سلطة خارج القانون..!!!
الشمال نيوز – عامر الشعار
سلطة خارج القانون..!!!
بقلم : محمود القيسي (ابو خالد)
كتاب ميشيل سورا ” سوريا الدولة المتوحشة ” وتحليله لواقع المجتمع السوري وتشريحه لنظام الحكم وما نتج منه من عنف ، يسمح لنا بفك رموز الثورة السورية الحالية منذ اندلاعها في ربيع ٢٠١١م . الكتاب الذي اصبح وثيقة أنثروبولوجية وتاريخية نادرة تفسر طريقة عمل نظام الأسد الاجرامية، والتي لم تتغير منذ تاسيسه في السبعينيات من القرن الماضي . الكتاب الذي اصبح المفاتيح الاساسية للإجابة عن السؤال الأكثر الحاحاً ومركزية : لماذا وصلت سوريا الى الوضع الكارثي الذي تعيشه الْيَوْمَ ؟؟؟
لم ينخدع ميشيل سورا يوماً بشعارات الوحدة والحريّة والاشتراكية وعداء الأسد البعثي للإمبريالية التي كان يظهرها ذلك النظام المتوحش في الصورة الإعلامية فقط . النظام القاتل الذي لم يهتم يوماً في بناء أمة أو دولة أو عدالة اجتماعية.. كان هم حافظ الأسد بناء سلطة جذمورية ووسائل قوتها العصبية والتي تكلم عنها قبل اكثر من ثمانمئة عام عالم الاجتماع الكبير ابن خلدون . فالعصبية في المفهوم الخلدوني هي الشرط الاول من شروط التداول الطبيعي على السلطة ، أو نشوء ” ملك ” جديد، من بين ثلاثية : العصبية والدعوة والملك.. الملك الذي يصبح الغاية والهدف وذلك بعد استخدام العصبية والدعوة للملك المطلق، وهذا ما كانت تعنيه على سبيل المثال الأيديولوجية القومية والاشتراكية التي تمسك بها النظام في مراحله الاولى، وتخلى عنها صراحة فيما بعد، قبل ان يتركها تذبل وتموت من تلقاء نفسها، وكذلك موت الحزب الذي حمل رايتها وشعاراتها، الحزب الذي لم يبقى منه غير اسم البعث وكثيراً من بقايا جثث الرفاق المبعثرة أو المقطعة في زوايا سجناً أو زوايا قبراً دون شاهد..
كان الأسد الابً يعلم انه لا يستطيع ان يفرض نفسه على خصومه ومنافسيه الا بتوفير عنف منتج لأدوات من خارج الدولة التي سعى جاهداً للسيطرة عليها. العنف الجاهز، والخارج عن القانون، والمرتبط مباشرة بعلاقة من خارج القانون والدولة والسلطة نفسها، العنف الضروري في تكريس الرعب وفرض الصمت والقاء القبض على الدولة ووضعها في سجن انفرادي، أو في قبر نهائي..
انها الدولة المنتزعة من شعبها والتي أصبحت منذ البداية دولة الأسد القائمة لتنظيم شؤون ملكه ورعاية مصالح عصبيته الاقلوية، السلطة التي عززت استمراريتها بالتوسع والابتكار في انتاج العنف كما ذكر الكتاب، واستخدام كل الأدوات والوسائل العنفية ضد الشعب الذي سرقت دولته ودفنت عميقا. هكذا بقي العنف والتوسع في إنتاجه وتنويع اشكاله واجهزته العامل الثابت في سياسة نظام التصفيات الداخلية والخارجية الدموية ضد السوريين والفلسطينيين واللبنانيين .. في سياسة العنف الجسدي والروحي والفكري والسياسي والعسكري، وتحول ” الملك السياسي ” الى ” ملك وراثي “.. ربما لم يبلغ نظام في التاريخ هذا المستوى من تطوير الخداع ووسائله، مستعيناً بالتقنيات والاستخدامات الإعلامية وكل الوسائط التواصلية الحديثة، لقلب الحقائق، وتزوير الواقع، لدرجة أصبح معها إنكار الحقائق بشكل مباشر ووقح مثل طعم القئ المالح.. هل أحداً منا يعرف ما طعم القئ المالح، وان يدفع ميشيل سورا حياته ثمناً لهذا الكتاب .. كان نظام الأسد الأب يبني من خارج الدولة والقانون وضدّهماً دولته ، دولة الأسد الاقلوية وقانونها، كان يقوض أسس الدولة السياسية احدى وظائفه الاساسية والتآسيسية أو وظيفته الخارجية.. كان يحضّر لاستعمار دولة الشعب السورية وسرقة جميع مواردها وتحويلها الى دولة توتاليتارية – بوليسية – فردية،. دولة المقابر الجماعية..
لم تختلف استراتيجية الأب القاتل عن استراتيجية الابن القاتل في حروبه الاجرامية التي يخوضها بمساعدة اخوته ورفاقه أو اسياده وسادته في الغرب والشرق بكل ما تعنيه وتختزله الرموز والشارات السداسية وبكل الألوان واللغات الامريكية والروسية والعبرية والعجمية وأذيال تلك اللغات اصحاب اللكنات واللهجات المحلية.. الحروب التي اصبح يخوضها الوريث الدموي الآخر بشار حافظ الأسد وبالاسم الثلاثي كي لا يختلط الامر على التاريخ ومؤورخيه..
انه النص الذي استبق الاحداث في تحليلاته واستنتاجاته، لانه نجح في ان يكشف لنا عن سياسة الاسد الاب الذي امتهن القتل طريقة للحكم، انه وثيقة اتهام فعلية ضد نظام خارج عن القانون، نظام منتج للعنف وموزع له داخل وخارج سوريا..
انه النظام والقتلة ذاتهم بخطابهم العنصري والدموي، واستعدادهم للذهاب حتى الخراب الشامل، من اجل تاكيد حقهم الحصري في السلطة، ورفضهم اي حوار او تفاوض او مشاركة او تقاسم للسلطة مع اي طرف داخل المُكون والنسيجية السورية، والتعامل مع اي قوة اجنبية تخدم بقائهم، والمراهنة على قدرتهم في خداع الخارج والمتاجرة بقضية التطرف، واختلاقها وصناعتها اذا لزم الامر، ومن ذلك التلاعب بالحركات الاسلامية واستثمار ” خوف ” الدول الغربية من الارهاب واستخدامه كوسيلة لاعادة الاعتبار لحكم الاستثناء والاقصاء.. ان ما جرى منذ اربعة عقود في منطقة حماة، يجري اليوم في حرب ابادة وتدمير شامل على نطاق سوريا باكملها وبدون اية رحمة او رادع اخلاقي..
انه النظام الذي لم يتغيير على الرغم مما طراء عليه من تبدلات نتيجة اعتماده على معادلة القوة والقهر والقتل.. المعادلة في حكم القسوة والظلم التي جعلت من السلطة عدواً للشعب، وحولت الدولة الى اداة لقهره بدل ان تكون مركز قوته وتنظيم وادارة موارده بما يخدم صالح البلاد العام. هذا ما دفع سورا الى الميدان، والاقتراب ما امكن في موضوعه البحثي على ارض الواقع مباشرة كما ذكر في مقدمة الكتاب رغم المخاطر القاتلة، والتي كانت وما زالت لا تعد ولا تحصى في سوريا الاب سابقاً، وسوريا الابن لاحقاً.. الخطوة التي وضعت ميشيل سورا في فم الاسد القاتل وفي فم دولته المتوحشة.. الكلمات التي نزفت دماً ذكياً على صفحات بحوث سورا.. دماء سورا نفسه.. الكتابات والنص الذي اصبح تاريخياً وثيقة اجتماعية – قانونية تثبت حق الشعب السوري بالحرية وكسر القيد واقامة دولته الحقيقية رغم كل الدماء، ومهما طال الزمان..
لقد كشف سورا عن آلية تكوين السلطة وممارساتها، حيث تشكل العصبية – الاقلوية، بوصفها منبعاً للعنف البدائي المنتج خارج كل القوانين، السبيل الذي ” لا غنى عنه ” لاقامة سلطة هي نفسها خارجة على الدولة والقوانين قاطبة، السلطة السالبة للدولة وسيادتها، وتفريغ الدولة من داخلها، وتركها جثة هامدة برسم الجميع.. الجميع باستثناء الشعب، الشعب الذي ما زال يقاوم رغم كل المؤامرات والخيانات..
الدولة المتوحشة.. انه النص الذي اصبح بمثابة الوصية الفكرية، كما كانت ايضاً نذيراً بغيضاً للمصير الذي كان ينتظر عالم الاجتماع الانساني ميشيل سورا : رهينة، ثم ضحية عصابة ” منظمة الجهاد الاسلامي ” تحت ستار المقاومة الاسلامية بحجة تحرير فلسطين.. ثلاثة سنوات بعد تصفية سورا البشعة والهمجية، خرج كتابه – الوثيقة ” سوريا.. الدولة المتوحشة ” الى النور في العام ١٩٨٨، وتبعها في العام ٢٠١٢ نسخة الكتاب الثانية، والتي كانت اكثر دقة موضوعية عن الاصدار الاول. لقد اخترق ميشيل كل الايديولوجيات الكبرى وانظمتها وتعقيداتها في بلاد الشام، وخصوصاً في سورية التي تزينت ولبست الثوب الاشتراكي ومعاداة الصهيونية والامبريالية العالمية، والامبريالية الكولونيالية والامبريالية الكومبرودورية وكل انواع الامبراليات، ورفع راية القضايا العربية التقدمية في مشهدية شكل النظام الاعلامي والخارجي فقط.. والد اعداء، بل اسواء عدو للقضية والشعب الفلسطيني وحركات التحرر الوطنية العربية في مضمون نظامها الحقيقي.. حقيقة اسباب ذلك النظام المجرم وتكوينه الذي لم ياتي من فراغ، او بالمصادفة او الصدفة..
لقد شرّحت كتابات سورا نظام الحكم الذي حمل جماعة الأسد الى السلطة ومناوشاته مع حزب الاخوان المسلمين منذ البدايات.. صراع التوتاليتارية من ناحية والثيوقراطية من الناحية الاخرى على السلطة في مدلولاتها وابعادها وأهدافها التاريخية على قاعدة ومفهوم وحدة وصراع الأضداد، أو الإخوة الأعداء في مكاناً ما.. والمعنى في وجدان التاريخ أو في بطنه. الكتاب الذي اصبح بامتياز تاريخي وثيقة اعتمد عليها الكثيرين من الباحثين والمهتمين في تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين والمنطقة مثل صاحب كتاب ” الأمة المتشظية ” – برنار روجييه.. وتوماس بييريه صاحب كتاب ” البعث والإسلام في سوريا “.. ورسالة دكتوراه النرويجية تين غاد حول مدينة طرابلس اللبنانية.. وعدداً لا يستهان به من كبار الكتّاب والدارسين والمحللين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين حول العالم الذين استندوا في أبحاثهم وأعمالهم الى مؤلف ميشيل سورا الوثيقة.. الكتاب الوثيقة الذي اصبح المرجع القوي لكل باحث جدي ومهتم بالشرق الأوسط عموماً، وبلاد الشام خصوصاً، وسوريا تحديداً..
من بحوثه النقدية موضوعياً وبكل جراءة في صميم المجتمع والدولة السورية وفق اعتقاده الماركسية – الجدلية – العلمية عندما كان ما زال طالباً في السوربون – الى دراسة ” العصبية ” ومفهومها الجوهري التي شرّحها ابن خلدون في القرن الرابع عشر.. العصبية التي تخرج من ” مسخ ” وجسد ” التلاحم الفئوي ” في العائلة والعشيرة والقبيلة والدين المُعلَّب، والمحجور عليه.. اكتشف، وكشف لنا ان العصبية في المؤروث العربي المُتؤارث والمُؤورث القاعدة الاولى في الحكم والدولة والمجتمع.. أعاد سورا اكتشاف مفاهيم أو طقوس قلب ” الثقافة ” العربية وتقيمها على قاعدة ومبادئ العلوم الاجتماعية وقوانينها ومكنونات تلك القوانين، والتي هي بمثابة ( الضرورة المعرفية ) الضرورة الإبستيمولوجية لتعريف ” دهاليز ” المجتمعات الشرق اوسطية الممنوعة ” تاريخياً ” عن التحليل والنقد الاجتماعي.. النقد الذي لا يعرفه أو يتعرف عليه كهنوت وبطاركة السياسة والاجتماع والديانات المخطوفة..
نجح سورا في هذا التفكير المنهجي ان يستولد من رحم التاريخ وامام ناظريه الصرخات الاولى للأفكار الحقيقية والشرعية حول الدولة والمجتمع المدني في حاضرة العرب وبوابة الشرق الأوسط الشمالية – سورية، الامر الذي جعله في اعتقاد البعض ” يتميز ” عن الماركسية في دراسة المجتمعات، وبالأخص القبلية منها.. كان يعمل في هذه الجزئية على منهج المدرسة الخلدونية كما ذكرنا سابقاً، ويتابع مفهوم العصبية الاقلوية نظرياً، وتفشيها تاريخياً.. كما عمل على شروحات النظام الاجتماعي السوري وتحليله، حيث تقبض السلطة الغير قانونية والغير شرعية على مقاليد الدولة والمجتمع والشعب.. فدرس سيكولوجية دولة القمع الوحشية والمتوحشة والموحشة في سوريا الأسد الأب، وطريقة استخدامها المدروس للارهاب المُنظم في السياسة الإعلامية، والإعلام السياسي بامتياز.. الدولة أو السلطة في بُعدها التسلطي القمعي، وفِي عمقها البربري والهمجي.. ثم ذهب في بحوثه الدقيقة الى الشرائح والفئات والطبقات والمحسوبيات.. ” الاجتماعية “، التي تعتبر وتؤمن ان تلك السلطة المارقة عن عمد، الضمانة الوحيدة لاستمرار أعمالها المشبوهة، وتدفق الأرباح عليها.. على الرغم من الظلم والاجرام والقتل الذي تمارسه تلك السلطة – سلطة الأب والابن على شعب سوريا العريق، والمظلوم..
في العام ١٩٨٦ من القرن المنصرم وبالتحديد في الخامس من شهر آذار / مارس، أعلنت منظمة الجهاد الاسلامي لاحقاً عن إعدام ” جاسوس “، حجة احزاب وانظمة منظومة الممانعة.. الحجة الجاهزة دائماً، ودائماً عند الطلب والحاجة.. والتي توجه دائماً من خلال اعلامهم الشعبوي الكثيف والموجه بصرعة الطلقات الى صدور خصومهم ومن يختلف معهم.. الخصوم أو الضحايا الذين دائماً ما يواجهون غدر ذلك النظام وأجنداته المشبوهة بصدور عارية.. الاجندات والتهم الجاهزة والمجهزة في اقبية تلك الأنظمة المجرمة ومشاريعها التفتيتية والالغائية.. تهم من وزن الخيانة والعمالة.. والتي دائماً ما يفبركوها ويصدّروها الى خصومهم بدماً بارد، ودون ان يرف لهم جفن.. البوم، وبعد مرور اكثر من ثلاثة عقود ما زال الجلادين واقفين على مسرح الدم، والضحايا والشهداء كذلك.. وجهاً لوجه.
لم يعجب القتلة هذا الكتاب.. القتلة الحريصين على منع اَي بحث اجتماعي علمي، في حين يوكلون مهمة رسم صورة المجتمع الى عملائهم من اصحاب الدعاية الذين يمجدون الحزب الواحد ويؤلهون الزعيم الأوحد.. لماذا قُتِل ميشيل سورا من بين الرهائن الفرنسيين بكل سفالة وحقد ؟؟؟ الجواب موجود في نصوص سورا التي أرعبت سلطة الأسد.. النصوص المرجعية، والتي وثقت في كتاب رعب الدولة السورية المتوحشة، وبين دفتيه، وعلى صفحاته.. والتي تناولت على سبيل المثال والتحفيز على قراءة الكتاب ” الاغلى في العالم ” المواضيع التالية:
– الدولة المتوحشة: سورية بين عامي ٧٩-١٩٨٢م
– ارهاب الدولة أو ارهاب ضد الدولة: الحالة السورية
– المجتمع السوري ضد دولته
– ابن خلدون لأجل فهم ” التقدمية العربية ”
– المعطيات السورية عن الاصولية الاسلامية ٦٢-١٩٨٢م
– الدولة والمجتمع
– الطبقة السياسية التقليدية أو المجتمع المفقود..
انه الكتاب الوثيقة التي لا بُدّ من قراءتها، والاحتفاظ به من اجل توثيق تاريخهم الأسود، وافكارهم السوداء، وقلوبهم السوداء، ووجوههم السوداء..
مرة ثانية – انه الكتاب الوثيقة التي لا بُدّ من قراءته، والاحتفاظ به من اجل توثيق تاريخنا النظيف، وأفكارنا النظيفة، وقلوبنا النظيفة والناصعة البياض.. مثل الثلج في أعالي قمم الجبال.. الجبال الشاهقة، والقمم التي تطاول السماء..
كتاب ميشيل سورا ” سوريا.. الدولة المتوحشة “، الكتاب الذي يتكلم عن النظام أو السلطة أو الدولة الأكثر رعباً وقسوة ووحشية وإجراما في العصر الحديث.. العصابة المنتحلة صفة دولة، والتي تحاول دفن شعبها حياً على مرأى ومسمع الامم المتحدة، والغير متحدة قاطبة.. دون استثناء!!!
أبو خالد