عَلِيٌّ… حِينَ يَتَجَلّى النُّبْلُ
الشمال نيوز – عامر الشعار

🇱🇧🦁👑 عَلِيٌّ… حِينَ يَتَجَلّى النُّبْلُ 👑🦁🇱🇧
✍️ الشاعر نبيل ويزاني العاملي
لم يأتِ عليٌّ…
بل جاءَ المعنى.
جاءَ الجنوبُ في خطوته،
وحملتْ طرابلسُ إليه ذراعَها،
ثمّ ضاقَ المكانُ عن اتّساعِ اللحظة.
كان الطريقُ بينهما
خيطًا من مسافة ،
وعقدةً من شوق ،
وممحاةً صغيرةً
على دفترِ الغياب .
وحين أطلَّ عليٌّ…
سقطَ الغياب .
لا أدري أيُّ هندسةٍ تلك
التي تجعلُ ابنًا واحدًا
يعيدُ ترتيبَ الجهات !
دخلَ المشهدَ…
فأصبحَ الشارعُ قصيدة،
والرصيفُ هامشًا،
والشمسُ توقيعًا ذهبيًّا
أسفلَ لوحةٍ لم يرسمْها رسّام،
بل رسمَها الحنين .
وكان *عليٌّ
في قلبِ اللوحة…
لا بوصفهِ إبنآ فحسب،
بل بوصفهِ اتجاهًا.
عليّ…
يا اسمآ لا يمرُّ على اللسان
إلّا ويتركُ وراءَه
شيئًا من الهيبة.
في اسمكَ شيءٌ من العلوّ،
وفي علوّكَ شيءٌ من عليّ.
عليٌّ…
عالٍ بالاسم،
عالٍ بالعزم،
عالٍ عن صغائرِ الطريق.
وهنا تبدأُ اللعبة:
فالاسمُ لا يُسمّى فقط،
بل يُسمّي صاحبَه.
وأنتَ…
كلّما ناديتُكَ
شعرتُ أنّني لا أنادي ابني،
بل أنادي جهةً من جهاتِ الثبات.
أسدٌ؟
نعم…
لكن ليس الأسدَ الذي يُكثرُ من الزئير؛
فالزئيرُ أحيانًا
يكونُ تعويضًا عن غيابِ المخالب.
أنتَ من أولئك الذين
يصمتونَ فتتكلّمُ هيبتُهم.
تعرفُ ماذا تريد…
وتلك ليست معرفةً عابرة؛
إنها موهبةُ الذين
لا يتركونَ أعمارَهم
معلّقةً على مشجبِ الاحتمالات.
أنتَ لا تمشي خلفَ الطريق…
الطريقُ يمشي خلفَ قرارك.
ثم جاءتْ الدكتورة عُلا…
فدخلَ البياضُ إلى الصورة
دون أن يستأذنَ اللون.
لم تكنْ امرأةً في طرفِ المشهد،
بل كانتْ ميزانَه.
في حضورها
يهدأُ المعنى،
وتستقيمُ الفوضى،
وتعرفُ الصورةُ لماذا اكتملت.
عُلا…
اسمٌ من العلوِّ أيضًا،
كأنّ عليًّا وعُلا
اتّفقا سرًّا
أن يجعلا للحياةِ سقفًا مرتفعًا.
ثم جاءَ نبيل…
ثم جاءَ حسن…
وهنا
لم يعدِ الأمرُ زيارةً.
هنا بدأَ الزمنُ يلعبُ لعبتَه الجميلة.
طفلانِ أمامي…
لكنني رأيتُ فيهما
رجلينِ لم يأتيا بعد.
رأيتُ المستقبلَ
وقد استعجلَ الحضور.
رأيتُ غدًا
وقد نزلَ من الغيب
ومشى حافيًا بيننا.
رأيتُ روحي بالعينِ المُجَردة
نبيل… نعم نبيل
لا يحتاج لآلِ التعريف
اسمُه رايةٌ،
وصباهُ أوّلُ ريحٍ
تختبرُ قدرتَها على حملِها.
وحسن…
يا حسنُ!
أيُّها الاسمُ الذي لم يكتفِ بأن يكونَ صفةً،
فصارَ صاحبًا.
صار الحُسنُ حسنًا.
وهذه من ألعابِ اللغة
التي يحبُّها القلب:
أن تتحوّلَ الكلمةُ من معنى
إلى إنسان،
ومن لفظةٍ
إلى ضحكة،
ومن اسمٍ
إلى مستقبل.
وقفتُ بينهم…
فشعرتُ أنني لستُ أبًا
يقفُ أمام أبنائه وأحفاده؛
بل شجرةٌ
رأتْ أغصانَها تمشي نحوها.
أنا الجذر…
وعليٌّ ساقٌ
لم تعدْ تحتاجُ إلى يدي كي تقف.
وعُلا ظلٌّ
يعرفُ كيف يحفظُ اخضرارَ الغصن.
