د. عليا علي ملحم البحث العلمي نقطة الارتكاز في مساعدة الدولة والمجتمع
الشمال نيوز – عامر الشعار
د. عليا علي ملحم
البحث العلمي نقطة الارتكاز في مساعدة الدولة والمجتمع
البحث العلمي هو الخطوة الأولى في تصحيح مسار التعامل مع الأزمات وكيفية التعامل مع الظاهرات الاجتماعية الجديدة التي يتخبط فيها المجتمع. فهو الأساس الذي نبني عليه علميا وموضوعيا استراتيجيات النهوض الحقيقية التي تتمتع بمعايير ومؤشرات قياس واضحة قادرة على ضبط المعالجة العلمية بعد طرح الإشكاليات العلمية التي تدخل في صميم المتغيرات التابعة والمستقلة.
منا هنا، جاء طرح هذا الموضوع الذي يشكّل معبرا حتميا من الساحة المجتمعية الى الساحة العلمية والعكس تماماً. الأمر الذي يجعل من البحث العلمي نقطة الإرتكاز في مساعدة الدولة والمجتمع. عرَّفه (فريدريك كيرلنجر(Fredrick Kerlinger)) على أنّه: “تقصٍّ تجريبيّ ناقد، ومُنظَّم، ومضبوط لافتراضاتٍ تُحدِّد طبيعة العلاقات بين مُتغيِّرات ظاهرةٍ مُعيَّنة”.
وهو بحسب رئيس الجامعة اللبنانية د. بسام بدران “العمود الفكري الذي ترتكز عليه المجتمعات المتطورة، وهو يشكل الدعامة الاساسية لاقتصاد الدول وتطورها، وهو في هذه الظروف المعقدة التي يمر بها لبنان، ضربا من ضروب الجهاد من أجل النهوض على كافة الصعد، ولا يمكن لهذا الجهاد أن يستمر الا من خلال تأمين الحوافز المادية والمعنوية التي تجعل من عملية البحث عملا يستحق المعاناة والجهد المتواصل”.
وهذا ما أكّد عليه الدكتور كلود عطية المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية “أن البحث العلمي بحاجة إلى المال، ويعتبر التمويل عقبةً كبيرة تؤثر على كم ونوعية الأبحاث؛ لكن الحصول على الأموال مقابل تحقيق غايات المموّل تؤثر على جودة المحتوى العلمي المنشور”. كما طرح إشكالية العلاقة بين الباحثين المرتهنين والجهات الممولة التي تفرض أولوياتها في البحث الاجتماعي لتسويق مفاهيمها وتحقيق استراتجيتها وأهدافها، مؤكدا “أن الانتاج البحثي والمعرفي يبقى نقطة الفصل في عملية التغيير والتقدم، والجامعة تقوم على المبدعين والباحثين والقياديين القادرين على تغليب مصلحة الجامعة الوطنية على أية مصلحة أخرى”.
من هذا المنطلق، يعتبر البحث العلمي أساساً للتقدم الفكري، والإجتماعي والاقتصادي وركناً من أركان المعرفة الإنسانية ويُسهم في تكوين وتراكم المعارف وبناء القدرات والتميز، وايجاد الحلول للمشكلات التي تواجه المجتمعات. وكذلك تبرز أهميته من خلال إظهار العلاقة بين البحوث الجامعية وقضايا المجتمع، ودفعه نحو طريق التطور والتنمية، والدعوة إلى إخضاع منظومات البحث العلمي والتطور التكنولوجي للمسائلة والمراجعة لقياس مدى استجابة برامج الجامعات ومكوناتها الاجتماعية، والإنسانية، والإقتصادية لتحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
من هنا، نرى بأن العالم اليوم يعيش في حالة سباق محموم لاكتساب أقدر قدر ممكن من المعرفة الدقيقة المستمدة من العلوم التي تقود إلى التقدم والرُقي. فالمعرفة العلمية تمثل مفتاحاً للنّجاح والتطور نحو الأفضل. هي ضروريّة للانسان لتساعده على فهم القضايا التي تواجه حياته العلميّة، وعلى تخطي العقبات التي تحول دون بلوغه تَسْطير الاستراتيجيات التي تتيح له القدرة على تدارك واحتواء الثورة العلمية التي تشهدها الألفية الثالثة، بما فيها من المفاهيم التنموية الجديدة.
أما العالم العربي فهو مرهون اليوم بقدرته على تحديث البحث العلمي المحلي والاقليمي الملتزم بالجودة والنوعية. وعلى الرغم من المؤشرات السلبية التي تتصف بها أغلب الهيئات والمراكز البحثية، إلا أن العالم العربي يملك موارد بشريّة قادرة على الانتاج وبإمكانه أن يكرس موارد ماليّة كافية للمؤسسات العلميّة. إلاّ أن أخطر ما تتصف به المواد العلمية العربية حاليا هو أنها لم تعد تشكل كتلة حرجة على المستوى العلمي. هي مشتتة وتعاني من التهميش، وغياب الحوافز والامكانيات المادية، واهتماماتها العديدة غير علمية (تعليمية، إدارية). وتتطلع بشكل دائم للهجرة إلى حيث تجد موارد أساسية لإظهار ابداعها. في حين تعاني مراكز البحوث العربية من ترهل، وغياب المناخ البحثي الملائم، وارتفاع المستوى العمري للباحثين، وعدم القدرة على استقطاب الشباب الذين يملكون التقنيات الحديثة. لأن الاختراق العربي للحالة العلمية الراهنة لا يعني الاكتفاء باستيراد التكنولوجيا فقط، بل بانتاجها بالتعاون مع الرأسمال العربي.
وهنا نشير بكل موضوعية علمية أن قيمة البحث في الدول العربية مجتمعة لا توازي قدر جامعة دويلة تضم 8 ملايين نسمة كسويسرا، ما يترجم حجم الفجوة الموجودة بين الغرب و العرب. خاصة أن اقتصاد العالم العربي قائم على الانتاج المادي، والمتاجرة، والاستهلاك، واستنزاف الموارد الطبيعية. في حين أن الدولة الصناعية والغربية التي تحتل صدارة العالم تعتمد على الانتاج المعرفي والابداعي، فيمثل الاهتمام بالبحث العلمي ركنا أساسيا في سياساتها بحجم الانفاق المادي بحقل البحث العلمي، فضلا عن الدعم المعنوي له، وهذا الاهتمام انعكس على تلك الدولة فجعلها في حالة من التنافس والتسابق بغية احراز المزيد من التقدم في هذا المجال. ومن هنا فإنّ المجتمعات العربية ليس أمامها إلاّ أن تتبع طريق الأسلوب العلمي لتقليص الهوة بينها وبين المجتمعات المتقدمة، مهما كانت الطريق صعبة وشاقة وتتطلب الكثير من التضحيات، لكنها تبقى الطريق الوحيدة للتقدم الإجتماعي والإنساني، وللتقدم العلمي في مختلف النشاطات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية.
حيث أن البحث العلمي يحتل في الوقت الراهن مكانة بارزة في تقدم النهضة العلمية، فالدول الصناعية المتطورة والمتقدمة لم تصل إلى ماوصلت إليه إلاَّ بفضل تشجيعها وإهتمامها الكبير وسهرها الدؤوب على تطوير البحث العلمي. ولكن الحديث عن البحث العلمي في العالم العربي في الفترة الراهنة يدفعنا إلى الوقوف على واقعه ومدى مُسايرته لركب الحضارة الغربية ويُبين لنا الهوة بين العالم العربي والعالم الغربي في مجال البحوث العلمية التي لم ترقى بعد إلى المستوى العلمي الذي وصلت إليه الدول الغربية.
فالعالم يشهد منذ عدة عقود ثورة معرفية هائلة شملت مجالات الحياة كافة، واتسمت بتسارعها المذهل، وانتشارها الواسع، وتطبيقاتها العديدة، وما زالت تتحفنا كل فترة بتجليات علمية رائعة، وابتكارات تقنية متميزة وتَعِدُنا بآفاق رحبة لا يعلم أحد حدودها ومداها. لكن هذه الثورة المعرفية التي يشهدها العالم المتقدم، لم يواكبها في العالم العربي خطوات مماثلة لها في تسارُعِها الكبير، إذ ما زالت هناك فجوة حضارية، تكنولوجية وعلمية كبيرة بيننا وبينهم تتسع بإطراد، وما زالت خطواتنا نحو التقدم العلمي والمعرفي تتسم ببطء شديد. وهنا، يجدر بنا العودة إلى مقولة معرفية- سلطوية قدّمها، في حينه، الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون، وضبطها على النحو التالي: المعرفة قوة! وقد عبرت هذه المقولة، إبّان ذلك، عن مطامح المجتمع الفتي البرجوازي، الذي راح يبحث عن مسوغات ومعايير تضبط مسار “المعرفة”، فوجدها في “القوة” الفاعلة والقادرة على التأسيس لمعرفة أرضية وضعية، مقابل “المعرفة الماورائية”. والآن مع ظهور ثورتي المعلومات والاتصالات في سياق النظام العالمي الجديد، تكتسب مقولة “بيكون” راهنية جديدة ولكن كذلك- وهنا أهمية المسألة- بعداً جديداً نوعياً نوعيّة الشرط التاريخي الجديد: لقد أخذت “المعرفة” تظهر بصيغة جديدة وبوتائر جديدة غير مسبوقة بفعل التحولات العظمى، التي راحت تُفصح عن نفسها معرفياً وسياسياً واستراتيجياً. ولكن التطور الذي راحت المعرفة تعيشه لم يتمكن- ولعله لن يتمكن- من أن يجعلها تُمسك بالموقف الإنتاجي من حيث الأساس. فأنْ “يصبح النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج”، كما يرى الباحث محمد جابر الأنصاري ، إنما يعني إقصاء العلاقات السوسيو-ثقافية والاقتصادية، التي تضبط ذلك النشاط وتكمن وراءه وتحفزه أو تقف في وجهه.
إن الوصول إلى تلك النتيجة يمكننا من وضع اليد على أحد المواقف، التي يعلنها راهناً النظام العالمي الجديد “العولمي”، وهو أننا نعيش الآن عصر “ما بعد الرأسمالية”، الذي أصبح أو يصبح منتمياً إلى “التاريخ القديم المنصرم”. وحيث يؤخذ بهذا الموقف، فإن مواقف أخرى تصبح مرشحة للبروز وللدفاع عنها، مثل “نهاية الاستغلال والاغتراب والتنميط” الإنساني، إضافة إلى نهاية الصراع الضمني أو المعلن بين الشمال والجنوب وتحول الولايات المتحدة إلى “حَمَل” ينثر ثمار الديمقراطية هنا وهناك من العالم. إن التحدث عن “الثورة المعرفية” بمثابتها البديل الحاسم عن العوامل والفواعل الناظمة للمجتمع العولمي الجديد، يقدم صيغة تحتاج تدقيقاً عميقاً لصالح المصداقية المعرفية.
ومن هذا المنطلق يجب أن لا يغيب عن فكرنا الدور الهام والأساسي الذي تلعبه الجامعات في إطار “الثورة المعرفية” – وهي أرفع المؤسسات التعليمية – في منظومة البحث والتطوير في أي بلد من البلدان التي تُنشُد الرُقي والتقدم، مما يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الجامعات والمؤسسات المختلفة للوقوف على قدرات الجامعات العلمية والتقنية من جهة، والتعرف على حاجات مؤسسات المجتمع المختلفة والمؤسسات الإنتاجية من جهة أخرى، وذلك من أجل تحقيق أهداف التنمية. ومن هذا المنطلق أوَّلَت الجامعات والحكومات في الدول المتقدمة برامج البحث والتطوير اهتماماً خاصاً، وذلك بتوفير البيئة العلمية المناسبة، ورصد الأموال اللازمة التي يحتاجها الباحثون بتخصصاتهم المختلفة، ولا عجب في ذلك فالبحث العلمي يُعدُّ من أهم وظائف الجامعات الاساسية، لأنه إذا لم يتواجد البحث العلمي في الجامعة فتصبح مجرد مدرسة تعليمية لعلوم ومعارف ينتجها الآخر وليس مركزاً للإبداع العلمي وإنماء المعرفة وإثراءها والسعي لتوظيفها لحل المشاكل التي يواجهها المجتمع. وتجدر الاشارة أيضا أن متوسط الانفاق على البحث العلمي في الدول العربية لا يزال ضعيفاً، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن الإنفاق على البحث العلمي في الوطن العربي لا يتجاوز 1% من الناتج الداخلي الخام، فيما معدل النشر العلمي لدى الباحثين العرب لا يتجاوز 0,3 بحث لكل باحث عكس المعدل العالمي المتمثل في 1,5 بحث سنويا لكل باحث، وهذا راجع بالأساس إلى المشاكل التي تعاني منها معظم الدول العربية من أزمات سياسية واقتصادية مما ينعكس سلباً على الإنفاق على البحث العلمي. لكن يبقى هناك العديد من الاسثناءات المضيئة في العالم العربي، مثل المملكة السعودية التي احتلت سنة 2020 حسب مؤشر نيتشر المرتبة الأولى عربياً، والمركز 29 عالمياً، باعتبارها أكبر مساهم في الأبحاث العلمية في الدول العربية، فيما حلت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية ومصر الثالثة عربياً والأولى على مستوى شمال إفريقيا.
أما بالنسبة للبنان، نرى أن هشاشة الوضع السياسي أدى إلى خلق بيئة غير مؤاتية للبحث والابتكار. وهو ما زال (لبنان) عرضة لضغوطات ولتغييرات جذرية قد تحرمه ومؤسساته من الإنجازات النوعية التي تم تحقيقها في فترات سابقة (قبل عام 2018)، وبحسب د. ساري حنفي “تظهر إشكالية غياب ” اتفاق ” بين المجتمع ( نخبه، هيئاته، أجهزته السياسية، مؤسسات التعليم العالي ) ومع الباحثين ليشكل بذلك الظروف اللازمة لممارسة البحث الحر، حيث نشهد تفتت المشهد البحثي”.
كما أن البحث العلمي في لبنان يعاني من خلل بنيوي في المعطيات التشريعية والتنظيمية والتمويلية المشجعة على البحث العلمي، كما يعاني من الإهمال الرسمي، فضلاً عن تشتت جهود المراكز والمؤسسات العلمية في مشاريع فردية وآنية لا تنظم ضمن استراتيجية واضحة ومحددة.
في السياق نفسه، نشير إلى أن الأبحاث العلمية التي يقوم بها الباحثون اللبنانيون هي بمعظمها بحوث نظرية وإن ارتقت أحياناً لتكون تطبيقية عملية فإنها تٌحفظ دائماً في أدراج جامعاتنا ولا تستفيد منها حكوماتنا لعدم وجود وزارة تُعنى بشؤون البحث العلمي الأمر الذي يؤدي إلى تراجع انتاج البحوث العلمية الأصيلة ذات الصلة بالإبداع والابتكار والتطوير.
وهنا يلعب غياب التشريع المنظم لعمل مؤسسات البحث العلمي وغياب الأولويات وضعف التشبيك بين مؤسساته المحلية من جهة ومراكز البحث العلمي العربية والأجنبية من جهة ثانية دورا مهما في تراجع وضعف الانتاج العلمي. يضاف إليه ضعف مشاركة القطاع الخاص في تمويل ودعم البحوث العلمية في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية ما أدى إلى مفاقمة أزمتها لجهة انفصالها عن حاجات السوق وقضايا المجتمع. بالاضافة الى تراجع عدد المشاريع البحثية الذي يعود بالدرجة الأولى إلى تراجع قيمة المخصصات المالية لهذه المشاريع بفعل تدهور قيمة الليرة مقابل الدولار، ما أدى إلى وضع الجامعة اللبنانية استراتيجية جديدة للبحوث العلمية تتمثل بـ دمج المختبرات العلمية الصغيرة في تكتلات بحثية تعمل ضمن توجه وسياق بحثي موحد من أجل إنشاء مراكز أبحاث متخصصة في ما بعد.
في النتيجة، لا بدّ من القول أن البحث العلمي هو طريق الخلاص الى لبنان الجديد، وهو شريك الدولة في رسم سياساتها التنموية كاملة، وإلا سنبقى في دائرة الجهل المغلقة على أحلام اللبنانيين في نهضة وطن منكوب ومسلوب الهوية.