قراءة في مبدأ الوحدة والتنوع بمناسبة يوم الوحدة في الهند

الشمال نيوز – عامر الشعار
قراءة في مبدأ الوحدة والتنوع
بمناسبة يوم الوحدة في الهند د. نبيل محسن
عندما تتأمل في المتحف لوحةً لفنان ما، تدرك أن تلك الأشكال والخطوط والألوان التي شكّلت اللوحة، لا تخلق ذلك الشعور الرائع بالدهشة، إلّا عندما تتآلف معًا في تشكيل جديد، وهي إن بقيت منفردة ليست أكثر من مجرّد خطوط وأشكال .
هذا هو مبدأ الوحدة في التنوع ؛ والإبداع هو خلق هذه الوحدة من عناصرَ مختلفةٍ ومتنوّعة .
قد يبدو أن قانون الحياة هو الكثرة والتنوّع، ولكن الحقيقة أنّ الوحدة هي القانون السّرّي للوجود، حيث يعمل ويجمع ويوحّد حتى لو كنّا عنه غافلين. وإذا كان قانون الكثرة والتنوع يعتمد الحرية والعشوائية، فإن قانون الوحدة حتميّ وتصاعدي. ولكي تحمي الطبيعة هذا التنوع تخلق جماعاتٍ تحمي الفرد بمحافظتها على فرديته وحريته ، وتشكّل المجتمعات الحيّة والمتطورة .
تتمحور المجموعات البشرية عادة حول الجغرافيا، أو العرق، أو اللغة، أو الدين. اللغة مثلًا توحّد الناطقين بها، لأنها تشكّل وسيلة للتخاطب والتعبير، ووسيلة للفكر، وتختزن خبراتِ الشعوب وثقافَتها ووجدانَها وشعرّها وعلومَها وتاريخَها ، وتشكّل الوعي الذاتي لهذه الشعوب. إن الشعوب التي تفقد لغتها الأمَّ تفقد قدرتها على المشاركة في حركة الإبداع الفكري والروحي والعلمي للبشرية. وقد تمتلك لغاتٍ مختلفةً أرومة واحدة وجذورا مشتركة للكلمات. ولكن حتى اللغاتُ المتباعدة قد نجد فيها مفرداتٍ مشتركةً أو جذورًا مشتركةً لبعض الكلمات .
ومن يدري، قد نشهد في يوم ما ولادة لغة عالمية توحّد البشرية، وربما نكون سائرين في هذا الاتجاه، ولكنها، وإن وُجدت، لن تلغي خصوصية لغةٍ لارتباطها بالعمق الروحي والتاريخي لأي شعب من الشعوب. عندما تزدهر حضارة شعب من الشعوب تصبح لغته ذات بعد عالمي Universal . وتتبادل الشعوب هذا الدور، مثلما ينتقل مشعل الحضارة عبر التاريخ من شعب إلى آخر. فعندما امتدّ العالم الإسلامي من الشرق إلى الغرب كانت اللغة العربية هي حاملة الآداب والعلوم والفنون والفلسفة، وحتى علوم الشعوب الأخرى نقلت إلى العربية. وفي الهند، رغم تعدّد اللغات، ورغم حضور اللغة الإنكليزية، ما زالت اللغة السنسكريتية تحفظ التراث الفكري والديني والفلسفي والعلمي القديم.
ولكن ماذا عن مفهوم العرق؟ هل تتوحد المجتمعات على أساس عرقي؟ تشير الدراسات الوراثية الحديثة على أن شخصين من أفريقيا قد يكونان مختلفين جينيّا عن بعضهما أكثر مما هو عن شخص من روسيا أو من الهند. ويعتبر علماء الوراثة أن فكرة النقاء العرقي هي مجرّد اسطورة. وأن ألوان الأعراق هي تغيرات شكلية لا تعكس بالضرورة إختلافات جينية. ويميل الانتروبولوجيون إلى اعتبار الأعراق تجربة اجتماعية حيوية ثقافية أكثر من جينات محددة ، وأن لا وجود لمفهوم العرق من الناحية البيولوجية .
أما العقائد الدينية فقد شكّلت منذ القدم محورًا تلتف حوله المجتمعات وساهمت ، في معظم الأحيان، في بلورة الحياة الروحية والثقافية والأخلاقية للمجتمعات القديمة. شُنّت الحروب للدفاع عن العقائد أو لنشرها . وتراوحت هذه العقائد من عبادة إله معيّن يستند إلى سلطة أسطورية وصولًا إلى تجربة روحية توحيدية. ولكن الأديان رغم تنوعها واختلافها في طقوسها وعقائدها إلا أن جوهر التجربة الدينية يبقى واحدًا. وفي الفيدانتا أن الحقيقة واحدة ، والطرق إليها عديدة .
واليوم إذ نحيي عيد الوحدة الذي تحتفل به الهند في 31 أوكتوبر من كل عام (منذ عام 2014) ، وهي ذكرى ميلاد ” سردار باتل ” لا بدّ من التوقف عند تجربة تاريخية رائدة . فالهند شبه قارة جمعت أديانًا وأعراقًا ولغاتٍ مختلفةً توحدت تحت علم واحد. تنوع لا متناهٍ في الثقافة والتجارب الروحية ، وفي العبادات والطقوس شكّل روحًا واحدة حرّرت الهند ، فاستيقظت الهند لهويتها وذاتها في مسار من التطور ساهم فيه حكماء الهند القدماء والمعاصرون .ونتذكر هنا “سردار باتل” و “غاندي ” و “نهرو” . وسردار باتل رفيق غاندي في “الساتياغراها” يذكره غاندي بشكل متكرّر على صفحات كتابه عن المقاومة اللاعنفية، وقد لعب دورًا كبيرًا في توحيد الهند ،وكان أول وزير للداخلية بعد الاستقلال .
أحبّ هنا أن أذكر شري أوروبندو الذي أصدر عام 1919 كتابhuman unity The ideal of والذي نجد فيه ترسيخا لمفاهيم التنوع والوحدة والحرية والتطور، والذي كان مصدر إلهام للعديد من المثقفين في الهند وفي العالم. وأذكر أيضًا طاغور وكتابه The creative unity أي الوحدة الخلاقة الذي صدر عام 1922، ويحتوي عشر مقالات في حضارة الهند ، وثقافتها، وتنوّعها، وعلاقة الشرق بالغرب، وكان له أثر في روّاد الاستقلال ومثقفي الهند .
لقد توحّدت الهند كدولة علمانية رغم تنوعها الديني والثقافي، ورغم وجود أكثرية هندوسية في البلاد. ويقول ” أمارتيا سن ” الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابه Argumentative India أي الهند الجدلية :” إن الهند لم تكن يومًا دولة هندوسية … حتى قبل دخول المسلمين إليها … أهمّ أباطرة الهند “أشوكا” و “أكبر” كانا من غير الهندوس، فالأول بوذي، والثاني مسلم. وما زالت الهند تحفظ إلى اليوم تاريخ ” أكبر “، وإدراكه واعترافه بتنوّع الهند العظيم، وإصراره على مبدأ الحوار بين الأديان. كما أن ابنه “دارا شكو” لعب دورًا هامًا في التقريب بين الأديان، وترجمة عدد من الكتب الهندوسية، أهمها ” الأوبانيشاد “،إلى الفارسية، وهي الترجمة التي تعرّف الغرب من خلالها إلى الأوبانيشاد.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، وفي هذه الأيام العصيبة التي يمرّ بها كوكب الأرض، ندرك أهمية الوحدة والمصيرا
لمشترك للمجتمعات والدول. فما إن نشبت الحرب بين أوكرانيا وروسيا حتى اضطرب الاقتصاد الأوروپي والعالمي، وتهدّدت دول بعيدة بالجوع بسبب عدم قدرتها على الوصول إلى القمح والغذاء. اليوم ندرك كيف أن استهلاك الطاقة في أوروپا وأمريكا والصين يؤدي إلى الاحترار المناخي، وذوبان الجليد في القطب، وارتفاع منسوب مياه البحار الذي يهدّد بزوال مدن بأكملها .
الخطر المحدق يحرّك قوى الوعي، ويبرز الحاجة إلى دور الحكماء، ويثبّت اليقين بأن تاريخ البشرية مشترك، وأن لكلّ حضارة، ولكل شعب، دورًا يؤديه من أجل الخير المشترك، ومسيرة التطور.