*الحرب على إيران واختبار الهيمنة الأميركية: قراءة في تحوّلات النظام
الشمال نيوز – عامر الشعار

كتب *حمد رستم* في سفير الشمال
*الحرب على إيران واختبار الهيمنة الأميركية: قراءة في تحوّلات النظام الدولي*
منذ اندلاع الحرب على إيران ونحن نحاول قراءة الأحداث وتحليل ما يحدث من منطلقٍ جيوسياسي وجيوإستراتيجي، بعيداً عن العواطف أو المواقف المنفعلة التي قد تُشوّه الصورة، فالمتابع لمسار الصراع يلحظ أنّ ما يجري يتجاوز بكثير العناوين المعلنة التي تطرح في الإعلام، وفي مقدّمتها مسألة البرنامج النووي الإيراني.
وفي معرض قراءة هذه الأحداث يبرز سؤال جوهري:
هل قامت هذه الحرب فعلاً فقط من أجل منع إيران من امتلاك السلاح النووي؟
أم أنّ الملف النووي ليس سوى عنوان ظاهر لصراع أعمق يتّصل بطبيعة النظام الدولي وتوازنات القوّة في الشرق الأوسط والعالم؟
إنّ التجربة التاريخية في العلاقات الدولية تشير إلى أنّ الحروب الكبرى نادراً ما تقوم بسبب واحد معلن، بل غالباً ما تكون نتيجة تراكم عوامل إستراتيجية واقتصادية وسياسية؛ وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى الصراع مع إيران بوصفه جزءاً من إعادة رسم موازين القوى في منطقة تُعدّ من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم، لما تختزنه من موارد الطاقة، ولما تمثّله من عقدة وصل بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
*دوافع الحرب على إيران في سياق الصراع الإقليمي:*
إنّ فهم ما يجري يتطلب تجاوز القراءة السطحية التي تختزل الصراع في البعد النووي فقط، والتوجّه نحو تحليل أعمق يتعلق بموقع إيران في معادلة القوة الإقليمية، وبالدور الذي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تكريسه في المنطقة.
فواشنطن، بعد شعورها بانحلال قبضتها على الهيمنة في الساحة الدولية وتراجع الدور الذي فرضته إبّان الحرب العالمية الثانية بوصفها الضامن والراعي للمصالح الغربية، وهي الممسكة بجميع المفاصل الحيوية في العالم من مصادر الطاقة وطرق الملاحة وسلاسل الإمداد، أدركت بشكلٍ قاطع أنّ ميزان القوى الدولية بدأ بالاهتزاز، وأنّ الكفة الراجحة في هذا الاهتزاز قد تكون لصالح الصين وروسيا وشبكة حلفائهما.
من هنا أتت فكرة الحرب على إيران، فـإسرائيل تسعى من خلالها إلى تحييد خطر وجودي مقلق لها في الإقليم والقضاء عليه، وهو ما إن تحقّق يجعل منها صاحبة اليد العليا والقادرة على بسط النفوذ وتحقيق حلمها في ما تسميه «حقها الإلهي التوراتي»، عبر تمديد مجالها الحيوي والتوسع ووضع اليد على مزيد من الأقاليم العربية.
أمّا الولايات المتحدة التي تتماهى مع الطموح الإسرائيلي، فإلى جانب هذا البعد السياسي هناك بُعدٌ فكري-ديني حاضر في بعض التيارات البروتستانتية الإنجيلية في الولايات المتّحدة، والتي ترى أن عودة المسيح مرتبطة باكتمال قيام دولة إسرائيل وسيطرتها على كامل «أرض الميعاد» وفق تصوّرها اللاهوتي، غير أنّ لواشنطن رسالة أخرى تتجاوز هذا البُعد، تريد إيصالها إلى النظام الدولي مفادها أنّ هذه الحرب تمثّل تذكيراً بقوّة أميركا وقدرتها على إعادة فرض النفوذ، واستخدام الحرب كأداة للحفاظ على الهيمنة في الساحة الدولية وإطالة أمدها، والحفاظ على حالة التفرّد القطبي في العلاقات الدولية.
فمن هذين الدافعين، الإسرائيلي والأميركي، نستنتج بأنّ عنوان الملف النووي والخطر الداهم من إيران ليس إلا عنواناً فضفاضاً يُخفي في طيّاته أهدافاً إستراتيجية أعمق.
*أهمية المعركة وتداعياتها على النظام الدولي:*
وفي هذا الصدد ندرك مدى أهمية وحساسية هذه المعركة ومصيريّتها، باعتبار أنّ إيران اليوم تمثّل ميدان الحسم في الصراع على ملامح الشرق الأوسط الجديد، ومن خلفه النظام الدولي المختل في أساسه البنيوي، وفق ما تطرحه النظرية البنيوية في العلاقات الدولية عند المنظّر الأميركي كينيث والتز الذي يفسّر الصراعات بأنّها نتيجة خلل بنيوي في طبيعة النظام الدولي ولا ينظر للأسباب المباشرة.
والحقيقة أنّ هذه المعركة لن تقف عند حدود إيران وأميركا وإسرائيل، فإذا استطاعت الولايات المتحدة تطويع إيران وفرض نظام موالٍ لها، وهدم المسعى النووي، وتقييد إنتاج الصواريخ البعيدة المدى، سوف نكون أمام جوقة إخضاع للإقليم دون استثناء، وفرض التطبيع مع إسرائيل وتوقيع اتفاقيات أبراهام دون أي شروط، وإسقاط الحلم العربي في القدرة على تلمّس أي طريق نهضوي تحرّري كان يمكن أن يتحقّق.
أمّا على صعيد النظام الدولي المترنّح والمختل أساساً، فإنّ كسب هذه المعركة لصالح الولايات المتّحدة سوف يجهض ملامح تشكّل نظام دولي جديد أكثر عدلاً واحتكاماً لقواعد القانون الدولي، تلك القواعد التي عملت واشنطن والمنظومة الغربية طويلاً على استخدامها كشعارات وأدوات تشنّ من خلالها الحروب بهدف تطويع المجتمع الدولي برمّته، وهنا يبرز الضرر الإستراتيجي إذا ما حقّقت الولايات المتّحدة وحلفاؤها انتصاراً بائناً في الإقليم، ليس فقط على مصالح شعوب منطقتنا العربية ومستقبل تحرّرها، بل وعلى أي حلم إنساني بتشكّل نظام دولي جديد متعدّد الأقطاب تكون فيه لمصالح الشعوب المستضعفة أصوات مسموعة.
*من الدروس التاريخية إلى بنية النظام الدولي*
ومن هنا، وبناءً على فرضية أنّ الانتصار في هذه المعركة يعني تمديد أمد الهيمنة على العالم، فإنّ ذلك يرتّب على النخب العربية تحديداً، وعلى دول الخليج الشقيقة خصوصاً، أن تدرك بأنّ المعادلة في الإقليم أعمق من مجرّد صراع مع النفوذ الإيراني، وأنّ الأمن الإستراتيجي في الشرق الأوسط هو بنية واحدة مترابطة عندما يكون الخطر داهماً من خارج الإقليم.
والمنهج التحليلي التاريخي يعطينا دائماً خلاصة سنن التاريخ وأنماطه المتكرّرة، فحين سقطت دولة خوارزم سنة 1220م، وكانت آنذاك تحت حكم السلطان محمد بن تكش الخوارزمي، على يد القائد المغولي جنكيز خان، كان ذلك مقدّمة لسقوط بغداد وإخضاع الإقليم للمغول.
ولكي لا نقع في خطأ السلطان العبّاسي الناصر لدين الله، الذي رُوي أنه أظهر سروراً بسقوط خوارزم لأنّها كانت خارجة عن بيت طاعة الدولة العبّاسية، فإنّ تلك الاحتفالات لم تلبث أن انتهت حتّى كان المغول يتهيّأون لاجتياح بغداد نفسها، ولم تمضِ سنوات قليلة حتّى دخلها المغول سنة 1258م بقيادة هولاكو خان، وقُتل آخر الخلفاء العبّاسيّين في بغداد المستعصم بالله.
وهذه القاعدة التاريخية كان على الإيراني أن يدركها أيضاً يوم سلّم بسقوط العراق، وكان شريكاً مستتراً في التواطؤ عليه؛ فالمقدّمة لإخضاع إقليم الشرق الأوسط بدأت يوم سقط العراق وسلّم الجميع بذلك.
وهكذا تبرز أهمية فهم الأبعاد الإستراتيجية المستترة للصراع، فما يجري في إيران ليس مجرّد صراع إقليمي أو نزاع حول برنامج نووي، بل محطّة مفصلية في التحوّل الذي يشهده النظام الدولي، ونتائج هذه الحرب لن تحدّد موازين القوى في الشرق الأوسط فحسب، بل قد ترسم أيضاً ملامح النظام الدولي القادم.