنتج هذه الفوضى مزاعم وتخرّصات مصدرها فاقدو الأهليّة العلميّة والاختصاص، وأشخاص تجاوزوا حدّهم في التصدّي لمشكلات تفوق كفاياتهم ومواهبهم، وأخذوا يهرفون بما لا يعرفون.
5- *التعصّبات للتكوينات وأمرائها:* برزت في غير ساحة أقامت تكوينات فئويّة من حركات وأحزاب، تسيطر على أتباعها من تعصّبات رديئة لفكرتهم، أو لأمير جماعتهم، ومثل هؤلاء يذكرون ببيت من الشعر لأمير شعراء زمانه أحمد شوقي، في (نهج البردة) يخاطب به النبيّ عليه الصلاة والسلام قائلاً:
أتيت والناس فوضى لا تمرّ بهم إلا على صنم قد هام في صنم …
وقد سمحت هذه المجموعات لنفسها أن تكون في موقع التشريع والتنفيذ، فنتج من ممارساتها حركات وتصرّفات نشرت الرعب والعنف باسم الإسلام والدين منهم براء.
هذه بعض عوامل فوضى الفتاوى، ويحتاج الأمر بداية تحديد الضوابط، ومن ثمّ اقتراح الحل.

*ضوابط الإفتاء:*
إنّ إصدار الفتيا مسألة دقيقة، والموقف فيها يترتّب عليه ما يترتّب من الحقوق والواجبات، ومنها يكون الحكم على الناس، وقد يصل الحال إلى الخروج من جماعة المسلمين، لذلك يكون من الأهميّة بمكان تحديد الضوابط للمجتهد الذي يقدّم المادّة الفقهيّة والفكريّة للمفتين، ومن هذه الضوابط ما يلي:
1- إنّ أوّل ما يحتاجه المجتهد والمفتي الإحاطة من النصّ القرآني بكلّ ما يتعلّق بموضوعه، مع معرفة وافية بهذه الآيات وعلوم القرآن المرتبطة بها، وما قاله عدد من المفسّرين والأخصّائيّين فيها، وما تدور حوله من أحكام..
2- الاطّلاع الوافي بكلّ ما يتعلّق بالموضوع من السنن القوليّة والفعليّة، مع متابعة للأحاديث سنداً ومتناً، والحكم عليها من صحيح وحسن أو غير ذلك، ومناسبات الأحاديث ومتعلّقاتها.
3- التمكّن في اللغة العربيّة وتقليبات المفردات والحركات ووجوه المعاني، فلذلك موقع حاسم في الفهم والفقه، تمهيداً لإصدار الحكم الشرعي.
4- اطّلاع كافٍ على ما جاء عن أصحاب المذاهب الفقهيّة في المسألة للأخذ به، أو الاسترشاد به، أو البناء عليه، أو اجتهاد يطرح البدائل مع التعليل والشواهد.
5- احترام الاختصاص فلا يكون للاقتصادي أن يجتهد في السياسة الشرعيّة، ولا للمختصّ في الحديث وعلومه أن يجتهد في الهندسة الوراثيّة، ولا للمؤرّخ أن يجتهد في القانون، والقاعدة في ذلك شاهد هو قول الله تعالى ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ (سورة الإسراء، الآية ٣٦).
6- الواقع المعاش: إنّ دائرة المكان والزمان لها موقعها في عمل العالم المجتهد، الذي يتصدّى لمهمّة طرح الحلول للنوازل، وبذلك يكون واجبه الاطّلاع الوافي على كلّ شؤون عصره التي ترتبط بها المسألة التي يجتهد فيها أو يسعى لإصدار فتوى بشأنها.
7- التحصيل المعمّق والأفقي: إنّ العالم المجتهد محتاج لاختصاص ومتابعة وتعمّق في ميدانه وحقل معارفه الدقيقة، ومعها لا بدّ له من أن يُلِمّ بشكل أفقيّ بكلّ نوع من العلوم والمعارف له ارتباط بمجاله واجتهاده، كي لا يكون عنده خلل وقصور يشكّل منطلقاً لثغرات تنتهي به إلى ما لا تحمد عقباه.
8- التواصل المقرون بالتواضع: إنّ المجتهد الذي يسير في طريق الفتيا ومعالجة شؤون مجتمعه وعصره في ضوء الشريعة والتزاماً بثوابتها، عليه واجب التواصل والائتلاف مع أقرانه من العلماء، شرط أن يتحلّى بتواضع يؤسّس لعلاقات مهمّة تساعد على إنضاج الأفكار، من خلال المثاقفة والتلاقح الفكريّ الضروريّ للعالم الرشيد.

*الفتيا المجمعية:*
عند العودة إلى النص القرآني سيجد المتصدّون للإفتاء التوجيه الربّاني إلى اعتماد العقل الجمعي، لا الفرديّ، في التأسيس للفتيا، والنصّ هو ما جاء بلسان بلقيس ملكة سبأ في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي في أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ (سورة النمل، الآية ٣٢).
فبلقيس لم يأتِ على لسانها الخطاب لفرد أو نفر قليل، بل (الملأ) وما ذلك سوى لأنّ العدد الكبير من أهل الدراية ستكون أفكارهم أكثر رشداً، ووجاهة في معالجة المسألة موضوع الاستفتاء. وهذا لا يعني أن يكون ذلك بالتوجّه العشوائي لمن يتحلّقون حول المجتهد والمستفتى، بل الصحيح أن يكون الملأ الذي يخاطبه من أهل العلم في موضوع طلب الرأي والموقف، وقوله تعالى في ذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل، الآية ٤٣).
وفي الوقت نفسه من الواجب أن لا يترك علماء العصر النوازل بلا فتاوى ولا حلول، فعندها يدفعون المستفتي إلى البحث عن الحلّ لدى الآخرين، أو عند غير المؤهلّين، أو عند المجموعات المصنّعة كي تفسد وتشوّش.
والأمر محتاج مع التطوّر وتشابك وتقاطع متعلّقات النوازل، إلى توقّف الأفراد عن التصدّي للفتيا، كي تكون من مهمّة المجامع؛ مجامع الفقه، ومجامع البحوث الإسلاميّة، حيث يكون فيها تنوّع في الاختصاصات والخبرات، وفي مثل هذه الحالة تتفرّغ كلّ مجموعة حسب اختصاصها للنازلة المطلوب فتيا لها، وقد يترتّب على ذلك الاستعانة بخبراء من خارج المجامع، لمزيد الدرس وسبر أغوار المسائل، وأن تكون بعدها مناقشات رصينة وهادئة ومسؤولة قبل الوصول إلى التوصية بحكم أو فتيا.
وهذا يكون معه قاعدة تضبط الفتاوى ومسارات العلماء وسيروة مواقفهم واجتهاداتهم، هي: تعمّق في الأصول الشرعيّة ورسوخ فيها والتزام بها، ومع ذلك مواكبة العصر بكلّ تقنيّاته ومستجدّاته.
والقاعدة الثانية المطلوبة للفتاوى: فقه رشيد وفكر متنوّر لا تعصّب معه، وحذر من موروثات ميّتة ووافدات مسمومات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى