مقالات مختارة

علي شندب يكتب في عروبة22: اوروبا والعرب وقنبلة المهاجرين واللاجئين

الشمال نيوز  – عامر الشعار

اوروبا والعرب وقنبلة المهاجرين واللاجئين
علي شندب
أمام كل استحقاق مصيري مفصلي، مثلاً، كغزو العراق واحتلاله، وتقويض ليبيا وتدميرها. تواجهنا معضلة حول قدرة المحتلين والمستعمرين على التمكّن من دولنا وجعلها أثراً بعد عين. وتتفاقم المعضلة في ظل انغماسنا في مسح الأضرار وتعدادها قتلاً وتهجيراً وتدميراً ونهباً للثروات، والأهم، ذلك العبث الممنهج في التركيبة السكانية للمجتمعات العربية ومكوّناتها، لنكتشف لاحقاً أننا مجموعة شعوب لا شعب واحد، ومجموعة قبائل داخل القبيلة الواحدة.
هذه المشهدية، توصيف غير كاريكاتوري للواقع. ودعونا نتفق بداية، أنّ نكبة فلسطين هي النكبة الصغرى، الممهّدة للنكبة الكبرى غزو العراق واحتلاله. ومن هاتين النكبتين استُولدت نكبات متتالية في ليبيا وسوريا واليمن وقبلهم لبنان واليوم في السودان الذي نقلنا من حرب المجتمع على الدولة، الى حرب الدولة على نفسها.
بات واضحاً أنّ استراتيجيات الهيمنة والنفوذ للاستعمار، قد تغيّرت أساليبها وتبدلت أشكالها. وأنّ غرف العمليات التي تضع الخطط، وترسم الخرائط والشرائط الحدودية بين الدول، وداخلها كحال “القرنة السوداء” بين الضنية وبشرّي في لبنان، لم تعُد حكراً على جنرالات الجيوش. فالقوّة الخشنة أعيد النظر بتشكيلها وحجم ونوعية وتوقيت تدخلها في ظل تكنولوجيا الروبوتات، والحروب السيبرانية، والصواريخ المُجنّحة والمُسيّرات المفخخة.
إذن، وقائع غزو العراق واحتلاله، كما والعدوان على ليبيا، والصراع على سوريا وفيها، أثبتت أنّ غرف العمليات، دُجّجت بعلماء الاجتماع والإثنيّات والعرقيات والقوميات والديموغرافيا والدينوغرافيا. بالإضافة لعلماء الجغرافيا والطبوغرافيا والجيولوجيا والتصحّر والمياه والطاقات الطبيعية والمنجميّة فضلاً عن علماء القانون وصنّاع الدساتير، ودهاقنة الإعلام والإعلان والتسويق الذين يقومون كقوّة ناعمة بالقصف المركز لاختراع وانتاج عوامل تفتيت هذا البلد أو ذاك، وإعادة رسم خرائطه.
معلوم أن مُصيبة العراق خلّفت ملايين المهجرين والقتلى والمعوّقين والمشرّدين داخل بلادهم. بشكل متشابه مع مُصيبة سوريا التي خضع تدميرها لمعايير مختلفة عن غزو العراق. وكذلك ليبيا واليمن بغضّ النظر عن النسب والأرقام. ومعلوم، أنّ نحو نصف هذه البلاد باتوا بين لاجئين، ونازحين ومهجرين بين مخيمات البؤس والإذلال والتسوّل وقوارب الموت.
وكشاهد عيان، ثمّة مشهد لا يفارقني. فأثناء الثورة على القذّافي، وقبيل تدخل الناتو بثلاثة أسابيع، كانت مؤسّسات الإغاثة العربية والأجنبية التي تحرّكها أجندات معلومة تستعد لتداعيات الحرب. وقبل بضعة كيلومترات من الحدود التونسية الليبية شاهدت الآف الخيم المعدّة لاستقبال لاجئي حرب الناتو. بعد اسبوعين على تهاطل الصواريخ الناتوية وانطلاق حركة النزوح الليبي باتجاه تونس ومصر والجزائر وتشاد والنيجر، دفعتني الظروف لمغادرة طرابلس الى تونس وسط أرتال الهاربين من جحيم الحرب. وللمفارقة وجدت الخيم المنصوبة تسكنها الرياح. ونتيجة إقامتي لبضعة أيام بين مدينتي بنقردان وجربة، علمت أنّ القائمين على المخيمات حثّوا مع بعض سكان الحدود الليبية للإقامة في المخيّم لأيام مقابل المال، وحصول الأمر على نحو ضئيل، اضطرهم لتعبئة واجهة المخيم ببعض الهاربين من المهاجرين الأفارقة.
سرد هذه المشهدية ضروري للوقوف على المرامي الخفيّة لهذه الحرب المدجّجة بأنياب ومخالب خارجية ليس هدفها مجرّد إسقاط نظام القذّافي، فهذا جزء ثمين من بنك الأهداف الذي وُضعت له خططاً ما بعد عشرية، معالمها تتظهّر. فالأمر ينسحب على تونس، التي تحوّلت يومها الى “قنطرة” لنقل السلاح والمؤمن لمجاهدي الناتو باعتراف الباجي قائد السبسي. وكانت إدانة الرئيس التونسي قيس سعيد لدور أسلافه في الحرب الناتوية على ليبيا، محل استحسان في الشارعين التونسي والليبي تعزّز برفضه الخضوع لشروط واملاءات صندوق النقد الدولي كما وصفها، لأنّها تمسّ بسيادة تونس.
استحسان، تحول استهجان جرّاء تفاهم قيس سعيد مع رئيسة الوزراء الايطالية جيورجيا ميلوني والتوقيع معها بحضور نظيرها الهولندي ورئيسة الإتحاد الاوروبي على “مذكرة الشراكة الشاملة” بهدف “مواجهة أزمة الهجرة عبر المتوسط” مقابل قرض بمليار يورو لمحاولة إنعاش الاقتصاد التونسي من الإفلاس الذي يهدّده. أي أنّ تونس بمثابة شرطي يكافح الهجرة نيابة عن اوروبا، وسرعان ما أكدت التزامها بإبعاد مئات المهاجرين قسراً الى داخل الحدود الليبية ليواجهوا مصير الموت عطشاً ما أثار السخط والخجل، بعد تطاير صور المهاجرين التي تمسّ آدمية الانسان وكرامته في عراء الصحراء ولهيبها. لكنّ مقاربة قيس سعيد في مؤتمر روما جحّظت الخلل بأنّ “الهجرة الحالية هي رد طبيعي على الهجرة الاستعمارية الاوروبية السابقة لبلاد المهاجرين حالياً”.
سبق الإتفاق الإيطالي التونسي، مشروع طُرح منذ أعوام، وتجدّد في إبريل الماضي، وأطلقته منظمة “آرا باتشي” الإيطالية ويتعلق بإنشاء “مركز الصحراء للسلام في ليبيا” الذي يستهدف تعزيز قطاع الزراعة وعمالتها، ودعم اندماج السكان المحليين ومجتمعات المهاجرين في المنطقة.
ويرجّح أنّ الاحتجاجات الغاضبة التي شهدتها فرنسا بسبب قتل شرطي للشاب نائل الجزائري، واحتمالات تكرارها فرنسياً وامتدادها اوروبياً، ساهمت في تحفيز الاندفاعة الإيطالية باتجاه تونس وليبيا، عبر العمل على إنشاء مدن متكاملة مزوّدة بمشروعات تنموية وزراعية ليستوطنها المهاجرين الأفارقة، بحسب اتهام حكومة البرلمان شرقي ليبيا، لحكومة عبدالحميد ادبيبة غربي ليبيا.
