اخبار عكار والشمال

ما بعد الصمت: ولادة صوت السُنّة الجديد

الشمال نيوز – عامر الشعار

ما بعد الصمت: ولادة صوت السُنّة الجديد

د. مصطفى قراعلي

جريدة الحرة ـ بيروت

يقف اللبنانيون اليوم أمام مفترق وطني خطير، حيث يُطلب منهم الاختيار بين خيارين ناقصين: إما استمرار السلاح خارج سلطة الدولة، أو استمرار الطائفية متحكّمة في الدولة. وكلا الخيارين يشكّلان ظلمًا للوطن ولأهله، وعلى رأسهم السُنّة الذين دفعوا ثمن هذا الخلل الأكبر لعقود طويلة.

في الوقت الذي يسعى فيه الموارنة إلى ترسيخ سرديّة “دولة الامتيازات” والإبقاء على لبنان في حاله الطائفي الراهن — حيث يضمن لهم النظام القائم تفوّقًا رمزيًا ودستوريًا — برز هذا التوجّه بوضوح في خطاب الرئيس اللبناني الماروني جوزيف عون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع. فقد قدّم النموذج اللبناني كدولة “مختلفين لكن متساوين”، مشيدًا بما أسماه “المواطنة الكاملة”، وروّج له باعتباره “نموذجًا فريدًا”. ولم يكتفِ بذلك، بل استشهد بتوصيف بابا الفاتيكان للبنان بأنه “رسالة”، ليصل إلى ذروة هذا الخطاب حين صنّف لبنان كـ”واجب الوجود”. غير أن هذه العبارات، مهما بدت مختارة في ظاهرها، فإنها لا تُخفي حقيقة أن النظام الطائفي الذي تمتد جذوره إلى تلك السردية، يكرّس إقصاء شرائح واسعة من اللبنانيين عن دوائر القرار، ويُعيد إنتاج هيمنة تاريخية لطائفة بعينها باسم التنوّع والفرادة.

أما الشيعة، فمن جهتهم، هم يتمسّكون بسردية “السلاح المقدّس”، والذي – بحسب معتقداتهم – لا يُسلَّم إلا للإمام المهدي المنتظر، بوصفه الوريث الشرعي الوحيد له، ما يمنحهم غطاءً دينيًا لاستمرار الاستثناء المسلّح.

وفي خضمّ هذه السرديّات الطائفية المهيمنة، يُدفع السُنّة إلى زوايا ضيّقة، بين خيارين كلاهما مرّ: إما الارتهان لإملاءات القوى المتصارعة، أو الإقصاء التام عن المعادلة الوطنية. لكن السُنّة لم يكونوا يومًا طرفًا في هندسة النظام الطائفي الذي رسّخه الموارنة، ولا كانوا جزءًا من مشاريع التسلّح الفئوي التي تسعى بعض القوى الشيعية إلى فرضها على الدولة. موقعهم، في الحقيقة، أوسع من تلك الاصطفافات، ودورهم أعمق من أن يُختزل في وظيفة مرحلية أو تبعية مفروضة.

بين الطائف والهاوية

ومع أنّ اتفاق الطائف، أو ما سُمّي “وثيقة الوفاق الوطني”، قلّص من صلاحيات الرئاسة المارونية ووسّع صلاحيات مجلس الوزراء والبرلمان، عبر نقل بعض صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، وذلك للحدّ من التركيز الطائفي في المنصب الماروني ولتحقيق قدرٍ من التوازن بين القوة المارونية والقوة السنية، إلّا أنّ هذه الإجراءات لم تُنهِ المظلومية السنيّة.

بل على العكس، ظلّت الطائفة السُنّية، كما يشير مرصد شؤون السنة في لبنان، مهمَّشة في مفاصل الدولة: تُستبعد من التعيينات، وتُقصى عن القرار، وتُعامَل وكأنّها شريك ثانوي لا مؤسِّس أصيل. ومع مرور الوقت، لم ينكسر هذا الحاجز بل تعزّز؛ إذ تصاعدت الإجراءات التعسفية وتكرّست الممارسات الإقصائية بحقّ المكوّن السُنّي. فيما بقيت الرئاسة المارونية مهيمنة رمزيًا ومؤسسيًا، وخصوصًا عبر الجيش والقضاء والجهاز الدبلوماسي، لترسّخ هرميّة طائفية عميقة وتؤكّد أن التعديلات الدستورية لم تُنهِ الخلل… بل زادته تجذّرًا ورسوخًا.

فالنظام الطائفي الذي رسّخه الاحتلال الفرنسي عام 1920، بطلبٍ مباشر من القيادة المارونية آنذاك، شكّل الجذر الأعمق للأزمة اللبنانية. فمنذ تلك اللحظة جرى تقسيم اللبنانيين على أساس طبقي طائفي، ليجد السُنّة أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية، بل الثالثة، داخل كيانٍ بُني على الامتيازات لا على المساواة.

مرتكز للتوازن الوطني

على خلاف ما يُروَّج في بعض الخطابات، لا يقف السُنّة اليوم في موقع الهجوم، بل في موقع الدفاع عن الفكرة الأعمق: الدولة المدنية التشاركية. هذه الرؤية ترفض الإقصاء كما ترفض الاحتكار، وتدعو إلى إعادة التوازن بين المكوّنات الوطنية.

إنّ إقصاء السُنّة يحوّل الدولة إلى مشروع أقلوي أو ميليشياوي أو كيان معزول عن محيطه العربي. بينما الانفتاح على المجتمع المدني السُنّي، بدل الارتهان إلى الزعامات التقليدية، يتيح ولادة “سُنّة جدد” أكثر ارتباطًا بمفهوم الدولة الحديثة.

وهنا تبرز المعادلة: الطائفة السُنّية ليست عبئًا على لبنان، بل فرصة وطنية. قوّتها لا تُقاس بالعدد أو بردود الأفعال، بل بقدرتها على أن تكون البوابة لشرعية عربية–دولية جديدة، شرط أن تتحوّل من صورة “الطائفة المغبونة” إلى موقع “الشريك في صياغة الدولة”.

الصفّ السُنّي الجديد

السياسة العادلة لا تُبنى على فتات المحاصصة الطائفية، بل تُصاغ من خلال صناعة الفرص وفرض الوجود.

لكن كي تتحوّل هذه الفرص إلى واقع ملموس، فلا بدّ من فعلٍ منظَّم وإرادةٍ واضحة. فالإرث التاريخي ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على الحاضر، حيث لا يمكن استعادة التوازن أو تصحيح الخلل إلا عبر تنظيم السُنّة صفوفهم كقوة سياسية مستقلة، لا تابعة لهذا الطرف ولا أداة بيد ذاك. فالمستقبل لن يُرسم بشروط “المارونية السياسية” أو “الدويلة الشيعية”، بل بقدرة السُنّة على صياغة مشروعهم الوطني الجامع الذي يُعيد للبنان معناه كدولة لجميع أبنائه.

ومن هنا، لم يعد مقبولًا أن يُختزل موقف السُنّة أو يُصادر صوتهم. ولهذا يطرح الصفّ السُنّي الجديد، اليوم، مبادرة وطنية متوازنة، تقوم على ركيزتين واضحتين:

القبول بنزع السلاح غير الحكومي بلا استثناء.

وفي المقابل، الإصرار على نزع الطائفية من كيان الدولة.

فالعدل لا يتجزّأ، والسُنّة يرفضون أن يكونوا أداة لتصفية حسابات الآخرين. من هنا فإن المعادلة يجب أن تكون واحدة: لا سلاح بلا دولة، ولا دولة بلا عدالة.

وليس من العدالة أن يبقى منصب رئاسة الجمهورية حكرًا على الموارنة، ولا قيادة الجيش حكرًا عليهم، ولا رئاسة مجلس القضاء الأعلى امتيازًا موروثًا لهم. هذه المناصب – مثلها مثل سائر المواقع في الدولة – يجب أن تُمنح للأكفأ وبالتساوي، أيًّا كان انتماؤه الطائفي، لا لأصحاب الحظوة الطائفية. فإذا جاء الأكفأ مارونيًا، فليكن، ولكن بحكم الكفاءة لا بحكم المحاصصة.

بهذا فقط، يُعاد تصويب البوصلة: وطن تُدار مؤسساته بالكفاءة لا بالمذهب، وبالجدارة لا بالوراثة.

السردية الوطنية الجديدة

وعليه، فإن السردية الوطنية الجديدة لسُنّة لبنان ليست استجداءً لمقعد هنا أو منصب هناك. إنّها مشروعٌ أكبر: مشروع اقتلاع الامتيازات الطائفية من جذورها في المناصب الأولى وفي كل موقعٍ حُرِم منه الأكفأ فقط لأنه لم يكن على “المذهب الصحيح” كما ترسمه معايير الطائفية السياسية في لبنان.

بهذا المعنى، لا تُشكّل هذه السردية دفاعًا عن السُنّة فحسب، بل هي أيضًا تذكيرٌ لجميع اللبنانيين بأنّ السُنّة كانوا — وما زالوا — أبناء الدولة العادلة ومؤسسيها، وحَمَلة مشروعها العلمي والحضاري منذ نشأتها.

تاريخيًا وثقافيًا، كان السُنّة الأقرب إلى العمق العربي، ولا سيما إلى المملكة العربية السعودية وسوريا ما بعد الحرب، وهذا القرب لم يكن تبعيةً، بل شراكةً استراتيجيةً يمكن للبنان أن ينهض بها إن أُعطي السُنّة دورهم الكامل في مشروع الدولة — لا في لعبة المحاصصة ولا في زواريب الزعامات.

فمن دون السُنّة، يخسر لبنان امتداده الطبيعي إلى الخليج والشام، ويفقد أحد أهم عناصر توازنه التاريخي. ذلك أن هذا الامتداد، في زمننا، لم يعد تهديدًا ديموغرافيًا كما يروّج البعض، بل فرصة نهوض اقتصادي وسياسي يحتاجها الوطن للخروج من أزماته.

من التهميش إلى القيادة

لن ينال السُنّة في لبنان حريّتهم ولا الاحترام المستحقّ لهم ما لم يصوغوا هم بأنفسهم معادلتهم السياسية، ويطرحوا مشروع الدولة الذي يُنصف الجميع، ويعيد تنظيم صفوفهم كقوّة مستقلّة قائمة بذاتها، لا كتابعٍ مُلحَق بأي طائفة أخرى.

لسنواتٍ طويلة، قيل إن السُنّة في لبنان جماعة بلا مشروع، أو طائفة بلا قيادة. وصُوِّروا كما لو كانوا مجرد “رقم” في معادلات الآخرين، أو “فائضًا” يُدار من الخارج. غير أنّ الحقيقة أنّ هذه الجماعة هي التي حملت الدولة يوم تخلّى الآخرون عنها، وصانت الجيش يوم حاولوا تفتيته، وصدّرت العلم والقضاء والاعتدال إلى سائر المشرق.

لقد آن لهذه الطائفة الكريمة أن تقف، وأن تتوحّد، وأن تبني قيادتها، وأن ترفع صوتها.

اليوم لحظة القوة بين أيديهم، فلا ينبغي أن يضيعوها في الجدل أو في انتظار الفرج من غيرهم.

المطلوب أن يبنوا تنظيمهم، ومنصاتهم الإعلامية، وقيادتهم الجماعية.

وأن يكون صوتهم هو صوت الأغلبية السُنّية الصامتة، لا مجرد أصداء لزعامات منهارة.

بهذه المبادرة، يمارس السُنّة دورهم الطبيعي كجماعة وسط، غير تابعة لأحد، بل حاملة لرؤية وطنية عادلة تحفظ السلم الأهلي وتفتح الباب أمام دولة حقيقية لكل اللبنانيين، وعندها فقط يتوقف الظلم عن السُنّة وعن سائر اللبنانيين.

دعوة لنهضة لبنان

لقد طال صمتُ السُنّة وانتظارهم، فيما تُدار الدولة كغنيمةٍ بين الطوائف، ويُتركون على الهامش. لكنّ اليوم ليس يوم الصمت، بل يوم الحقيقة. لحظةُ تنظيم الصفوف، ورفع الراية الجماعية المستقلة، لتُعلن بوضوح أن السُنّة ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، بل أصحاب مشروع وطنيّ جامع، يعيد لهم دورهم ويعيد للبنان توازنه.

لقد كان السُنّة دومًا في قلب هذا الوطن، يرسّخون أركان دولته، ويقيمون ميزان عدله، ويُشيّدون بنيان حضارته. فمشروعهم لم يكن يوماً مشروع سلاحٍ فصائلي ولا امتيازٍ فئوي، بل مشروع الدولة المدنية العادلة؛ الدولة التي لا يُرفع فيها سلاح خارج سلطتها، ولا تُمارس فيها الطائفية داخل مؤسساتها؛ الدولة التي تُبنى على شراكة كاملة لا تبعية، وعلى مساواة حقيقية لا امتيازات مفروضة.

فالتاريخ لا يُمهل، والفرص لا تنتظر. إمّا أن يبادر السُنّة إلى صياغة لحظتهم بأيديهم، ويرسموا روايتهم بأصواتهم، ويؤكدوا أنهم الركن الأصيل في مشروع الدولة العادلة، أو أن يرضوا بالبقاء مجرّد هامش في روايات الآخرين.

لكنهم — إذا قرروا رفع صوتهم، وتوحيد صفوفهم، والانخراط في الفعل السياسي المنظَّم — قادرون على فتح صفحة جديدة في تاريخ لبنان: صفحة تُنهي زمن الغنائم، وتُطلق عهد العدالة والشراكة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى