ثقافة وفنون

الصحافة وسلاطين المال

الصحافة …وسلاطين المال 

كتب عبد السلام تركماني 

 طالعت بتمعن  ما كتبه البعض من مهرجي البلاط ومداحي سلاطين المال   ، في سياق الرد على ما انشره من مقالات ، فخالجني شعور عميق بالمرارة، ،لما آلت اليه اموراصحاب المال السياسي من ضحالة فكرية وخفة في مقاربة الامور والتغطية على الفشل  ، علما ان هذه الردود  (التي تعمدت التجريح الشخصي وليس المقارعة بالحجة والبرهان ،)تسيء الى من يزعمون الدفاع عنهم اكثر مما تخدم الهدف المطلوب .

“لقد ترددت في الجواب على اولئك الابواق  المطبلين   عملا بنصيحة الامام الشافعي الذي قال ” اذا نطق السفيه فلا تجبه، فخير من اجابته السكوت ،فان كلمته فرجت عنه وان خليته كمدا يموت “.

فالمؤسف  ليس كلام هؤلاء “مبيضي الوجوه” الفارغ من اي مضمون ، بل واقع ان  اصحاب المال السياسي كان لديهم اصابع ما في تنظيم هذه الردود او الايحاء بها ، في دلالة واضحة على   ضيق الصدر وانسداد الافق ، و برهان على سطحية في مقاربة الامور لا ترقى الى  مستوى النضج السياسي ولا تليق بمن يطمحون الى الزعامة وتمثيل مصالح الناس . 

ويحضرني هنا  قول الشاعر الكبير المتنبي 

“انام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصم 

وجاهل مده في جهله ضحكي  

 حتى اتته يد فراسة وفم” 

واقعنا المرير  يجعلنا نحن  الى زمن  كانت فيه السياسة  احترافا وليس هواية  ،رسالة وليس تسلية وكان السياسيون “يكنون كل احترام للصحافة واهلها ،ويدافعون عن الحق بالتعبير ،ولو عنى ذلك انتقادا لهم ، لانهم كانوا مؤمنين بان الصحافة هي مرآة المجتمع وليس” بلورا لسلاطين المال لا يروا فيها الا انفسهم .”.

  نسمع  من ارهاط متمولين الكثير من الكلام عن الحرص على التعددية والتنوع ، واخرها ما تفوه به  احد اصحاب المال السياسي في مناسبة عامة في بيروت  عن  حق الاختلاف،معتبرا “ان الاختلاف في الرؤيا والاجتهاد رحمة” ، في حين ان المحيطين به من اهل البلاط  في طرابلس يتعاطون في الشان العام ومع الاعلام  والاعلاميين عكس ذلك ، فهل لبعد المسافة ما بين بيروت وطرابلس صلة بالامر ؟ فهناك  في العاصمة كلام موزون عن التعددية والتنوع، وهنا  يسود  منطق التبجيل لصاحب المال معتمدا  وشتم الاخر بدلا من مناقشته منهجا  ،استنادا الى المدرسة الانتهازية التاريخية في تمسيح الجوخ  وتبييض الوجه والتباري في اثبات الولاء ،هنا  في الفيحاء لا مكان للراي الاخر ومرفوض  وجود اي تحليل او مقال يغرد خارج سرب المديح  السفسطي الفارغ ، ولو تضمن  نقدا هادفا وموضوعيا  لاداء هذا السياسي( وليس لشخصه الكريم) ،ضمن اصول اللياقة والاحترام  .

  نحن في زمن انحدار فكري ومهني ، يتعاطى فيه اصحاب الرساميل والمال السياسي  مع الاعلام والاعلاميين  من باب البيع والشراء ،و الرغبة بتحويل الصحافة  الى مهنة ارتزاق واستعمال اهلها كاقلام للايجار او للبيع.

لقد وصلت الامور الى درجة خطيرة افقدت الصحافة ميزاتها في  المهنية والموضوعية، لذا لا نستغرب  انفضاض الناس عن قراءة الصحف حيث  النشر  اصبح حكرا على من يدفع .وبتنا امام  ازمة صدقية الصحافة وحرية الراي المغيب  بفعل  همينة المال السياسي على  الحياة العامة .

 ان تفشي هذه الظاهرة يؤدي الى ركود مجتمعي وانعدام للحيوية الفكرية  لا بل الى  موت سياسي وموت للاعلام الحقيقي ،والى انعدام للتنوع والى  ومزيد من التصحر الثقافي والفكري الذي تعاني منه طرابلس على نحو خاص.

حالنا اليوم تذكرني بقصة قديمة عن سلطان حكيم ، كان في بلاطه حاشية من الوزراء والمداحين والمهرجين ،ورجل كان يجلسه احيانا الى يمينه ويتهامس معه بمودة دون الاخرين ، فاجتاح الفضول اعضاء الحاشية لمعرفة من يكون هذا الرجل وبماذا يهمس في اذن السلطان ،وتوجهوا اليه قائلين “بما يهمس في اذنك ذاك الشخص  ايها السلطان العظيم فتوميء له موافقا مبستما ؟” فاجاب ” انه يقول لي “تذكر انك بشر من التراب والى التراب تعود ” 

فهل يتذكر اصحاب المال السياسي  ،انهم بشر ،وانهم مهما علا شانهم  الى التراب يعودون ؟.

 زمننا بات يحتاج الى رجال من نوع هذا السلطان .

و اختم بقول للخليفة عمر بن الخطاب جاء فيه ” رحم الله امرأ اهدى الي عيوبي ” 

 … يتبع غدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى