ثقافة وفنون

ورق المساعدات

الشمال نيوز – عامر الشعار

ورق المساعدات

الوجه الآخر لماء الوجه: طلب المساعدة، الرائج اليوم في لبنان. هو بوجه من الوجوه: التوسل، التسول. الحشرجة و البكاء، ومد اليد. بسط المنشفة. بسط المحرمة أمام الأبواب. القرفصة في زاوية، وفي العنق خرقة، منشفة. أو الوقوف قرب عمود الهاتف أو الكهرباء طلبا للإستعطاء.

ظاهرة أبناء السبيل، ومعها ظاهرة الأيتام. ومعها أيضا ظاهرة العجائز والأرامل والأيامى والثكالى، وكذلك ظاهرة الشيوخ، وظاهرة العجزة، وظاهرة السيدات المستورات، وظاهرة البيوت المستورة، كانت من الظواهر الشائعة في لبنان. كانت من الظواهر المعروفة. لم تسلم منها مدينة. ولم تسلم منها قرية. ولم تسلم منها ناحية. كانت تنتشر في جميع المناحي. كانت تعيش على “شرف الإستعطاء” الكريم..

الإستعطاء، له شرف موروث في تاريخ البلاد. نهض على أيدي الزعماء. نهض على أيدي الوجهاء. نهض على أيدي السياسيين، الذين توسلوا المناصب. الذين تسولوا المناصب.. نهض على أيدي هذة الحفنة من تجار السياسة، ومن تجار الكياسة ومن تجار المداهنة و النضال والجهاد والدماء.

هؤلاء أصحاب “مدرسة التسول”. أول مدرسة أنشئت في البلاد. جهابذة كانوا في فنون التسول. يشحذون المال من الآفاق بإسم العائلة. بإسم الدين. بإسم الطائفة. بإسم المستضعفين. بإسم الفقراء واليتامى والمساكين. بإسم تحرير البلاد. ولا يستحون مما يفعلون. ولا يخجلون لفعلتهم. ولا يخفون وجوههم من العار والخجل. بل يقفون على المنابر، يتشدقون، بأن المال يأتيهم نظيفا، وبالجرار المختومة وبالصرر المصرورة، المكتوبة. وأيضا على شكل هبات.

كانوا يخرجون لطلب “ماء المساعدات” في الآفاق. يقولون إنها للناس. إنها للمرافق. إنها للإدارات. إنها للصروح العلمية، والأبنية والتجهيزات الضرورية. ثم يحولون المال إلى حساباتهم الخاصة. إلى حسابات الأزواج والأبناء. إلى حسابات مديري أعمالهم، ومحتسبي أسواقهم وشغيلة الوقف الخيري والرسمي والحكومي والعائلي والطائفي، والوطني، بإمتياز.

ما عرف الناس في تاريخ حياتهم، مثل هذة الموجة الجديدة من التسول، التي تضرب لبنان. صار التسول مهنة شائعة. لم تعد محصورة في البيوتات السياسية، ولا في البيوت المستورة. سرقت الدولة أموال الناس. سرقت المصارف أموال المودعين. سرقت إيجارات العقارات، من أراض ومحال وبيوت. سرقت الودائع. سرقت المدخرات. سرقت الأتعاب. سرقت الرواتب والأجور. صار الناس في الأرض. صاروا على الحديد. لاخبز لا طحين. لا طعام. لاوقود. صاروا ينبحون السماء في العتمة، بلا ماء ولا كهرباء.

محنة عظيمة. محنة قاتلة، يمر فيها لبنان اليوم. صار الناس على “أبواب الله”. تضربهم الأزمات الخانقة، تشد على أعناقهم. تكبل أيديهم وأرجلهم. تشد جسومهم إلى حاجاتهم. تلف الحاجات أبناءهم من كل الجهات. فلا حليب للأطفال، ولا دواء للشيوخ، ولا سكينة ولا إطمئنان.

مجاعة من عصور الحروب الأمبراطورية، هي تلك التي تضرب لبنان. ترى العائلات كلها تطلب المساعدات. تستعطف أبناءها في ديار الإغتراب: ترى الأمهات على “الواتسب”، تنشف حلوقها من شدة البكاء . من شدة الإستعطاف. ترى الآباء يبكون على هواتفهم
يناشدون أبناءهم، يرجونهم إرسال “بعض الدريهمات”. ترى الزوجات ينحن باكيات، يطلبن المساعدة من أقربائهن في ديار الإنتشار. ترى البنات والفتيان، يحادثون إخوتهم وأخواتهم وأبناء العمومة والخؤولة، يرجونهم الماء، يرجونهم المساعدة، على تجاوز محنة، طالت عبوة الحليب والرغيف والدواء. طالت الموقد الذي ترمد، فلم تعد تضرب فيه النار، منذ أن إشتد الغلاء.

ظاهرة تسول، توسل. ظاهرة طلب ماء المساعدة الأهلية، ظاهرة جديدة على اللبنانيين. صارت واسعة الإنتشار عبر الفايسبوك والواتسب. ولا يمر يوم، إلا وترى فيه الأخت تنادي أخيها في ديار الإغتراب. إلا وترى الأخ يناشد أخته في ديار الإنتشار. إلا وترى الأب والأم والجدات والعمات والخالات والأخوال، ينادون على أحبابهم، لطلب المساعدة العائلية، لطلب المساعدة الصحية. لطلب المساعدة التعليمية، حتى لا ينقطع الأولاد عن مدارسهم وحتى لا ينقطع الطلاب عن جامعاتهم، وحتى لا يموت مرضاهم بلا مستشفى. بلا دواء.

نشطت الإتصالات الأهلية، بين اللبنانيين. عاد التواصل العائلي، بين الأهل في لبنان، والأهل في بلاد الإغتراب. أخذت المبادرات الفردية تقوى، بين جناحي لبنان هنا وهناك. نهضت الجسور بينهما. جسور التآخي والتعاون. جسور المحبة والتواصل. جسور الخير، للأهل و للأسر الفقيرة، من أبنائها الميسورين. نشطت بالتالي الجمعيات والأندية، وروابط الناشطين الإجتماعيين، يؤدون دورهم، بعيدا عن أهل السياسة والسياسيين.

جسور من الثقة، نهضت من جديد بين لبنان البلد، ولبنان الإغتراب، في ظل الأزمة المعيشية التي تضرب البلاد. صارت الأسر تطبب أبناءها من خلال “طلب المساعدة” باليوتيوب وبالواتسب. صار تأمين الدواء بصورة شهرية. صارت العمليات الجراحية على نفقة المغتربين. صارت الصور الشعاعية تسافر لجمع التبرعات.

طينة اللبنانيين، من طينة تراب الأجداد. طيبة للغاية. كريمة للغاية. معطاءة بلا حساب. طينة من تبر ومن أحداق. جبلت بعرق الأهل وبدموع المجروحين من لصوص العصر. طينة مغسولة بماء الزهر. بماء الورد. تسافر على أجنحة اليوتيوب، والواتسب، تطلب المساعدة للأهل، فينزح الوجه ماءه: ماء دمعة ساخنة، على “ورق المساعدات”.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى