هل هناك من يحسن قراءة التطورات ..؟؟
الشمال نيوز – عامر الشعار

* بسام ضو
جريدة الحرة ـ بيروت
يبدو أنّ هناك تطوّرات جيوسياسية تستجدّ بوتيرة سريعة على المسرح السياسي اللبناني. وكالعادة، تُلقي هذه المتغيّرات، سواء أكانت سياسية أم عسكرية، بظلالها على الأوضاع العامة في البلاد، وقد تأخذ منحًى دراماتيكيًا إذا لم يتم تداركها وفق قراءة موضوعية. ومن الطبيعي أن تتأثر الحياة السياسية اللبنانية بهذه التطورات، إذ تُشكّل العناصر الأكثر تأثيرًا على الساحة الوطنية. وفي خضمّ هذه الأحداث، تصبح القراءة السياسية الواضحة المعالم، ذات الرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى، ولا سيّما تلك التي تنطلق من المصلحة اللبنانية العليا، أكثر أهمية لمواكبة التحولات القائمة، والتي قد ترمي إلى قيام منظومة سياسية جديدة أو نشأتها.
في هذه المرحلة الجيوسياسية، يُفترض التركيز على ترسيخ وتعزيز مبدأ السيادة الوطنية، بما يتناسب مع هذه التحولات المرحلية. فالمشهد السياسي اللبناني، بما يحمله من عناوين شائكة ومعقّدة، وأحيانًا من “فبركة ملفات” عند الطلب، يتسم بتعدد المواقف وتشتتها. ويعود ذلك إلى أسباب عدّة، في طليعتها التحوّل الفوضوي في مقاربة الملفات السيادية المطروحة، إلى جانب العلاقات المتوترة بين بعض المكونات اللبنانية، فضلًا عن عجز المسؤولين عن تقديم مقاربات واضحة للقضايا السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، بما يتعارض مع الدستور والقوانين المرعية الإجراء وحتى مع مضمون القانون الدولي.
وعلى الرغم مما شهدته الساحة اللبنانية من صراعات دامية واحتلالات مزدوجة، ومن محاولات ربط بعض الملفات بالقضية اللبنانية، فإنّ العجز السياسي في النظام السياسي القائم ما زال يتجلى بوضوح. وهذا يتطلّب، من وجهة نظرنا في مركز أبحاث PEAC، قراءة صحيحة ومتعمّقة من المسؤولين في قطاعات السياسة والأمن والاقتصاد والمال والاجتماع (من سياسيين وعسكريين ورجال دين مسيحيين ومسلمين). فالمعطيات الراهنة تُظهر أنّ للبنان من حيث المبدأ القدرة على ضبط الانفلات الأمني والفساد السياسي. غير أنّ الواقع يكشف عن هيمنة مجموعات خارجة عن سقف القانون، استباحت موارد الدولة المادية والمعنوية، في وقت تزايد فيه التدخل الإقليمي الإيراني بشكل مطرد.
لبنان اليوم ساحة مفتوحة أمام كل الاحتمالات الخطيرة، ومنها استمرار الاحتلال القائم فعليًا، ومنها تغييب لبنان عن طاولة القرار. ويجري كل ذلك ضمن تحولات جيوسياسية مرتبطة بتشابك عوامل سياسية وعسكرية وثقافية، تسعى أطراف مختلفة عبرها إلى تشكيل وضع سياسي جديد على الساحة اللبنانية، كلّ وفق مصالحه. وهذه التحولات، التي تفرض نفسها بقوة، تُلقي بظلالها على أمن اللبنانيين وسيادتهم، في ظل عجز فاضح من المسؤولين الذين يتذرّعون بـ”حرب أهلية” لتبرير إخفاقهم، وهو عذر أقبح من ذنب. إنّ انعكاسات هذه التحولات على لبنان أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا تتجاوز الحدود التقليدية، إذ يعيش الشعب اللبناني مرحلة سياسية مفصلية تعكس العجز والفوضى، وترافقها تحولات اقتصادية لامست الفقر والهجرة، إلى جانب الاحتلالات العسكرية الإسرائيلية المفروضة بشروط غير منطقية، في مقابل عجز النظام عن كبح سطوة الميليشيات التي تستبيح السيادة الوطنية بأعذار واهية، لتكون النتيجة إلغاءً فعليًا للسيادة من دون ضوابط لبنانية أو عربية أو دولية.
خلال ندوة شاركنا فيها كمركز أبحاث، تبيّن بوضوح حجم العجز الحكومي في مقاربة المستجدات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وكُشف أمام المشاركين عمق منظومة الفساد المستشرية. كما ظهرت أمام الجميع أزمة النظام اللبناني القائم على المحاصصة والزبائنية والطائفية والمذهبية وذهنية الارتهان للغريب وسياسة تفويت الفرص. هذه السياسة ليست سوى تجسيد لثقافة الجهل والعمالة والمصالح الخاصة والخارجية، فيما السماح للتدخل الأجنبي المخالف لأبسط قواعد القانون الدولي يضعف استقرار لبنان ويؤدي إلى تفاقم الأزمة بكل تشعّباتها، بما ينعكس سلبًا على واقع اللبنانيين.
أيها القارئ الكريم، إنّ ضمان الاستقرار في لبنان يفرض علينا، كمراكز أبحاث وناشطين سياسيين وأكاديميين وإعلاميين، التعامل مع هذه التحولات بعناية، وذلك من خلال:
-
تعزيز التعاون بين مراكز الأبحاث اللبنانية والعربية والدولية، وبين صانعي القرار، وإعلاميين وأكاديميين ومفكرين ومطوري استراتيجيات سياسية، منعًا للانزلاق في صراعات المحاور التي تهدد السيادة الوطنية.
-
توحيد الجهود لتقوية الأمن الاجتماعي وتوعية الشعب اللبناني وتحصينه من التضليل.
-
تعزيز القدرة على مواجهة التحديات المحلية والإقليمية والدولية، عبر “تعديل وزاري طارئ” يشمل بعض الحقائب الوزارية المعنية مباشرة بالواقع السياسي والأمني والاجتماعي.
إنّ التجارب المماثلة التي شهدتها دول أخرى تؤكد أنّ التغيرات الجيوسياسية ليست حدثًا عابرًا، بل عملية مستمرة تتطلب فكرًا استراتيجيًا بعيد المدى ورؤية شاملة قادرة على الاستجابة للتحديات. وفي هذا السياق، ندعو في مركز أبحاث PEAC إلى وزراء يقرأون المرحلة بتبصّر وحكمة، كلٌّ في مجال اختصاصه، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا أو دبلوماسيًا. فهذا الأمر ليس خيارًا، بل إلزامية وطنية لا بدّ منها لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة.
* كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والاقتصادية