بين دولة القانون ودولة النفوذ: أين يُقتل الاقتصاد
الشمال نيوز – عامر الشعار
*بين دولة القانون ودولة النفوذ: أين يُقتل الاقتصاد؟*
د . مصطفى قراعلي

جريدة اللواء 5 شباط 2026
https://aliwaa.com.lb/share/555754

هذا السؤال لم يعد نظريًا في لبنان.
صار سؤال كل من حاول أن يبني.
كل من حاول أن يعود من الاغتراب ليضع خبرته ورأسماله في أرضه بدل أن يتركهما في الخارج.
في الدول الطبيعية، تُستخدم السياسة لحماية الاقتصاد.
أما في لبنان، فتُستخدم السياسة لكسر أي اقتصاد لا يخضع لها.
نحن لا نعيش أزمة استثمار فقط.
نحن نعيش أزمة دولة.
دولة لم تحسم بعد إن كانت دولة قانون ومؤسسات،
أم ساحة نفوذ تتقاسمها شبكات تعيش على التعطيل والابتزاز.
*عندما يصبح المشروع خطرًا لأنه لا يمرّ عبر أحد*
في لبنان، لا يُحاصَر المشروع لأنه مخالف للقانون.
يُحاصَر لأنه لا ينتمي إلى شبكة.
ولا يُعاقَب المستثمر لأنه فشل.
يُعاقَب لأنه حاول أن ينجح من دون وصاية سياسية.
هكذا تُقتل المبادرات:
لا بقرار واضح،
بل بالضغط،
وبالتشويش،
وبتحويل الإدارة إلى أداة سياسية.
المشكلة ليست في الرخص.
ولا في الإجراءات.
بل في المعادلة نفسها:
إمّا أن تكون جزءًا من المنظومة،
أو تصبح عبئًا عليها.
*ما يجري في سوريا يطرح سؤال الدولة من جديد*
في سوريا اليوم، بكل تعقيد المشهد وصعوبته، يُعاد طرح سؤال الدولة بشكل قاسٍ:
هل تكون الدولة سلطة قانون ومؤسسات؟
أم تبقى ساحة نفوذ لفلول نظام عاش طويلًا خارج المحاسبة؟
الصراع هناك ليس فقط على الحكم،
بل على معنى الدولة نفسها.
فلول الأنظمة لا تختفي بسقوط رأسها.
تتحوّل إلى شبكات أمنية واقتصادية.
تعيش على الفوضى.
وتقاوم أي مسار يعيد الاعتبار للقانون.
في المقابل، المشروع المدني الذي يُطرح هناك، رغم هشاشته ومخاطره، يقوم على فكرة واحدة:
لا شرعية إلا للدولة.
ولا سلطة خارج القانون.
ولا اقتصاد خارج النظام العام.
وهذا السؤال لم يعد سوريًا فقط.
صار سؤال بلاد الشام كلّها.
*لبنان يعيش الصراع نفسه… ولكن بصيغة طائفية*
ما يجري في سوريا اليوم، نعيشه في لبنان منذ عقود، ولكن بثوب مختلف:
بدل فلول نظام عسكري،
لدينا فلول نظام طائفي.
بدل اقتصاد حرب،
لدينا اقتصاد محاصصة.
وبدل دولة واحدة،
لدينا دويلات نفوذ.
المعادلة واحدة:
كلما حاولت الدولة أن تقوم،
قامت الشبكات لإجهاضها.
وكلما حاول مشروع أن يعيش خارجها،
سُحق قبل أن يكبر.
*من القضية الخاصة إلى المعركة العامة*
ما جرى معنا ليس حادثًا إداريًا،
ولا نزاعًا على رخصة.
نحن نتحدّث عن مشروعين مختلفين في الشكل،
لكنّهما متشابهان في المعنى:
مشروع استثماري في قلب طرابلس، إلى جانب القلعة،
ومشروع إنمائي في الكورة، هو مربط خيل عربي مسجّل عالميًا.
كلاهما حاول أن يعمل خارج شبكات النفوذ.
وكلاهما اصطدم بالمنطق نفسه:
إمّا أن تمرّ عبرهم،
أو تُكسَر.
وهنا تكمن الخطورة:
إذا كان مشروع في المدينة ومشروع في الريف يمكن أن يُستهدفا للسبب نفسه،
فالمسألة لم تعد قضية موقع أو ترخيص،
بل قضية دولة لم تحسم بعد خيارها بين القانون والوساطة.
*إلى اللبنانيين في الاغتراب: نحن عدنا… والكرة في ملعب الدولة*
نحن لسنا حالة فردية.
نحن نموذج لما يمكن أن يكون عليه لبنان إذا قرر أن يحمي أبناءه العائدين بدل أن يطردهم.
جئنا من بلدان تعلّمنا فيها معنى الدولة،
ومعنى القانون،
ومعنى أن يُحمى المشروع لا أن يُبتز.
عدنا بخبرتنا،
وبمشاريعنا،
وبقناعة واحدة:
أن لبنان لا يُنقَذ بالشعارات،
بل بإعادة ربطه بدورة الإنتاج.
لكن التجربة علّمتنا أمرًا واضحًا:
الاستثمار ليس مسألة مال فقط،
بل مسألة حماية سياسية وقانونية.
إذا كان العائد من الاغتراب يُترك وحده في مواجهة شبكات النفوذ،
فلن يعود أحد بعده.
أما إذا حُمي،
فسيعود كثيرون.
لسنا نطلب امتيازًا.
نطلب دولة.
نطلب أن تكون تجربتنا بداية لمسار،
لا درسًا في الإحباط.
*بين دولتين لا بين مشروعين*
المعركة في لبنان ليست بين مشروع ومشروع،
بل بين دولتين.
دولة تُحكم بالقانون والمؤسسات،
ودولة تُدار بالشبكات والصفقات.
دولة تحمي من يعمل،
ودولة تحمي من يسيطر.
ما يجري في سوريا اليوم يذكّرنا بأن هذه المعركة لم تعد محلية،
بل باتت معركة بلاد الشام كلّها.
وأن السؤال لم يعد: من يحكم؟
بل: بأي منطق يُحكم البلد؟
بالقانون؟
أم بالأمر الواقع؟
*خاتمة*
لا اقتصاد بلا دولة.
ولا دولة بلا كسر منطق الشبكات.
وكل مشروع يُحاصَر لأنه خارج هذا المنطق،
ليس قضية خاصة،
بل إنذار عام.
إنذار بأن البلد الذي لا يحمي من يبني فيه،
سيتحوّل إلى بلد لا أحد يريد أن يبني فيه.
نحن اليوم عند مفترق واضح:
إمّا دولة تُعيد الاعتبار للقانون،
وتفتح الطريق أمام أبنائها العائدين،
وتحمي العمل بدل أن تبتزّه،
وإمّا ساحة تُكسَر فيها كل محاولة للخروج من الطاعة،
ويُكافَأ فيها من يدمّر،
ويُعاقَب فيها من يحاول أن ينتج.
ما يجري في بلاد الشام من حولنا يقول إن زمن الأنظمة التي تعيش على الشبكات يقترب من نهايته،
وإن معركة الدولة لم تعد خيارًا نظريًا،
بل شرطًا للبقاء.
في هذا الزمن،
على لبنان أن يقرّر من أي جهة يقف:
مع دولة تُنقذ أبناءها ومشاريعهم،
أم مع منظومة لا تعيش إلا إذا كُسِر كل أمل خارجها.
السؤال لم يعد: ماذا نريد؟
بل: أي بلد نترك لمن بعدنا؟
لبنان القانون،
أم لبنان النفوذ؟