ونبيل وحسن…
ثمَرتان صغيرتان
لم يكتملْ بعدُ موسمُهما.
وهكذا…
اكتشفتُ أنّ الأبوةَ لا تكبر؛
بل تتكاثر.
كلّما ظننتُ أنّ قلبي
بلغَ آخرَه،
فتحَ اللهُ فيه بابًا جديدًا.
وكلّما قلتُ:
هذا آخرُ الفرح…
جاءني الفرحُ
وفي يده فرحٌ آخر.
يا علي…
أتعرفُ ماذا فعلتَ بي؟
جئتَني من بَرجا
فأعدتَ لي طرابلس.
وجئتَني بعُلا
فأعدتَ لي معنى الرفقةِ والرفعة.
وجئتَني *بنبيل وحسن*
فأعدتَ لي طفولتي التي ظننتُ أنّها ماتت.
أيُّ سحرٍ هذا؟
أيُّ عبثٍ جميل
أن يكونَ الإنسانُ جدًّا
ثم يعودَ طفلًا
حين يضحكُ حفيد!
في تلك اللحظة
لم تعدِ الصورةُ صورة.
صارت نافذةً على العمر.
أنا في الخلف…
وعليٌّ في الامتداد…
وعُلا في التوازن…
ونبيل وحسن
في الجهة التي لم يصلْ إليها الزمن.
أربعةُ أجساد…
لكنّها في عيني
قصيدة واحدة.
أربعةُ أسماء…
لكنّها في قلبي
اسمٌ واحد: العائلة.
أربعُ خطوات…
لكنّها تختصرُ
مسيرةَ عمرٍ كامل.
يا علي…
يا ابني الذي لا أريدُ أن أشبّهَه بالأسد،
لأنّ بعضَ الرجال
أكبرُ من التشبيه…
أنتَ لا تحتاجُ إلى استعارةِ الأسد؛
الأسدُ هو الذي يستعيرُ منك بعضَ المعنى.
فيك شيءٌ من الجبل
حين يرفضُ أن يتحرّك.
وفيك شيءٌ من النهر
حين يعرفُ أنّ الوصولَ
ليس بالصخب،
بل بالاستمرار.
وفيك شيءٌ من السيف
لكن بلا لمعانٍ زائف؛
فالحديدُ الحقيقيُّ
لا يحتاجُ إلى مرآة.
أنتَ تعرفُ ماذا تريد.
فامضِ.
لا تجعلْ العالمَ يشرحُ لكَ نفسك.
ولا تجعلْ الضجيجَ
يعلّمُك كيف تصمت.
ولا تجعلْ كثرةَ الطرق
تُنسيكَ طريقَك.
كن عليًّا…
كما يليقُ بعليّ.
وأنا؟
أنا أبوك.
وهذه وحدها
قصيدةٌ لا تحتاجُ إلى وزن.
إذا قلتُ:
عليٌّ وصل…
لا يصلُ ابنٌ إلى أبيه؛
بل يصلُ جزءٌ من القلب
إلى الجزء الذي تركه فيه.
وإذا رأيتُ عُلا ونبيلًا وحسنًا
إلى جوارك…
أشعرُ أنّ العمرَ
لم يكن يأخذُ منّي شيئًا؛
كان يجمعُه…
كان يؤجّلُه…
كان يخزّنُ أفراحَه
ليعيدَها إليّ
دفعةً واحدة.
فيا ابني…
خذْ منّي هذه الكلمة،
واتركْ لي بقيّةَ الكلام:
النُّبلُ لا يُورَثُ كاملًا،
بل يُستأنَف.
وأنتَ استأنفتَه.
والبيتُ لا يُبنى بالحجارة وحدَها،
بل بالذين
إذا اجتمعوا
صارَ الجدارُ قلبًا.
والعائلةُ ليست أسماءً متجاورة؛
العائلةُ زمنٌ واحد
يتنكّرُ في هيئةِ أشخاص.
وأنا…
حين نظرتُ إليكم اليوم،
رأيتُ زمني كلَّه
واقفًا أمامي .
رأيتُ الشاعر داخلي
بعين إحساسي
رأيتُ الأمسَ في عليّ،
والحاضرَ في عُلا،
والغدَ في نبيل وحسن،
ورأيتُني أنا…
واقفًا في منتصفِ المعجزة،
أحاولُ أن أصدّقَ
أن كلَّ هذا الفرح
اسمه: أولادي.
فمرحبًا بعليّ…
لا، بل:
مرحبًا بالنُّبلِ حين يتجلّى رجلًا.
ومرحبًا بعُلا…
ومرحبًا بنبيل وحسن…
ومرحبًا بي أنا
في تلك اللحظة
التي لم أكنْ فيها أبًا فقط،
بل كنتُ…
جذرًا رأى شجرته تمشي إليه،
ثم جلسَ يتأمّلُ ثمرَه
ويبتسم. ❤️🦁👑
بابا❤️نبيل علي ويزاني
طرابلس في ٥/٩/٢٠٢٦