لكنّ المسألة التي ظاهرها منع تدفق المهاجرين لاوروبا، أعمق من ذلك، سيّما وأنّها ترتكز على استنفار عصبيات إثنية وعرقية مثل التبو والأمازيغ الذين يتوزعون ضفاف الحدود المتداخلة مع جوار ليبيا. واذا ما استثينا الجزائر بسبب مناعتها الأمنية والعسكرية. فالهشاشة الأمنية لبقية الدول تجعل من هذا المشروع رغم صعوبته قابلاً للتنفيذ لأنه سوبر وجودي وحيوي للأوروبيين الذين درسوا سوسيولوجية وبسيكولوجية هذه المكوّنات وتشابهها مع المهاجرين الأفارقة. ولهذا احتضن الاوروبيون هذه المكوّنات، وضخّموا اضطهاد الأكثرية العربية لها.
إذن، تفكيك شفرة المجتمع الليبي والعبث بها، قبائلياً وإثنياً وعرقياً، وإذكاء التناقضات بينها وداخل كل منها، من أهداف العدوان المركزية. فشبح تقسيم ليبيا، بات يخيّم فوقها وبألسنة متنفذيها الراغبين بإعادتها لزمن الأقاليم الثلاثة. ليتبيّن أنّ ما كان يستبطنه الغرب أبعد من ذلك بكثير، فكما بات الحديث عن تقسيم السودان لخمسة دول متاحاً في الفضاء العام، باتت ملامح تقسيم ليبيا لخمسة أقاليم ترتسم فوق الكثبان الرملية. ومشهدية مؤتمر روما الذي تمثّلت فيه ليبيا بكلمتين لرئيسي المجلس الرئاسي والحكومة، يعكس إلتزامات ضمنية مع الأوروبيين.
لم يعد الكلام عن دولة للتبو، تمتد على الشريط الليبي السوداني التشادي، المتداخل قبلياً خافتاً. فالكونغرس التباوي سوف لن يرفض أن يكون له إقليم أو دولة تستوعب ضمناً أقرانهم من المهاجرين الأفارقة. والأمر نفسه ينسحب على الأمازيغ الذي لطالما روّجوا لمشروعهم المدعوم غربياً لإقامة الدولة الأمازيغية على الشريط الأمازيغي الليبي التونسي الجزائري كمرحلة أولى. ومنذ إسقاط نظام القذّافي لم ينفك أمازيغيو ليبيا عن المطالبة بدسترة حقوقهم الثقافية خاصة، أسوة بأكراد العراق. وإسقاط الحالة العراقية على ليبيا جد منطقي، بالنظر الى أنّ تفكّك الدولة وتحلّلها في البلدين شرّع مقصّات التقسيم ومنها قانون الكونغرس الذي يقسّم العراق الى ثلاثة أقاليم، تماماً كما إن “استراتيجية امريكا العشرية” ترتكز على رفع “التهميش” عن الجنوب الليبي، لتتحوّل ليبيا لخمسة أقاليم، وليس ثلاثة.
مكافحة ظاهرة الهجرة غير النظامية المتداخلة مع ملفي النازحين واللاجئين، كانت عنوان المؤتمر الدولي العربي المتوسطي الذي شهدته روما، وقد عكست كلمة المضيفة الايطالية ومفوضة الاتحاد الاوروبي بروز ملامح مقاربة اوروبية جديدة قائمة على ثنائية التنمية والأمن معاً.
بدون شك تحتاج اوروبا لمقاربة جديدة وموثوقة، كي تحقّق الجهود المشتركة النتائج المرجوّة في محاصرة تداعيات “القنبلة البشرية” وتحدياتها، بل وتهديداتها، للدواخل الاوروبية خصوصاً بعد موجة التحريض والعنصرية والكراهية والمسّ بالمقدسات الدينية المنبعثة كروائح كريهة من السويد ومن ثم الدنمارك، وربما تجتاح اوروبا التي عليها الإعتذار عن حقبتها الاستعمارية وتعويض الشعوب والبلاد المستعمرة كما أوضح قيس سعيد. سيّما اذا ما أدركنا أنّ الوجدان الجمعي العميق للمهاجرين الأفارقة خاصة، يستبطن الثأر من متسبّبي فقرهم وناهبي مناجمهم، ولهذا يركبون قوارب الموت ويهاجرون وراء ثرواتهم المسروقة.. انها معادلة “فوبيا أوروبا” أو “الأوروفوبيا” المتجاوزة بأبعاد كثيرة للإسلاموفوبيا.
لكن ماذا عن فاغنر وبوصلتها الافريقية؟
اوروبا والعرب وقنبلة المهاجرين واللاجئين
علي شندب
أمام كل استحقاق مصيري مفصلي، مثلاً، كغزو العراق واحتلاله، وتقويض ليبيا وتدميرها. تواجهنا معضلة حول قدرة المحتلين والمستعمرين على التمكّن من دولنا وجعلها أثراً بعد عين. وتتفاقم المعضلة في ظل انغماسنا في مسح الأضرار وتعدادها قتلاً وتهجيراً وتدميراً ونهباً للثروات، والأهم، ذلك العبث الممنهج في التركيبة السكانية للمجتمعات العربية ومكوّناتها، لنكتشف لاحقاً أننا مجموعة شعوب لا شعب واحد، ومجموعة قبائل داخل القبيلة الواحدة.
هذه المشهدية، توصيف غير كاريكاتوري للواقع. ودعونا نتفق بداية، أنّ نكبة فلسطين هي النكبة الصغرى، الممهّدة للنكبة الكبرى غزو العراق واحتلاله. ومن هاتين النكبتين استُولدت نكبات متتالية في ليبيا وسوريا واليمن وقبلهم لبنان واليوم في السودان الذي نقلنا من حرب المجتمع على الدولة، الى حرب الدولة على نفسها.
بات واضحاً أنّ استراتيجيات الهيمنة والنفوذ للاستعمار، قد تغيّرت أساليبها وتبدلت أشكالها. وأنّ غرف العمليات التي تضع الخطط، وترسم الخرائط والشرائط الحدودية بين الدول، وداخلها كحال “القرنة السوداء” بين الضنية وبشرّي في لبنان، لم تعُد حكراً على جنرالات الجيوش. فالقوّة الخشنة أعيد النظر بتشكيلها وحجم ونوعية وتوقيت تدخلها في ظل تكنولوجيا الروبوتات، والحروب السيبرانية، والصواريخ المُجنّحة والمُسيّرات المفخخة.
إذن، وقائع غزو العراق واحتلاله، كما والعدوان على ليبيا، والصراع على سوريا وفيها، أثبتت أنّ غرف العمليات، دُجّجت بعلماء الاجتماع والإثنيّات والعرقيات والقوميات والديموغرافيا والدينوغرافيا. بالإضافة لعلماء الجغرافيا والطبوغرافيا والجيولوجيا والتصحّر والمياه والطاقات الطبيعية والمنجميّة فضلاً عن علماء القانون وصنّاع الدساتير، ودهاقنة الإعلام والإعلان والتسويق الذين يقومون كقوّة ناعمة بالقصف المركز لاختراع وانتاج عوامل تفتيت هذا البلد أو ذاك، وإعادة رسم خرائطه.
معلوم أن مُصيبة العراق خلّفت ملايين المهجرين والقتلى والمعوّقين والمشرّدين داخل بلادهم. بشكل متشابه مع مُصيبة سوريا التي خضع تدميرها لمعايير مختلفة عن غزو العراق. وكذلك ليبيا واليمن بغضّ النظر عن النسب والأرقام. ومعلوم، أنّ نحو نصف هذه البلاد باتوا بين لاجئين، ونازحين ومهجرين بين مخيمات البؤس والإذلال والتسوّل وقوارب الموت.
وكشاهد عيان، ثمّة مشهد لا يفارقني. فأثناء الثورة على القذّافي، وقبيل تدخل الناتو بثلاثة أسابيع، كانت مؤسّسات الإغاثة العربية والأجنبية التي تحرّكها أجندات معلومة تستعد لتداعيات الحرب. وقبل بضعة كيلومترات من الحدود التونسية الليبية شاهدت الآف الخيم المعدّة لاستقبال لاجئي حرب الناتو. بعد اسبوعين على تهاطل الصواريخ الناتوية وانطلاق حركة النزوح الليبي باتجاه تونس ومصر والجزائر وتشاد والنيجر، دفعتني الظروف لمغادرة طرابلس الى تونس وسط أرتال الهاربين من جحيم الحرب. وللمفارقة وجدت الخيم المنصوبة تسكنها الرياح. ونتيجة إقامتي لبضعة أيام بين مدينتي بنقردان وجربة، علمت أنّ القائمين على المخيمات حثّوا مع بعض سكان الحدود الليبية للإقامة في المخيّم لأيام مقابل المال، وحصول الأمر على نحو ضئيل، اضطرهم لتعبئة واجهة المخيم ببعض الهاربين من المهاجرين الأفارقة.
سرد هذه المشهدية ضروري للوقوف على المرامي الخفيّة لهذه الحرب المدجّجة بأنياب ومخالب خارجية ليس هدفها مجرّد إسقاط نظام القذّافي، فهذا جزء ثمين من بنك الأهداف الذي وُضعت له خططاً ما بعد عشرية، معالمها تتظهّر. فالأمر ينسحب على تونس، التي تحوّلت يومها الى “قنطرة” لنقل السلاح والمؤمن لمجاهدي الناتو باعتراف الباجي قائد السبسي. وكانت إدانة الرئيس التونسي قيس سعيد لدور أسلافه في الحرب الناتوية على ليبيا، محل استحسان في الشارعين التونسي والليبي تعزّز برفضه الخضوع لشروط واملاءات صندوق النقد الدولي كما وصفها، لأنّها تمسّ بسيادة تونس.
استحسان، تحول استهجان جرّاء تفاهم قيس سعيد مع رئيسة الوزراء الايطالية جيورجيا ميلوني والتوقيع معها بحضور نظيرها الهولندي ورئيسة الإتحاد الاوروبي على “مذكرة الشراكة الشاملة” بهدف “مواجهة أزمة الهجرة عبر المتوسط” مقابل قرض بمليار يورو لمحاولة إنعاش الاقتصاد التونسي من الإفلاس الذي يهدّده. أي أنّ تونس بمثابة شرطي يكافح الهجرة نيابة عن اوروبا، وسرعان ما أكدت التزامها بإبعاد مئات المهاجرين قسراً الى داخل الحدود الليبية ليواجهوا مصير الموت عطشاً ما أثار السخط والخجل، بعد تطاير صور المهاجرين التي تمسّ آدمية الانسان وكرامته في عراء الصحراء ولهيبها. لكنّ مقاربة قيس سعيد في مؤتمر روما جحّظت الخلل بأنّ “الهجرة الحالية هي رد طبيعي على الهجرة الاستعمارية الاوروبية السابقة لبلاد المهاجرين حالياً”.
سبق الإتفاق الإيطالي التونسي، مشروع طُرح منذ أعوام، وتجدّد في إبريل الماضي، وأطلقته منظمة “آرا باتشي” الإيطالية ويتعلق بإنشاء “مركز الصحراء للسلام في ليبيا” الذي يستهدف تعزيز قطاع الزراعة وعمالتها، ودعم اندماج السكان المحليين ومجتمعات المهاجرين في المنطقة.
ويرجّح أنّ الاحتجاجات الغاضبة التي شهدتها فرنسا بسبب قتل شرطي للشاب نائل الجزائري، واحتمالات تكرارها فرنسياً وامتدادها اوروبياً، ساهمت في تحفيز الاندفاعة الإيطالية باتجاه تونس وليبيا، عبر العمل على إنشاء مدن متكاملة مزوّدة بمشروعات تنموية وزراعية ليستوطنها المهاجرين الأفارقة، بحسب اتهام حكومة البرلمان شرقي ليبيا، لحكومة عبدالحميد ادبيبة غربي ليبيا.
لكنّ المسألة التي ظاهرها منع تدفق المهاجرين لاوروبا، أعمق من ذلك، سيّما وأنّها ترتكز على استنفار عصبيات إثنية وعرقية مثل التبو والأمازيغ الذين يتوزعون ضفاف الحدود المتداخلة مع جوار ليبيا. واذا ما استثينا الجزائر بسبب مناعتها الأمنية والعسكرية. فالهشاشة الأمنية لبقية الدول تجعل من هذا المشروع رغم صعوبته قابلاً للتنفيذ لأنه سوبر وجودي وحيوي للأوروبيين الذين درسوا سوسيولوجية وبسيكولوجية هذه المكوّنات وتشابهها مع المهاجرين الأفارقة. ولهذا احتضن الاوروبيون هذه المكوّنات، وضخّموا اضطهاد الأكثرية العربية لها.
إذن، تفكيك شفرة المجتمع الليبي والعبث بها، قبائلياً وإثنياً وعرقياً، وإذكاء التناقضات بينها وداخل كل منها، من أهداف العدوان المركزية. فشبح تقسيم ليبيا، بات يخيّم فوقها وبألسنة متنفذيها الراغبين بإعادتها لزمن الأقاليم الثلاثة. ليتبيّن أنّ ما كان يستبطنه الغرب أبعد من ذلك بكثير، فكما بات الحديث عن تقسيم السودان لخمسة دول متاحاً في الفضاء العام، باتت ملامح تقسيم ليبيا لخمسة أقاليم ترتسم فوق الكثبان الرملية. ومشهدية مؤتمر روما الذي تمثّلت فيه ليبيا بكلمتين لرئيسي المجلس الرئاسي والحكومة، يعكس إلتزامات ضمنية مع الأوروبيين.
لم يعد الكلام عن دولة للتبو، تمتد على الشريط الليبي السوداني التشادي، المتداخل قبلياً خافتاً. فالكونغرس التباوي سوف لن يرفض أن يكون له إقليم أو دولة تستوعب ضمناً أقرانهم من المهاجرين الأفارقة. والأمر نفسه ينسحب على الأمازيغ الذي لطالما روّجوا لمشروعهم المدعوم غربياً لإقامة الدولة الأمازيغية على الشريط الأمازيغي الليبي التونسي الجزائري كمرحلة أولى. ومنذ إسقاط نظام القذّافي لم ينفك أمازيغيو ليبيا عن المطالبة بدسترة حقوقهم الثقافية خاصة، أسوة بأكراد العراق. وإسقاط الحالة العراقية على ليبيا جد منطقي، بالنظر الى أنّ تفكّك الدولة وتحلّلها في البلدين شرّع مقصّات التقسيم ومنها قانون الكونغرس الذي يقسّم العراق الى ثلاثة أقاليم، تماماً كما إن “استراتيجية امريكا العشرية” ترتكز على رفع “التهميش” عن الجنوب الليبي، لتتحوّل ليبيا لخمسة أقاليم، وليس ثلاثة.
مكافحة ظاهرة الهجرة غير النظامية المتداخلة مع ملفي النازحين واللاجئين، كانت عنوان المؤتمر الدولي العربي المتوسطي الذي شهدته روما، وقد عكست كلمة المضيفة الايطالية ومفوضة الاتحاد الاوروبي بروز ملامح مقاربة اوروبية جديدة قائمة على ثنائية التنمية والأمن معاً.
بدون شك تحتاج اوروبا لمقاربة جديدة وموثوقة، كي تحقّق الجهود المشتركة النتائج المرجوّة في محاصرة تداعيات “القنبلة البشرية” وتحدياتها، بل وتهديداتها، للدواخل الاوروبية خصوصاً بعد موجة التحريض والعنصرية والكراهية والمسّ بالمقدسات الدينية المنبعثة كروائح كريهة من السويد ومن ثم الدنمارك، وربما تجتاح اوروبا التي عليها الإعتذار عن حقبتها الاستعمارية وتعويض الشعوب والبلاد المستعمرة كما أوضح قيس سعيد. سيّما اذا ما أدركنا أنّ الوجدان الجمعي العميق للمهاجرين الأفارقة خاصة، يستبطن الثأر من متسبّبي فقرهم وناهبي مناجمهم، ولهذا يركبون قوارب الموت ويهاجرون وراء ثرواتهم المسروقة.. انها معادلة “فوبيا أوروبا” أو “الأوروفوبيا” المتجاوزة بأبعاد كثيرة للإسلاموفوبيا.
لكن ماذا عن فاغنر وبوصلتها الافريقية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى