شغف التجريبية

الشمال نيوز – عامر الشعار
شغف التجريبية
هناك إفتنان دائم بالتجريب. نهض الإنسان منذ يومه، وبدأ عمله بالتجريب. دخلت الإنسانية مبكرا مدرسة التجريب. صار الشعراء إلى التجريب، منذ أول عهدهم. لحق بهم الفلاسفة وعلماء النفس، وكتاب الرواية والقصة والمقالة.
سار في صفوف التجريبيين، الأطباء. إستحدثوا الطب التجريبي. وإلتحق بهم العلماء الفلكيون، والعلماء الأنتربولوجيون، وعلماء الأرض أجمعين.
“التجريبية”، صارت عند الناس مذهبا. وصارت فنا. صارت فقها. صارت تشكيلا . صارت نوتة. “التجريبية” صارت هواية، صارت شغفا.
صار للتجريبية، روضات ومدارس وجامعات ومختبرات. كانت نتائجها عظيمة. ساهمت في تقدم الإنسان وفي تقدم الإنسانية.
دول كثيرة إعتمدت المنهج التجريبي في إداراتها، وفي خدماتها، وفي أسلوب عملها في المكاتب، ومع الموظفين والمستخدمين.
حقق “المنهج التجريبي” نتائج باهرة، حفظتها الوثائق، وجعلتها في كتب وفي برامج، بعدما وثقت بها الأفلام السينمائية، وقدمتها في “نماذج أيقونية”. مما أكسبها طابعا دعائيا، لا تزال تشتغل عليه، لتعميمه في جميع حقول العمل لدى البشرية.
“التجريبية” إذا، صارت علما ومدرسة ومنهجا، دخلت كل الحقول، وأكسبتها نجاحات عظيمة.
صار الناس يلهجون بها، في ليلهم وفي نهارهم. في صباحهم وفي مسائهم. ويحضون القطاع العام، كما القطاع الخاص على الإندراج فيها. والتقدم من خلالها
نجحت التجريبية، مفهوما حياتيا وسبيلا متقدمة، في معظم البلدان المتطورة.
غير أنها، كانت كارثية، في معظم البلدان المتعثرة وشقيقاتها المتأخرة.
ويأتي لبنان في طليعة البلدان الذين حمل أهله التجريبية على ظهورهم ولم ينزلوها بعد.
حملوا التجريبية، إلى جميع القطاعات، وإلى جميع الحقول. وإفتتحوا لها فرعا جديدا في حقول العلاقات الداخلية. وفي حقول العلاقات الخارجية. ثم لم يلبثوا أن عادوا خائبين.
سارت الطوائف والقيادات، ورجال السياسة، وأهل الأمر ، وأهل التدبير، في خطى “التجريبية”، فأغرقتهم في وحولها، وجعلتهم يتخبطون في كل أمر يأتونه، لأنهم أساؤوا إستعمالها وشوهوها.
فصارت على أيديهم ذات “طوابع تخريبية”. تخلوا عن بناء الدولة الكلاسيكية. وصاروا يجربون الدولة التي تستجر دول الخارج إليها.
منذ تأسيس الكيان اللبناني، جرب اللبنانيون الإرتماء في الحضن الفرنسي. ورثوه، قبل أن يورثهم. ثم جاءتهم الأوامر الخارجية، بالإنقلاب على الإنتداب، قبل أن تؤتى ثماره. قبل أن يفرغ من بناء أسس الدولة المدنية.
ثم منحهم العالم فرصة الإستقلال، فهبت الطوائف تجرب مع الخارج، لعبة الإستقواء على الداخل. فكانت تتحطم، طائفة بعد طائفة. وتستجر للبنان النار والبارود وتخرب العمارة و العمران.
تغير “مفهوم التجريبية” في لبنان، إلى الأسوأ. في السياسة وأصول الحكم. وفي الإدارة وطرق بناء الدولة. وفي العلاقات الخارجية ومفهوم الإنفتاح على الدول.
كل شيء في لبنان صار تجريبيا. فهو يجرب التعاون مع الأشقاء ويستعطفهم. و هو يهديهم في الوقت نفسه، “رمان الكابتغون”.
يجرب لبنان الوقوف، إلى جانب الضعفاء والمحرومين والمتعثرين والمظلومين، فيصتفق عليه الجوار الإقليمي، ويجعله، يقبع في الزاوية، يدفع ضريبة حظه المنكود.
لبنان يعيش فصول حياته التجريبية الخائبة، كل عشر سنوات.
تتمدد فيه الخلايا التخريبية، بصورة خلايا تجديدية تجريبية، فيتسرطن الوطن، ويصعب معه الشفاء من أدواء “التجريبية المريضة”، التي تعاني عقد التاريخ. وعقد الإجهاض.
نال لبنان شهادات في “التجريبية التخريبية”. فهو يبادر فورا إلى الإنقلاب والتخريب، تحت عنوان التجريب و التجديد.
يقول بتجديد سياسته الخارجية، فيدعو للتوجه شرقا، ويطلب الدولار من الغرب.
يقول بتجديد أسواقه النفطية، فيطلب النفط من إيران، ويعرض نفسه للعقوبات.
يقول بتجديد تحالفاته الخارجية، فيقف إلى جانب الإنقلابيين في كل مكان. يقول بوحدة السلاح. فيجعل السلاح المتفلت في أيدي العصائب والعشائر والعصابات. بدل أن يكون حصرا في أيدي قواته المسلحة.
يقول بالنظام الرأسمالي الحر، وينقلب بين ليلة وضحاها، فيؤمم أموال الناس. يسرق أموال الناس. ولا تنجو منه العجائز ولا الأرامل. ولا ينجو منه الطفل الرضيع الذي يريد “رضاعة حليب”.
منهج “تجريبي تخريبي”، هو ما نشهده في لبنان من مدرسة عائرة، ومن تجريبية فاسدة، ومن نهج إنقلابي على الحداثة والمدنية والعالمية.
يغتالون كل فكر مجدد، إبتداء من “برهة” حسين مروة ومهدي عامل، وإنتهاء ب”لقمان سليم”. ويقولون بالتجديد، مع الإرهابيين، ومع الفكر الإرهابي، ومع حلفاء الإرهابيين في كل مكان، من النيجر إلى مالي، إلى فينزويلا، إلى السودان والصومال واليمن وإسرائيل.
ما عرفت “التجريبية”، في توطنها في جميع البلدان، مفهوما “يقرأ بالمقلوب”، إلا في لبنان. صارت التجريبية فيه “تخريبية” بإمتياز. صار لبنان يعاني من تخريب الحياة السياسية. ومن تخريب الأطر الديمقراطية. ومن عمليات التخريب التي تطال تطبيق القوانين والنظم، وإنتاج السلطات والرئاسات والمجالس والهيئات.
لبنان حقا يمارس “شغف التجريبية التخريبية”، ويدافع في الوقت عينه، عن التجديد والتجريب والتغيير والإصلاح، ولو بناقلة فيول مغشوش، ولو بباخرة كهرباء معطلة، ولو بسد مائي يهرب الماء. ولو ببرتقالة فاسدة.
قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية