مقالات مختارة

بين جهد الانفصال وحروب الاتصال

الشمال نيوز  – عامر الشعار

كتب عارف العبد – المدن

بالرغم من تمكن لبنان، بمسعى ومؤازرة الولايات المتحدة الأميركية، من فصل ورقته أو ملفه التفاوضي عن ملف التفاوض الإيراني الأميركي المتصل بمحادثات إسلام آباد، إلا أن لبنان الرسمي فوق كل الوعود التي أُغدقت عليه وزينت له الأمر، لم ينجح ولم يتمكن حتى الآن، من وقف الحرب أو وقف إطلاق النار، أو قبض ثمن تركه مفاوضات “الميكانيزم” في الناقورة، أو كبح إسرائيل ووضع حد لتغولها وإهانتها له، على وجه التحديد في الجنوب بشكل خاص وباقي مناطق لبنان.

اليد العليا والمتمادية لإسرائيل لم تتوقف أيضاً عن الضرب أينما أرادت ومتى اختارت، وحتى في الدول التي يفترض أنها أقرب إلى الولايات المتحدة، أكثر من أي وقت مضى، وتعد من الدول الحليفة لها، أو المحسوبة عليها. وصولاً إلى قصف مناطق ومواقع في سوريا، التي باتت تضرب وتقصف كلما خطر على بال الجيش الإسرائيلي تنفيذ طلعات قتالية تدريبية أو انتقامية أو احترازية، عبر عمليات هجومية كلما شك الجيش الإسرائيلي في حركة ما تجري هناك، بدليل قصف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب، لاعتقاده أنه احتوى على قوات أو خبراء أتراك في هذا المطار.

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي أمل بزيارته واشنطن واجتماعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن يعود بهدية ثمينة من خزائن البيت الأبيض، عاد بوعود كبيرة لم يتحقق منها إلا بالكاد توقف قصف مدينة بيروت، والبدء بتجريب المنطقة التجريبية في بلدة زوطر الغربية، بعد أن دمرت إسرائيل أغلبها ولا تزال بعض الأحيان تعربد فيها، فيما يستمر جيشها في عمله وإجرامه بأقصى قوة في باقي مناطق الجنوب والبقاع بشكل هستيري ومتصاعد.

قصف مدينة بيروت أساساً لم يتوقف بسبب الجهود أو الضغوط الأميركية على إسرائيل، من أجل لبنان، بل بجانب كبير منه بسبب المواجهة مع إيران، ومحاولة ضبط عملية التقاصف والتراشق العسكري والصاروخي العابر للبلدان في المنطقة ومن فوق دول الخليج.

لهذه الأسباب وتفاقم الأجواء المتآكلة والمراوحة والمهترئة والمتداخلة، حزم الرئيس جوزاف عون حقيبته ويمم وجهه شطر إيطاليا وحاضرة الفاتيكان، على أمل جني أكبر كمية من الدعاء والرضى البابوي، بعد أن نفد المخزون الذي تحصل بفعل زيارة قداسة الحبر الأعظم لاوون الرابع عشر إلى لبنان.

لزيارة رئيس الجمهورية إلى إيطاليا أهمية ليست عابرة أو قليلة الأثر، فالرئيس عون يستنجد بالبابا لاوون الرابع عشر على طريقة (أنا العبد الفقير بين يديك انقذني يا أبتاه) لاستخدام ومحاولة الاستفادة قدر الإمكان من تأثير البابا المعنوي والسياسي، وبكل ما يستطيع محاولة مساعدة لبنان في هذه المحنة.   

كما أن زيارة الرئيس عون إلى إيطاليا والفاتيكان، هي بمثابة اعتراف ضمني خجول بأن وضع كل الأوراق اللبنانية بيد أميركا ليس منطقاً حكيماً دائماً، وأنه بالإمكان إلى جانب أميركا، الاستفادة من أطراف دولية أخرى للمساعدة في تخفيف الكلفة المرتفعة والبهدلة الدائمة، أو محاولة الضغط على إسرائيل، عبر زيادة التقرب من القوى التي قد تتفهم لبنان في أوروبا، وحثها على ضرورة مساعدته وتفهم مشكلاته. 

توقف كثر في هذا السياق أمام الكلام الذي صدر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، عقب اجتماعه بوفد من “مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان” واعتباره “أن الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة ورئيسها الرئيس دونالد ترامب الوحيد الذي باستطاعته إلزام إسرائيل بإنهاء حربها، ووقف النار والانسحاب إلى الحدود الدولية في الجنوب. حينها، أضمن انتشاراً فورياً للجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني، وأن يكون الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة الحافظة للأمن، والذي وحده يملك السلاح في تلك المنطقة. وهي منطقة من حق أهلها العودة إليها وإعادة إعمارها. وهم تواقون لرؤية الجيش اللبناني حافظاً لأمنهم واستقرارهم”.

فُسر هذا الكلام، أنه بمثابة عرض بالتخلي عن السلاح مقابل الانسحاب في منطقة جنوب الليطاني، مع إضافة عبارات الإطراء للرئيس الأميركي دونالد ترامب، علها تساهم في فتح مجال للبحث الجدي للخروج من المأزق.

الظاهر أن إسرائيل ماضية في حربها، وتنفيذ ما بدأت به بعد طوفان الأقصى، أي إقامة مناطق أمنيه عازلة حول حدودها، التي كانت قائمة ما قبل أكتوبر 2023.

الدليل على هذا التوجه محاولة توسيع المنطقة الصفراء العازلة المستحدثة في جنوب لبنان، ومدها وتوسيعها إلى مناطق شمال الليطاني، بما فيها تلة علي الطاهر، وبعدها جبال الريحان وتومات نيحا وربما مناطق أخرى في البقاع.

وقد أتت عملية قصف مطار أبو الظهور العسكري السوري في منطقة ريف إدلب، لتؤكد الحرص الإسرائيلي على استخدام ورقة المبالغة في التشدد حتى مع سوريا، حتى لو كانت سلطتها الجديدة تنمو وتزدهر وتتقدم برعاية دونالد ترامب وموفده توم براك.

 لمعرفة حقيقة المواقف واتجاهاته، من الحكمة عدم إهمال كلام السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، وتحديداً في عين التينة على مدخل منزل الرئيس بري، حين قال “المطلوب معروف وهو نزع سلاح حزب الله، فتتوقف الأمور ويعم الهدوء”. 

في المقابل، قابله بالصراحة والوقاحة المماثلة “التوريطية” نفسها وعلى المستوى ذاته، ما أعلنه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي قال إنه على اتصال مستمر مع المقاتلين والمجاهدين على الخطوط الأمامية في لبنان. مما يعني أن هذا الكلام جاء بمثابة رد على مواقف أميركا وإسرائيل، للقول إن يدنا على الزناد في لبنان، ونحن الذين نطلق النار والصواريخ وقادرون على وقفها وتصعيد رميها. 

بكل بساطة، هي حرب ومواجهة أميركية إيرانية على أرض لبنان والخليج ومضيق هرمز وباب المندب والعراق وكل المنطقة، بدليل زيارة قاليباف العراق ومحاولة فرملة توجهات وقرارات حصر السلاح العراقي بيد الدولة في بغداد، والتي أطلقها رئيس الحكومة العراقية الجديد الحالي علي الزيدي.

هل سينجح الحكم اللبناني في تجميع أوراق ضغط وقوى أوروبية وغربية وعربية، داعمة له بهدف انتزاع تنازلات من بنيامين نتنياهو قبل الانتخابات المتوقعة، والتي بات وضعه فيها حساساً ومعقداً، في ظل تنامي وصعود اليمين الصهيوني والاتجاهات الدينية المتطرفة؟

أم أن حرب الاستيلاء على موقع وتلة علي الطاهر ستسبق الجميع وتطيح بالهدوء النسبي الحالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى