كميل مراد… شهادةُ حقٍّ في رجلٍ عُرف بالمروءة وخدمة الناس
الشمال نيوز – عامر الشعار
كميل مراد… شهادةُ حقٍّ في رجلٍ عُرف بالمروءة وخدمة الناس…

كتب وحدي الحاج .. أم ألقى راسنحاش
في زمنٍ اختلطت فيه المواقف بالمصالح، وأصبح الثناء عند كثيرين مرهونًا بالمنفعة، والنقد أسيرَ الخصومة، يبقى الإنصاف خُلُقًا نادرًا، يقتضي أن يُذكر أهل الفضل بفضلهم، وأن تُقال كلمة الحق دون زيادةٍ ولا نقصان، وأن يُنصف أهل المروءة بما عُرفوا به من كريم الخصال. فذكر محاسن الناس ليس تملقًا ولا تزلفًا، بل هو من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، ومن الوفاء الذي يحفظ للناس جميل صنيعهم. وقد قيل إنّ من فوائد الثناء على أهل الفضل أنه يزيد فاعل الخير إقبالًا على الخير، لا لأنه ينتظر مدحًا أو شكرًا، بل لأن الكلمة الطيبة تشجّع النفوس الكريمة على الاستمرار في البذل والعطاء.
لقد رفع الإسلام من شأن الإحسان وقضاء حوائج الناس، فقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وكان رسول الله ﷺ المثال الأكمل في البذل والعطاء، حتى وصفه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بقوله: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان يحث أمته على نفع الخلق، ويقول: أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس.
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى والله أعلم بالسرائر، أنّ الحاج أبو عبدالله هو واحد من الرجال الذين اقترن اسمهم في أذهان كثيرين بالشهامة، والكرم، وحب الخير، والسعي في قضاء حوائج الناس، حتى غدا مقصدًا لمن يرجو المشورة، أو يسعى إلى إصلاح، أو يأمل في تفريج كربة،.
وقد جمعتني به مجالس وشواهد كثيرة تؤكد هذا الحال، فكان مما استوقفني في مجالسنا أنّ هاتفه لم يكن يكاد يهدأ من اتصالات الناس، من مختلف المناطق اللبنانية، يعرضون عليه قضاياهم، ويضعون بين يديه مشكلاتهم، فيصغي إليهم بصدرٍ رحب، ويبذل ما في وسعه للمساعدة وإيجاد الحلول ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، دون ضجيج أو استعراض، بل بروحٍ ترى في خدمة الناس مسؤوليةً قبل أن تكون فضلًا.
وأستذكر في هذا المقام يوم رافقته إلى لقاءٍ مهيبٍ للعشائر العربية في لبنان، انعقد في البقاع بدعوةٍ كريمة من هذه العشائر، فكان المشهد شاهدًا على مكانته في نفوس الحاضرين. وما إن وصلنا حتى استُقبلنا استقبالًا حافلًا يليق بكبار الرجال، وتوافد شيوخ العشائر ووجهاؤها من مختلف المناطق للسلام عليه والترحيب به، في صورةٍ عكست عمق المحبة والتقدير اللذين يحظى بهما.
فهذا يُلحّ عليه أن يشرّف حفل زفاف ابنه بحضوره، ويقسم عليه ألا يعتذر، وذاك يقف بين الحضور معددًا مآثره ومواقفه المشرفة، وآخر يحتضنه بحرارة، مهللًا بقدومه، ويؤكد عليه أن يخص عشيرته بزيارةٍ قريبة. ولم تكن تلك المواقف كلمات مجاملة تُقال في المناسبات، بل كانت مشاهد رأيتها بعيني، عكست ما يكنّه له هؤلاء الرجال من تقديرٍ واحترام، وهي محبة لا تُنال بالخطب الرنانة، وإنما تُكتسب بصدق المواقف، وحسن المعاملة، وخدمة الناس.
ولست أكتب هذه الكلمات على سبيل المجاملة، ولا انطلاقًا من انتماءٍ أو مصلحة، وإنما لأن الإنصاف يقتضي أن تُذكر الحسنات كما تُذكر الأخطاء، وأن يكون ميزاننا واحدًا؛ فمن أحسن استحق الثناء، ومن أخطأ استحق النصح والنقد بالحق، فالعدل لا يتجزأ، وهو ميزان المؤمن في كل أحكامه ومواقفه.
فالرجال، مهما علت مكانتهم، ليسوا فوق النقد إذا أخطؤوا، كما أنهم يستحقون الثناء إذا أحسنوا. وليس من الوفاء أن نبخس الناس فضائلهم خشية أن يُساء فهمنا، كما أنه ليس من العدل أن نغض الطرف عن الخطأ بدافع المحبة أو القرب، وإنما الموقف الشريف أن نقول كلمة الحق حيث ينبغي أن تُقال، ثناءً عند الإحسان، ونصحًا عند التقصير.
كما وأقول هذه الكلمات لا لأن بيني وبينه مصلحة، ولا لأنني يومًا قصدته في حاجةٍ تخصني؛ فالحمد لله الذي وسّع عليّ من فضله، وأغناني عن سؤال الناس، وإنما لأن الإنصاف خُلُق، وذكر محاسن الناس من شيم الكرام. وقد قال رسول الله ﷺ: من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ومن الظلم أن نرى المعروف ثم نصمت عنه، أو نشهد الفضل ثم نبخل بذكره.
ولعل من حسن المصادفات أن هذه الكلمات تُكتب في وقتٍ لا تلوح فيه انتخابات بلدية ولا نيابية في الأفق، حتى لا يظن ظانٌّ أنها دعاية انتخابية، أو حملة تأييد، أو محاولة لاستمالة أحد. فما كتبته ليس إلا دعوة لتقدير كل عمل خير، وشهادةً بما رأيت وعاينت، أرجو بها الإنصاف، وأُحثّه بها على الإستمرار في بذل المُستطاع،ولا أبتغي بها إلا قول الحق كما أعتقده. وإنني، إذ أذكر ما رأيته من محاسن، فإنني لا أزكّي على الله أحدًا؛ فالكمال لله وحده، والسرائر يعلمها علام الغيوب، وإنما هي شهادة إنسانٍ عمّا رآه بنفسه، والله تعالى هو أعلم بعباده.
إن الرجال لا تصنعهم المناصب، ولا تخلّدهم الألقاب، وإنما تصنعهم مواقفهم، ويخلّدهم ما يتركونه من أثرٍ طيب في قلوب الناس. وإذا كان المال يفنى، والجاه يزول، فإن حسن السيرة يبقى، والدعاء الصادق الذي يخرج من قلب صاحب حاجةٍ فُرّجت كربته هو أعظم ما يدّخره الإنسان لنفسه.
مجتمعه.
ختامًا، فإنّ ما سطّرناه في هذا المقال لا يُراد به الانتقاص من قدر أي فاعلٍ للخير في بلدتنا، ولا حصر الفضل في شخصٍ دون آخر، فكلُّ يدٍ امتدت بالخير، وكلُّ سعيٍ صادقٍ في خدمة الناس، يستحق منا التقدير والثناء والدعاء. وما هذه الكلمات إلا شهادةُ حقٍّ في موقفٍ رأيناه، وإنصافٌ نراه واجبًا، دون غلوٍّ أو تزكيةٍ لأحد، فالله تعالى وحده هو العليم بالسرائر.
نسأل الله تعالى أن يبارك في كل فاعل خير في قريتنا ووطننا، وأن يجعل ما يقدّمونه من معروفٍ في ميزان حسناتهم، وأن يديم عليهم نعمة حسن السيرة، ومحبة الناس، والتوفيق إلى كل عملٍ صالح. كما نسأله سبحانه أن يرزقنا جميعًا الإخلاص في القول والعمل، والعدل في أحكامنا، والإنصاف في شهاداتنا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه سميعٌ مجيب.