لا بد من مؤتمر وطني ..!!

الشمال نيوز

لا بد من مؤتمر وطني طرابلسي يجمع كل الأطياف
يعمل على جمع شمل أبنائها ويؤسس لإستنهاضها
على أن تكون مصلحة طرابلس فوق كل الاعتبارات والحسابات الشخصية الضيقة .
بقلم الأخ ربيع مينا
====================
الأزمات التي ترزح تحت نيرها طرابلس ليست وليدة ساعة أو زمن محدد فالمدينة عانت كثيراً منذ الاستقلال وحتى اليوم، وزادت الانقسامات السياسية في حدة تلك الأزمات وتحديداً منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شباط 2005 وصولاً إلى أحداث أيار 2008 حيث تحولت المدينة إلى صندوقة بريد لمصلحة أجندات خارجية وطنية وإقليمية، فكانت 21 جولة من الاقتتال الداخلي في المدينة وما خلّفت من خسائر بشرية ومادية هائلة دفعها سكان طرابلس وجوارها، تلك الجولات العنيفة التي ارتدت لباساً طائفياً ومذهبياً دخيلاً على عادات وتقاليد مدينة كانت مثال السلام والعيش المشترك، إلا أن التعبئة البغيضة التي قامت بها الأطراف المتصارعة لم تجد مكاناً لتنفيسها إلا على حساب الفقراء في المناطق الشعبية، تعبئة وتحريض وحقن أتقنتها القوى السياسة فأحدثت انقسامات عامودية وأفقية ما تزال تداعياتها وارتداداتها قائمة حتى اليوم، وبالرغم من أن الدولة اللبنانية سعت لإزالة آثار الحرب الأهلية في مختلف المناطق اللبنانية إلا أنها أبقتها ماثلة للعيان في مدينة الفيحاء، وبينما نعمت تلك المناطق برغد العيش بقيت طرابلس غارقة في الفقر والحرمان والتهميش، وحرمت العاصمة الثانية من المشاريع الحيوية التي يمكن لها أن توفر فرص عمل وأن تدير عجلة الاقتصاد في المدينة التي كانت يوماً ما الأكثر انتعاشاً وحيوية، وكانت بوابة لبنان على العالم، ولكنها في العقود الماضية تحولت إلى عشوائيات وأحزمة بؤس وخاصة في المناطق الشعبية. ولا شك أن القيادات السياسية الطرابلسية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عما وصلت إليه المدينة من أحوال سيئة، وكذلك الأمر بالنسبة للأحزاب والقوى ومؤسسات وجمعيات المجتمع المدني والفئات الوسطى من نقابية ومهنية وغير ذلك، فالمسؤولية مشتركة وهي تقع أيضاً على الإدارات البلدية والأفراد وحتى وسائل الإعلام لما لهذه الأخيرة من تأثير كبير في مختلف المجالات، فالكثير من وسائل الإعلام ساهمت في إلباس طرابلس صفات التطرف والإرهاب ونأت بنفسها عن تسليط الأضواء على كل المظاهر الإيجابية التي كانت تشهدها المدينة، حتى أن الكثير من اللبنانيين صاروا يخافون من القدوم إلى طرابلس لا بل يحذّرون اللبنانين من الذهاب إليها! وبينما يتخبط المحيط العربي بأزمات وأحداث دامية، ويقبع لبنان فوق صفيح ساخن، وبينما يسعى المسؤولون اللبنانيون لتجنيب لبنان ارتدادات ما يحصل في العديد من البلدان العربية إلا أن طرابلس ما تزال خارج حساباتهم وكأنهم يتركونها لتبقى صندوقة بريد يمكن استخدامها لتطيير أو إيصال رسائل من هنا وهناك، كما كان يحصل خلال ست سنوات عجاف مرت بها المدينة ما بين عامي 2008 و2014، فأينما غيمت كانت تمطر في طرابلس، ولا تزال ذاكرة الطرابلسيين تدرك كم كان يُصار إلى تفجير الاقتتال في المدينة إذا ما وقع خلاف بين القوى السياسية على تشكيل حكومة أو على بيان وزاري… فإذا بجولات العنف تندلع فجأة ثم تتوقف فجأة والضحية طرابلس، ومن يدفع الثمن أبناء المدينة.
وحتى منذ العام 1975 ولغاية اليوم كانت طرابلس هي من يدفع الغرم ولم تكن شريكة يومياً بالغنم خلافاً لكل القواعد والأعراف. وبالرغم من استتباب الأمن في المدينة منذ تنفيذ الخطة الأمنية في مطلع نيسان 2014، وبالرغم من انهيار المتاريس والجدران التي كانت تفصل ما بين أبناء المدينة الشركاء في الفقر والحرمان والتهميش إلا أن طرابلس لم تنعم بالعافية ولم تشهد انتعاشاً في أوضاعها الاقتصادية والتجارية والمعيشية، وما تزال غارقة بالانقسامات والخلافات السياسية من جهة وبقصور المجتمع المدني من جهة ثانية، وبإحجام الطبقة المثقفة عن لعب دورها من جهة ثالثة، وباختصار النقابات والاتحادات العمالية من جهة رابعة، وبموت الشارع على المستوى الشعبي من جهة خامسة، إزاء هذه الصورة القاتمة التي يطغى سوادها على المدينة لا بد من الدعوة إلى مؤتمر وطني طرابلسي يجمع كل الأطياف يكون عنوانه تحصين طرابلس ويعمل على جمع شمل أبنائها، ويؤسس لاستنهاضها اقتصادياً واجتماعياً وصحياً، ويجنبها الآفات التي تفتك خاصة بشريحة الشباب، مؤتمر يضع ميثاق شرف بعدم اللجوء إلى العنف والتحريض والتعبئة والاصطفافات السياسية وغير السياسية، على أن تكون مصلحة طرابلس فوق كل الاعتبارات والحسابات الشخصية الضيقة، هذه الدعوة نابعة من الإحساس بالمسؤولية والخوف على المدينة من الانزلاق نحو الأسوأ، ليس على المستوى الأمني لأننا ندرك حرص القوى العسكرية والأمنية على الأمن والأمان، بل على المستوى الاجتماعي والمعيشي، إذ أن الفقر والآفات عوامل مدمرة ومعاول هدامة.
هذه الدعوة لعقد مؤتمر طرابلسي نابعة أيضاً من إدراكنا أن الطرابلسيين يحبون مدينتهم، يحبون الحياة، يحبون السلام، يحبون العيش بكرامة وعنفوان، ويحبون أن تعود المدينة إلى عاداتها وتقاليدها وتاريخها الساطع بالعلم والرفاهية ورغد العيش، فهل من مجيب… نأمل ذلك.