قراعلي إلى دولة الرئيس نواف سلام: الدولة أضاعت ملفّنا… لكنها تعرف طريقها إلى مشروعنا
الشمال نيوز – عامر الشعار

قراعلي إلى دولة الرئيس نواف سلام: الدولة أضاعت ملفّنا… لكنها تعرف طريقها إلى مشروعنا
د. مصطفى قراعلي
دولة الرئيس نواف سلام،


حكومتكم لم تبدأ قضية مربط المشرق العربي في كفرقاهل، لكنها اليوم مسؤولة عن حسمها.
منذ أربع سنوات، يتعرّض مشروعنا للتعطيل، وتتنقّل معاملتنا بين الإدارات، فيما تتحرّك القوى الأمنية لوقف العمل في الموقع. ونرى أن أصحاب النفوذ يقفون وراء هذه التدخّلات، تارةً عبر المجلس البلدي، وتارةً عبر اتصالات مباشرة بجهات داخل الأجهزة الأمنية، وفق المعلومات والتسجيلات التي بحوزتنا. والمفارقة أن ملفّ تعديلاتنا الهندسية، المسجّل رسميًا في محافظة الشمال، اختفى من أرشيفها.
الدولة لا تجد معاملتنا، لكنها تعرف الطريق إلى أرضنا.
لسنا أمام مشروع ينتظر أن يبدأ، بل أمام استثمار لبناني أسترالي اكتملت أعماله الخرسانية، ولم يبقَ سوى الطلاء وتلبيس الحجر وتنسيق الموقع ومظلّات ملاعب الخيول ومساحات الاستراحة الخارجية المظلّلة.
اخبار لبنان
وتتجاوز أهمية المربط الاستثمار الخاص؛ فقد بدأنا التعاون مع جمعية تأهيل وتربية الخيول في عكار، برئاسة الشيخ أحمد المراد وبرعاية محمود حدارة، وأهديناها حصانًا عربيًا أصيلًا لتحسين النسل. وبما نملكه من خيول عربية من أرفع السلالات العالمية، نطمح إلى تعزيز حضور لبنان في عروض جمال الخيل الدولية وإنشاء عيادة متخصصة بنقل الأجنّة لخدمة مربّي عكار وسائر لبنان.
ورغم مراجعاتنا الإدارية والقضائية ومناشدتنا الرئيس جوزاف عون علنًا في شباط الماضي، بقيت القضية بلا حلّ. لقد انتهى زمن الانتظار المفتوح. نحن مصمّمون على استكمال مشروعنا وافتتاحه، ونضع القضية أمام حكومتكم اختبارًا عمليًا لوعود الإصلاح.
من الترخيص إلى رومية: حين يتحوّل النزاع إلى ملاحقة أمنية
بدأنا مشروعنا عام 2022 على أرض مساحتها أربعون ألف متر مربع لإنشاء خمسة مبانٍ. لكن رئيس البلدية السابق، العميد المتقاعد نزار عبد القادر، رفض توقيع رخصة البناء حتى دفعنا للمجلس البلدي عشرين ألف دولار تحت مسمّى “تبرّع”. وعندما رفضنا دفع المزيد مما اعتبرناه “خُوّة”، سحب الرخصة وأعلن الموقع “ورشة موقوفة”.
وقبل أحداث رومية، تدخّل المحافظ السابق رمزي نهرا، وأُرغمنا على دفع خمسين ألف دولار عبر وسيط مقابل وعود بتسهيل معالجة الملف. وقد أدلينا لاحقًا بشهادتنا بشأن هذه الواقعة في التحقيقات، لكن التعطيل استمرّ.
وفي عام 2023، بلغ التصعيد حدّ أن اتهم عبد القادر عائلتنا علنًا بأننا “مقاتلون إسلاميون متطرّفون” نهدّد السلم الأهلي. ونرى أنه سخّر نفوذه الأمني، بصفته عميدًا متقاعدًا، فزُجّ بنا ظلمًا في سجن رومية ستة أسابيع. لكننا طعنّا في الحكم الأول أمام محكمة التمييز العسكرية، وقدّمنا أدلة دامغة أسقطت الاتهامات، فانتزعنا البراءة وخرجنا من رومية.
ملفّ رسمي اختفى في الدولة
لكن البراءة لم تضع حدًّا للتعطيل؛ فقد استمرّت المماطلة والتدخلات الأمنية، رغم سلوكنا المسار الرسمي لمعالجة التعديلات الهندسية.
تابعنا الملف مع التنظيم المدني، بدءًا من عهد المدير العام السابق إلياس الطويل، الذي تعامل معه بمهنية، ثم تابعنا خلال تولّي علي رمضان الإدارة بالإنابة. ووفق المستندات التي بحوزتنا، استوفى الملف المتطلبات الهندسية والتنظيمية، وحصل على موافقات وزارتَي الزراعة والبيئة.
وفي شباط 2024، أُحيل ملفّ التعديلات إلى محافظة الشمال لاستكمال إجراءات تسلّمه وتسديد الرسوم ومتابعة رفع وقف الورشة. ولدينا رقم إرساله عبر ليبان بوست، ورقم تسجيله في المحافظة، والمخططات والمراسلات.
راجع مهندسنا المحافظة مرتين لاستلام الملف؛ وفي المرتين كان الجواب: “لا أثر للمعاملة في الأرشيف”، رغم تأكيد المعنيين في المحافظة أنهم تسلّموه رسميًا. فأين الملف، وكيف يختفي بعد تأكيد استلامه؟
ولم يؤدِّ انتقال المسؤولية عام 2025 من رمزي نهرا إلى إيمان الرافعي، قائمقام زغرتا التي تولّت مهام محافظ الشمال بالإنابة، إلى معالجة الأمر.
ولا يزال المجلس البلدي الحالي، برئاسة أسعد محفوظ، يستند إلى قرار “ورشة موقوفة” الصادر في عهد نزار عبد القادر، حتى في شأن مظلّة بسيطة للعمّال. وإذا أصرّ المجلس الجديد على التمسّك بقرار سلفه من دون مراجعة الوقائع، فسيصبح مسؤولًا عن استمرار التعطيل، لا مجرد وارثٍ لقرار سابق.
أما التدخّل الأمني الأخير، فتشير المعلومات والتسجيلات التي بحوزتنا إلى اتصالات هاتفية مباشرة بقيادة الدرك، وتحديدًا بمكتب العميد جان عواد. فمن طلب تحريك القوى الأمنية، وبأي صفة ولحساب مَن؟
كيف تستطيع الدولة تحريك أجهزتها إلى الموقع، لكنها تعجز عن تتبّع معاملة تحمل رقمًا رسميًا في سجلاتها؟
الطائفية السياسية: حين يتحكّم النفوذ بالإدارة
اقرأ في السياسة
ما جرى ليس مجرد أخطاء إدارية متفرّقة، بل نمط من التعطيل تتقاطع فيه المصالح السياسية والإدارية والاقتصادية، ويدفع المستثمر المستقل نحو الوسيط السياسي الذي رفض الخضوع له.
في عام 2023، اجتمع نواب الكورة الثلاثة في منزل رئيس البلدية السابق نزار عبد القادر، وأعلنت البلدية دعمهم لإجراءاتها باسم “العيش المشترك والسلم الأهلي”. وكان بينهم النائب أديب عبد المسيح، الذي نضع دوره وعلاقاته السياسية ضمن الأسئلة عن استمرار التعطيل.
وجرى تصوير استثمار عائلة طرابلسية في كفرقاهل، البلدة الكورانية القريبة من طرابلس، مسألةً تمسّ التوازنات المحلية، مع أننا اشترينا الأرض أصلًا من مالك طرابلسي. وهكذا تحوّل نزاع إداري إلى قضية طائفية.
سياسيًا، كان المحافظ السابق رمزي نهرا محسوبًا على جبران باسيل، فيما تولّى علي رمضان التنظيم المدني بالإنابة ضمن منظومة نفوذ مرتبطة بنبيه بري. ونرى أن تولّيه أدخل الملف في الحسابات السياسية بدل متابعة المسار الذي بدأ في عهد إلياس الطويل.
أما اختفاء الملف، رغم إحالته وتسجيله رسميًا في عهد نهرا، فأبلغت به المحافظة مهندسنا مرتين. وما تكشّف لنا يدفعنا إلى اتهام نهرا ورمضان صراحةً بالتنسيق لتعطيل معاملتنا، وصولًا إلى إخفائها عمدًا من السجلات الرسمية.
المصالح الاقتصادية: من يستفيد من التعطيل؟
بينما ظلّ مربط المشرق العربي معطّلًا، ظهرت في الفترة نفسها أنشطة الخيل العربية في زغرتا، وبرز مركز “شاها” المرتبط بباسل فرنجية، ابن سليمان فرنجية، فيما تحدّث طوني فرنجية عن تطوير القطاع والتواصل مع العالم العربي.
ويبرز ندرة حمية، منظّم بطولة جمال الخيل العربي لآل فرنجية في بسبعل، الذي تربطه قرابة وعلاقة وثيقة بعلي حمية، وزير الأشغال العامة والنقل السابق، الذي كانت المديرية العامة للتنظيم المدني تتبع لوزارته خلال الفترة التي شهدت تعطيل معاملتنا. وظهر ندرة إلى جانب سليمان فرنجية، رئيس تيار المردة والحليف التاريخي لنظام الأسد في لبنان.
اخبار لبنان
أما مشروعنا، فلا يقتصر على المنافسة الدولية؛ فنعتزم إنشاء أول عيادة متخصّصة بنقل أجِنّة الخيول في لبنان، والتبرّع عبر جمعية تأهيل وتربية الخيول في عكار بأجنّة من أبوين عربيين أصيلين مسجّلين في سجلات معترف بها من المنظمة العالمية للجواد العربي (WAHO) ، لتحملها أفراس المربّين المحلية الحاضنة وتلد مهورًا عربية أصيلة موثّقة الأنساب، وفق شروط التسجيل. ونخطط لتوسيع المبادرة إلى مربّي سائر لبنان لرفع قيمة إنتاجهم وفتح فرص اقتصادية جديدة.
لا ننازع أحدًا حقّه في الاستثمار، لكننا نرفض استهداف مشروعنا ومحاولات إقصائنا من المنافسة. فقد ظهر طوني فرنجية أمام الكاميرات عام 2023 مطالبًا الدولة بإنزال أشدّ العقوبات بآل قراعلي. وفي ظلّ هذا التصعيد، استمرّ خنق المربط إداريًا وأمنيًا، بينما توسّعت أنشطة منافسة مرتبطة بمراكز النفوذ نفسها. ونرى في هذا التسلسل شبهةً جدّية بتسخير مؤسسات الدولة لتعطيل استثمار مستقل وإقصائه من السوق.
فمن حرّك الإدارة والأمن لتعطيل مشروعنا، ولمصلحة مَن؟ وكيف تتلاقى مراكز قوى متباينة طائفيًا في مواجهة مشروع لا يخضع لقنواتها؟
هذه هي الطائفية السياسية في ممارستها اليومية: حين تتحوّل الحصة الطائفية إلى نفوذ إداري مشترك، والنفوذ الإداري إلى قدرة على تعطيل المنافسة، تصبح المحاصصة أداة لخنق الاقتصاد، لا مجرد وسيلة لتقاسم السلطة.
اقرأ في السياسة
دولة الرئيس: الإصلاح يبدأ مشروعًا بعد مشروع
دولة الرئيس نواف سلام،
لا نطلب استثناءً من القانون ولا وساطة زعيم. نطالب حكومتكم باستعادة ملفّ التعديلات أو إعادة تكوينه، والتحقيق في اختفائه وتحديد المسؤولين عن تعطيله ومحاسبتهم، وحسم وضع التراخيص وقرار وقف الورشة بقرار رسمي معلّل، يتيح استكمال المشروع وافتتاحه وفق القانون.
وكما تواجه حكومتكم تحدّي حصرية السلاح واستعادة القرار الأمني للدولة، فإن أمامها تحدّي تحرير القرار الإداري من قبضة المحاصصة والنفوذ. ففي كفرقاهل تتحرّك الأجهزة الأمنية وتختفي معاملة رسمية ويبقى الاستثمار معطّلًا.
فأيّ إصلاح يمكن أن يصدّقه اللبنانيون إذا عجزت الدولة عن حسم قضية موثّقة كهذه؟
اخبار لبنان
الإصلاح يبدأ مشروعًا بعد مشروع، ومعاملةً بعد معاملة، حين تستعيد المؤسسات قرارها من شبكات النفوذ، لا حين يبقى شعارًا يُرفع في الخطب أو وعدًا حبرًا على ورق. وقضيتنا تكشف كيف تتحوّل الطائفية السياسية، التي جعل اتفاق الطائف إلغاءها هدفًا وطنيًا، من تقاسم المناصب إلى سلطة تتحكّم بالإدارة والاقتصاد وحقوق المواطنين.
لقد دفعنا من أموالنا وأعمارنا وسمعتنا ثمنًا باهظًا، ولم نأتِ من الاغتراب لنلتمس حماية زعيم كي نستثمر في وطننا.
نحن مصمّمون على استكمال مربط المشرق العربي وافتتاحه. انتهى زمن الانتظار المفتوح. لن نقبل بملفّ “ضائع” بلا مساءلة، ولا بورشة “موقوفة” بلا حسم، ولا بمشروع يبقى رهينة النفوذ والمماطلة. القضية اليوم أمام حكومتكم، دولة الرئيس: نريد قرارًا ومحاسبة، لا وعدًا جديدًا بالإصلاح. فما ورثته حكومتكم من تعطيل بات اليوم مسؤوليتها عن حسمه أمام اللبنانيين.
اقرأ في السياسة
دكتوراه في تاريخ وفلسفة العلوم، محاضر سابق في جامعة هارفارد، ومؤسس مبادرة طرابلس أولًا