ثقافة وفنون

بيثو

الشمال نيوز – عامر الشعار

بيثو

أين الحائط. أين المعول والرفش. أين السواعد التي تهد الجبال، وتفت الصخر. أين العزائم. الإرادات. تعالي أيتها الجلول المرتبة مثل موائدنا. تعالي أيتها الأشجار الواقفة وقفة رجال. أنتم الأطفال والشباب والفتيان والشيوخ، ضعوا يدكم مع بيثو، وإحملوا بالمعاول والفؤوس والرفوش، على كل الجدران: الزعامات الجدارية. والطوائف الجدارية. والقيادات الجدارية. والرسالات الجدارية. والمواقف الجدارية. هاتوا المطارق والفؤوس والمعاول والرفوش. قفوا وراء “بيثو”، وإندفعوا خلفها ومعها. ولا تحيدوا عن مشروعها، قيد نملة. أو قيد حجرها.أو قيد قشتها. هدوا الحوائط كلها، أزيلوها من أساسها. وإبنوا الجسور: قالت نملة لنملة. لا بد بعد إزالة الجدران الفاصلة. الجدران العازلة. من بناء التواصل. من بناء جسورها، مهما علت الجدران. مهما تعالت الأسوار. مهما كانت صلدة عنيدة.

هذة الأوامر، من بيثو، أوامر ملكية. عميقة عريقة. غريقة بحيرة الماضي. أخرجوها من أثينا، وأحملوها بحرا إلى لبنان. قولوا لها: إنه يحتاج إليها. فقد بلغ الحافة، بعد كل الخطابات التي سمعها. لقد بلغ الحد الفاصل بين الماء والماء. ولا سبيل، إلا بالعودة إلى نظرية النملة، التي تربط الضفة بالضفة، وتتسلق القشة. لا بديل عن حكمة بيثو: إن جميع الحلول المستعصية، تحتاج إلى الحقيقة. تحتاج إلى الإقناع. تمر بباب بيثوة، حكيمة أثينا. حكيمة الإقناع.

عجائز تتقاتل من الفجر حتى النجر. تنتظر بيثو. شباب يتقاتل بإنتظار بيثو. طوائف تتقاتل. تأخرت عليها بيثو. قيادات تتقاتل. بعثوا إلى بيثو، أن توافيهم على عجل. أحزاب تتقاتل. أوفدوا إلى بيثو: كاد بعضنا أن يفني بعضنا بعضا. تأخرت بيثو عليهم. حجر عليها كل الأعوام الماضية. هي اليوم في الطريق. تحتاج إلى فحص PCR، قبل الصعود أو الهبوط. تحتاج إلى أذن من المطار.

وإجتماعات الليل يمحوها النهار. كثافة العتمة ليست كافية. لا تزال تشي بالظلال. المناورات ساخنة جدا. فاقت حرارتها المائة. تشوي الأصابع. لا بد إذا، من بيثو وشيا. النار أقوى. والحرائق المشتعلة، تكاد تفني جذوع الغابة الخضراء. والصراصير أيضا. لا بد إذا من الحلول للمشاكل المستعصية.

“شيا” إمرأة من ماء. آمرة النار، بأن تهدأ خواطرها. وأنها في الزيارة القادمة ، سوف تصطحب معها بيثو، لأن الأطراف عنادهم دهري. لأن عنادهم صخري. لا بد إذن، من بيثو حكيمة الإقناع. تأتي ب”الودع”، وبكل الودائع، تفرش صررها على الأرض. ثم يكون البخور وقشر البيض. وتكون كؤوس الزعفران، حتى يفرح مرضى وديان الجحيم. مرضى الموت. مرضى الهلاك. يلهون قليلا عن الملفات. نغسل أيديهم عنها. فقد لوثت كثيرا كثيرا كثيرا، حتى كاد أن يضيع لبنان.

شيا، ربة الطوافات. ربة الماء. بيثو ربة الإقناع. والبلاد تنتظر. لا تزال تنتظر أن ينفك عنها الغول. لا تزال تنتظر سحر الماء والإقناع، حتى تنطفئ لظى النفوس العطاش إلى الدماء. أين المندل إذا، يضربه هذا العجوز. متى يطل من الشاشة. لماذا تأخر. لماذا يؤجل الإطلالة. تعال معي وإسكن الشاشة أيها الرجل العجوز: هدئ الخواطر. قل للأطفال: لا خبز هذا العام. قل للرجال: لا تشغلوا بالكم كثيرا. إنطق بالمعادلة التي وضعتها. ضاقت المعادلات بالناس في لبنان، فما عادوا يعرفون، صحيح الزيف، من زيف الصحيح. عجائز الشاشات. يطلون على الأطفال واحدا غب واحد.والنيران في البيوت. والأطفال تأكل عيونهم الخبز. ينامون على جوع الرغيف. والغربان، نعيب الليل في الغابات. إشتباك الفروع والغصون، طال عليه الزمن. تهرب الصراصير إلى الجذوع. تعشش فيها من جديد، حتى تمضي الحروب والنيران، والثيران.

المكان آمن إذا. سكون يرين. أين الساحرات. لم تعد الأرض تنتظر. لم يعد المكان يألف النار. أين الماء. أين الحشائش. أين أيلول الطيور. أين السمك المسحور يطير من برك المدن. من بحور الشوق. كلماخطت المدينة، أخطأت القبيلة. كلما أخطأت المدينة، خطت القبيلة.

تأخرت يا بيثو على الناس. أفنوا بعضهم بعضا. رمت حكمتها بينهم، ثم إختفت. قالت ربة الحكمة. ربة الإقناع: لا سبيل إلا بالأقناع. لا سبيل إلا بالإقتناع. قالت بيثو، آلهة الإقناع. صرخت عليهم من هياكل الحكمة. من أثينا. وغادرت بصحبة شيا، بلاد الحروب. بلاد النار والبارود. بلاد المعسكرات. بلاد الجدران. بلاد الحرب والجوع. بلاد لبنان.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى