الغول الدستور اللبناني حسمها بأن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها
الشمال نيوز – عامر الشعار

الغول الدستور اللبناني حسمها بأن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها
كتب المحامي علي الغول على صفحته الرسمية أنه في خضم السجال الذي رافق جلسة مجلس النواب الأخيرة حول قانون العفو العام، برزت محاولة تصوير موقف رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وكأنه استهداف لوزير الدفاع ميشال منسّى أو رغبة في إسكاته أو الانتقاص من موقعه أو دوره .
والواقع الدستوري والقانوني يقول فهماً آخر.
المسألة ليست مسألة شخص في مواجهة شخص، ولا وزير في مواجهة رئيس حكومة، ولا هي صراع صلاحيات أو مواقع. المسألة ببساطة تتصل بمبدأ دستوري جوهري: هل للحكومة موقف واحد تتحدث باسمه، أم يصبح لكل وزير أن يقدم أمام مجلس النواب موقفاً حكومياً مستقلاً؟
الدستور اللبناني حسم جانباً أساسياً من هذه المسألة في المادة 64، عندما نص صراحة على أن:
«رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم باسمها».
وهذا النص ليس عبارة بروتوكولية ولا وصفاً شرفياً لرئيس الحكومة، بل هو تحديد دستوري لوظيفته في تمثيل الحكومة والتعبير عن موقفها الرسمي، فضلاً عن كونه مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء.
وفي المقابل، نصت المادة 65 من الدستور على أن السلطة الإجرائية تناط بمجلس الوزراء، وأنه هو الذي يضع السياسة العامة للدولة ويتخذ القرارات اللازمة لتطبيقها، كما أنه السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة.
وهنا تكمن القاعدة الأساسية:
السياسة العامة هي سياسة مجلس الوزراء، والحكومة هي حكومة واحدة، ورئيس مجلس الوزراء هو الذي يمثلها ويتكلم باسمها.
أما الوزير، فله بلا شك مركزه الدستوري واختصاصه ومسؤوليته، وقد أكدت المادة 66 أنه يتولى إدارة مصالح الدولة وتطبيق القوانين والأنظمة في ما يعود إلى إدارته، كما أن المادة 67 أعطته حق حضور جلسات مجلس النواب وحق الكلام عندما يطلبه.
لكن حق الوزير في الكلام لا ينبغي أن يُفسَّر بأنه حق في إنشاء موقف حكومي ثانٍ موازٍ أو متعارض مع الموقف الذي تعبر عنه الحكومة بواسطة رئيسها.
فثمة فرق دستوري واضح بين:
حق الوزير في أن يتكلم بصفته وزيراً وفي نطاق اختصاصه،
وبين:
حقه في أن يتحدث باسم الحكومة أو أن يقدم موقفاً آخر على أنه موقف الحكومة.
الأول ثابت بالدستور.
أما الثاني، فقد أناطه الدستور برئيس مجلس الوزراء بصفته ممثلاً للحكومة والمتحدث باسمها.
ومن هنا، فإن القول إن رئيس الحكومة أراد «إسكات» وزير الدفاع ليس توصيفاً دقيقاً بالضرورة ، فالمقصود، وفق هذا الفهم الدستوري، ليس إسكات الوزير ولا مصادرة رأيه ولا الانتقاص من مكانته، وإنما الحؤول دون تعدد الأصوات الرسمية باسم الحكومة الواحدة أمام السلطة التشريعية.
ولا يجوز أن يتحول مبدأ التضامن الوزاري إلى شعار سياسي، بل يجب فهمه في سياقه الدستوري فالوزراء يتحملون مجتمعين مسؤولية سياسة الحكومة العامة أمام مجلس النواب، وتبقى الحكومة في مواجهة السلطة التشريعية وحدة دستورية وسياسية واحدة.
كما أن النظام الداخلي لمجلس الوزراء نفسه يكرس مبدأ التضامن الوزاري، بما يؤكد أن القرار الحكومي، بعد صدوره وفق الأصول، هو قرار الحكومة وليس قرار كل وزير على حدة.
ومن ثم، فإن موقف رئيس الحكومة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره رغبة في إلغاء دور وزير الدفاع أو مصادرته، بل باعتباره تمسكاً بوحدة القرار الحكومي ووحدة الخطاب الحكومي.
أما إذا كان المطلوب نقل موقف المؤسسة العسكرية أو المعطيات الفنية والأمنية المتصلة باختصاص وزارة الدفاع، فهذا أمر يمكن تنظيمه ضمن الأطر الدستورية والمؤسساتية المناسبة، ولا يتعارض مع مبدأ أن المتحدث عن موقف الحكومة كحكومة هو رئيسها.
والأهم من ذلك كله أن لبنان، بعد اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي كرستها وثيقة الوفاق الوطني، لم يعد يحتمل أن تتحول كل ممارسة دستورية إلى مناسبة لإعادة إنتاج منطق «الميثاقية» بمعنى التعطيل أو استخدام الانتماء الطائفي كحق اعتراض دائم على عمل المؤسسات.
الميثاقية الدستورية ليست حق فيتو طائفي، والطائف لم ينشئ دولة الطوائف المتقابلة، بل أعاد تنظيم السلطة على قاعدة المؤسسات والتوازن والتعاون والمشاركة ضمن الدستور.
والتوازن الطائفي الذي كرسه الدستور أمر مهم ، ولكن تحويل الطائفة أو الموقع الطائفي إلى أداة لتعطيل قرار الحكومة أو تشريع مجلس النواب أمر آخر تماماً.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق:
«هذه حصتي، وهذا موقفي، وهذا حق طائفتي»
إلى منطق:
«هذا هو الدستور، وهذه هي صلاحية المؤسسة، وهذا هو القرار الذي تتخذه السلطة المختصة وفقاً للأصول».
فلا رئيس الحكومة فوق الدستور، ولا الوزير فوق الدستور، ولا أي طائفة فوق الدستور، ولا أي موقع سياسي أو عسكري أو طائفي يمكن أن يحل محل المؤسسات الدستورية.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم موقف رئيس الحكومة على أنه دفاع عن مبدأ مؤسساتي لا عن امتياز شخصي وهو أن تكون هناك حكومة واحدة، وسياسة عامة واحدة، وموقف حكومي واحد، ومتحدث باسم الحكومة تحدده أحكام الدستور.
وهذا لا ينتقص من وزير الدفاع، ولا من دوره، ولا من كرامته، ولا من حقه في إبداء رأيه داخل الأطر الدستورية ، بل على العكس، إنه يعيد وضع كل مسؤول في موقعه الدستوري الصحيح.
لبنان لا يحتاج اليوم إلى وزراء صامتين، كما لا يحتاج إلى وزراء حكومات مستقلة داخل الحكومة.
هو يحتاج إلى وزراء أصحاب رأي واختصاص، وإلى حكومة موحدة في قرارها، وإلى رئيس حكومة يمارس صلاحياته الدستورية، وإلى مجلس نواب يمارس دوره التشريعي والرقابي، وإلى الجميع تحت سقف الدستور.
أما زمن استخدام الميثاقية كذريعة لتعطيل المؤسسات، أو تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع طائفي، فينبغي أن يكون قد انتهى.
فالدستور هو الميثاق، والمؤسسات هي الحَكَم، والقانون هو المرجع، ووحدة الدولة يجب أن تكون فوق كل اعتبار .