لا تقرأ هذا الخبر

المهدي المنتظر .. هل جاء زمانه ..؟؟

القاضي الشيخ خلدون عريمط*


المهدي المنتظر من منظور إسلامي.. هل جاء زمانه أم أرادوه شعاراً لزمانهم؟

الشمال نيوز – المستقبل

منذ انطلاق ثورة الخميني في إيران عام 1979 م، تتداول العديد من المواقع والمؤسسات ومراكز البحوث والدراسات الإيرانية وغيرها الموالية لها، مسألة المهدي المنتظر وإمكانية ظهوره، أو العمل على تهيئة الأسباب الموجبة لهذا الظهور التي تروّج لها بعض القوى الإقليمية، والتي ترى في مسألة المهدي المنتظر مادةً أساسية هامة ومؤثرة للتعبئة النفسية والعسكرية والعقائدية، لتحقيق مشروعها السياسي والديني معاً في المنطقة العربية والإسلامية، من جاكارتا شرقاً الى طنجه غرباً، ومن أجل ذلك لا بد من تسليط الضوء على هذه المسألة، وأعني بها مسألة المهدي المنتظر، التي قيل ويقال عنها الكثير في الأوساط الإيرانية وحلفائها.

فقد اختلف المسلمون منذ أمدٍ بعيد حول حقيقة المهدي المنتظر وزمانه، بحيث يرى الشيعة الإثنا عشرية أنّ المهدي المنتظر هو حتماً محمد ابن الإمام الحادي عشر لديهم الحسن بن علي العسكري، الذي أنجب طفلاً أسماه محمد وأخفاه عن الناس إلا المقرّبين منه، خوفاً على المولود الجديد باعتقادهم من سلطة الخلافة العباسية التي كانت في حال التباين مع الإمام الحسن بن علي العسكري.

وتفيد المصادر والروايات الشيعية الإثنا عشرية أنّ الإمام الحسن بن علي العسكري على الرغم من مدة إمامته القصيرة، والتي لم تتجاوز بضع سنوات لينتقل الى رحمة ربه وعمره دون الثلاثين عاماً، قد عاصر الخليفة المعتز والمهتدي والمعتمد العباسي، وأنه كان في إقامةٍ جبرية في محلّة عسكر، ليكون تحت مراقبة سلطة الدولة العباسية. وتؤكد المراجع الشيعية أن الإمام الحسن بن علي العسكري قال لأصحابه عن ولده محمد: «هذا صاحبكم من بعدي وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق في الانتظار، فإذا امتلأت الأرض ظلماً وجوراً خرج فيملؤها قسطاً وعدلاً»، وهذا ما رواه المرجع الشيعي الشيخ الطوسي في كتاب «الغيبة».

وهناك قناعة راسخة لدى المراجع الشيعية الإثنا عشرية، أن ظهور المهدي المنتظر وهو محمد بن الحسن بن علي العسكري، المولود في سامراء شمال العراق عام 255 هـ الموافق 874 م، والذي اختفى وهو طفل منذ نحو ألف ومئتي عام، ما زال حيّاً ومتوارياً، وسيكون ظهوره يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان في مكة المكرمة، حيث يخرج فيها ليعلن نبأ ظهوره، وليعلن للعالم بأنّه المخلّص، فيعقد ما يشبه المؤتمر الصحفي، ويقسّم العالم الى 313 ولاية ويعيّن على كل ولايةٍ والياً عليها من قِبلِه، ومن أجل ذلك فإن رقم 313 تستخدمه العديد من المجموعات العسكرية الموالية لإيران ولفكرة ظهور المهدي المنتظر. وتفيد روايات الشيعة كذلك أن من علامات ظهور المهدي اجتماع اليهود في فلسطين واحتلالهم للأقصى، وخروج رجل من قم يدعو الى الحق ومعه رجال لا يملون من الحرب ولا يجبنون، وامتلاكهم لقوّة عسكرية واعلامية تمهّد للظهور، ودخول قوات غربية الى العراق، وانتقال العلم من النجف الى قم، وكثرة الظلم والجور، وظهور السفياني في بلاد الشام معارضاً للمهدي المنتظر، والخراساني في بلاد فارس، وظهور راية الهدى لليماني في بلاد اليمن.

كل هذه المؤشرات تؤكد أنّ الحروب التي تقودها ايران،وتدور في سوريا والعراق واليمن لها خلفية عقائدية أوّلاً ودستورية ثانياً، وان كانت ظاهراً ترفع شعارات سياسية،كشعار تحرير فلسطين ونصرة المستضعفين، وسحق الكيان الصهيوني ومحاربة الشيطان الأكبر وغيرها.

وتلعب إيران وقادتها دوراً أساسياً في تعميم هذا التوجه العقائدي، ومن أجل ذلك فقد أنشأ النظام الإيراني أذرعاً عسكرية له في العديد من بلاد الشام والعراق، ويعمل على إنشاء أذرع عسكرية أخرى في دول الخليج والجزيرة العربية، تحت شعار عقائدي ودستوري غير قابل للنقاش أو الحوار أو التفاهم السياسي، وهذا ما أشار إليه سمو الأمير محمد بن سلمان ولي وليّ عهد المملكة العربية السعودية، في حديثه مؤخراً الى إحدى الفضائيات العربية، بالقول: «كيف أتفاهم مع نظام لديه قناعة مرسخة بأن نظامه قائمٌ على ايديولوجية متطرفة منصوص عليها في دستوره، بأنه يجب أن يسيطروا على مسلمي العالم الإسلامي ونشر المذهب الجعفري، حتى يظهر المهدي؟».

فالقضية ليست أن تنتصر ايران أو حلفاؤها ما شاء لها المهدي المنتظر، وأن ما يعنينا هو هدفها الرئيسي من هذه الحروب والفتن والأذرع العسكرية المذهبية للسيطرة على مسلمي العالم، والدخول العسكري الى مكة المكرّمة ليكون هذا، مقدّمةً لظهور المهدي أي الإمام محمد بن الحسن بن علي الملقّب بـ «العسكري».

ومسألة المهدي المنتظر فيها اختلاف كبير وعميق بين المسلمين بشتّى توجّهاتهم ومدارسهم الفقهيّة، فالمهدي عن الإسماعيلية هو عبد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا في العهد العبّاسي عام 909 م، وعند الزيدية ينكرون وجوده أو انتظاره، وعند الأباضية لا وجود له ويرفضون كل ما يشير اليه.

أما المسلمون من أهل السنّة والجماعة، فيرون رأياً آخر في مسألة المهدي المنتظر، وهو أنه محمد بن عبدالله من أهل بيت النبوّة، ولم يولد بعد، وولادته ستكون في آخر الزمان، في زمن عودة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ويأتي ليقيم العدالة والسلام بين الناس، بعدما تكون قد ملئت ظلماً وجوراً.

ومسألة المهدي فيها اختلاف حتى بين العلماء لدى المسلمين من أهل السنّة والجماعة، فهناك مَنْ أنكر المهدي وظهوره، كما ضعّف العلاّمة ابن خلدون الأحاديث التي وردت في المهدي المنتظر، بحيث لم يرِد شيء من هذه الأحاديث في صحيحَي البخاري ومُسلم. كما أنكر العلاّمة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود في قطر وجود المهدي اصلاً، وألّف كتاباً في هذا الشأن على أثر أحداث الحرم المكّي عام 1980م. وردّ عليه الكثير من العلماء مُنكرين عليه رأيه من قضية المهدي وظهوره في آخر الزمان، وفي مقدّمهم الإمام الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، والذي أكد أن ظهور المهدي سيكون قبْلَ نزول المسيح بن مريم عليه السلام، كما جاء في الأحاديث النبوية في أسلوبٍ صريح وواضح، والتي منها عن أبي سعيد الخِدري رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، قال: ثمّ يخرج رجلٌ من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظُلماً وعدواناً). رواه أحمد وابن حيّان والحاكم.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً منّي أو من أهلي يواطئ إسمه إسمي وإسم أبيه إسم أبي». رواه أبو داوود والترمذي.

ويؤكد المفتي بن باز رحمه الله، أن «المهدي المنتظر صحيح، وسوف يقع في آخر الزمان ويقيم العدل بين الناس 7 سنوات أو 9 سنوات، وينزل في وقته عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، هذا ما جاءت به الأحاديث الكثيرة. أما المهدي الذي ينتظره الشيعة الإثنا عشرية فهو لا أصل له عند أهل العلم».

والمهدي المنتظر التي جاءت به الأحاديث الصحيحة، فإنّه من بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم من أولاد فاطمة رضي الله عنها ولم يولد بعد، واسمه كإسم النبيّ صلى الله عليه وسلّم: محمّد وأبوه عبدالله، وسيخرج المهدي عند وجود فتنة بين المسلمين وعلى إثر موت الخليفة القائم، فيبايعه أهل الإيمان والعدل في ما يظهر لهم فيه من الخير والإستقامة وإنّه من بيت النبوّة.

إذاً قضية المهدي المنتظر قضية خلافية كبيرة ومتشعبة بين المسلمين، منهم مَن أخذ بها ومنهم من أنكرها، وإنكارها ليس خروجاً عن العقيدة، والإيمان بها ليس شرطاً لصحة الإيمان كما تؤكد أقوال العلماء والفقهاء وأهل العلم. والمهمّ في هذه القضية الخلافية أن لا تُستغل لأهدافٍ سياسية أو أطماعٍ جغرافية، وأن لا تكون مادةً لإشعال الفتن والحروب بين المسلمين على تنوّع مدارسهم الفقهية، وأن لا يكون البعض منهم في خدمة مصالح اقليمية ودولية تستهدف البلدان العربية والإسلامية لتقسيم المقسّم، وتجزئة المجزّأ خدمةً للمشروع الصفوي الفارسي وأذرعه العسكرية المنتشرة في أكثر من بلدٍ عربي وإسلامي، أو لمصلحة المشروع التلمودي الصهيوني الذي يزرع القتل والدمار والتقسيم في أرض فلسطين المباركة، ويحلم باقامة كيانه العنصري والعقائدي بين نهري النيل والفرات.

فالعرب بمسلميهم ومسيحييهم أمّة واحدة، والمسلمون جميعاً مأمورون بالتكامل، والتلاقي والأخوّة في ما بينهم، لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا).

] رئيس «المركز الإسلامي للدراسات والإعلام»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى