جيل الفاتِح مِن نوفِمبِر

الشمال نيوز – عامر الشعار
جيل الفاتِح مِن “نوفِمبِر” l المحامي عبدالله الحموي
إذا كان الأول مِن “نوفمبر” تاريخٌ يَتَكَرَر كل عام, لَكِنَهً تَحَوَل في العام 1954 مِن التأريخ الى الحَدَث. إذ زَلزَل زِلزألُه طواغيت المنظومَة الاستعمارية في “الجزائر” وما بعد “الجزائِر”. لَم يَكُن غريباً إذن على الجزائريين إزاء تكتل “الغرب” ضدهم متمثلاً بتأييد ” حلف شمال الاطلسي” لفرنسا عَلناً أن تَلتَزِم “الكِتلَة الشَرقِية” حِيالَهُم موقف الصامت والمُتعامي ضِمن صَفقات تقاسُم النفوذ.وإذا كان الباري , جَل وعلا, قد قَدَّر أن يأتي المَدَد مِن جِهَة رأت في “الجزائِر” ارضاً خصبة لِمَدِ نفوذِها, فيدخُل هذا تحت باب النُصرَة والتيسير والتسخير دون تجاوز الحديث الشريف: ” إنما الأعمال بالنيات ….”
قَرنٌ ورُبع القَرن مِن السَيطَرَة لم تألو “فرنسا” خلالَها جهداً لِتَحويل “الجزائر” الى ارض فرنسية من خلال التعاطي معها بهذه الصِفة أقَلَهُ عبر “قانون الاهالي” الذي لم يَجعَل ابناء الأرض غرباء عن ارضِهِم فحسب بل حَوَل ” الأقدام السوداء” الى مواطنين. لقد تَمَثَلَت مأساة “الجزائر” في فائِضِ خيرات جعلت “فرنسا” تَتَشَبَثُ بِها مهما كان الثمن. ولو احتاج الأمر الى إبادة أبناء “الجزائر” عن بِكرَةِ ابيهم. سياسَةٌ مورِسَت بالفِعل خلال سني الثورة المباركة وإلا كيف يُمكن تَصَوُر سقوط مليون ونصف شهيد؟؟
قَرنٌ وربع القَرن نَعِم المُستَوطنون خِلالَها بِرَغد العَيش في ما يَصُح تسمِيَتهُ ” ارض الاحلام” مُطمَئِنين أن لهم اليَد الطولى في البلاد وأن الأمير “عبد القادر” لن يُبعَثَ مِن جديد.لكِن فاتَهم أن أمَة أنجَبَت ” الوليد” و” الرشيد” قادرَة على إنجاب اكثر مِن “عَبدِ القادِر” جديد. لأن الأُمَة تُصنَعُ الرِجال ولا يَصنَعُ الرِجال أُمم. وهل “ابن باديس” و ” ومالك بن نبي” ومُفدي زكريا” وغيرهِم الا خير دليل؟؟
لا تَكمُنُ اهمية الفاتِح من “نوفمبر” بِبيان صَدر وتسمى بهذا التاريخ. إذ يَعلَم صائغي “البيان” أن الخطابات الانشائية لا تُحَرِرُ ارضا أو تبنى وَطن. لذا, كان مِن الحِكمَة والحِنكَة إرفاق “البيان” برسالَة ميدانِيَة تقول للمُستَعمِر: ” إرحَل, فنَحنُ قَومٌ لا نَمزح”. وإذا كان الثلاثون هجوما على المراكِز العسكرية الفرنسية ,المُتَزامِنَة مع صدور “البيان”, قد الحَقَت خسائِراً في الارواح والعتاد, فإنَ الخسارة المَعنَويِة لِلمُحتَل كانت أشد إيلاماً إذ وضعت هيبَتَه على المِحَك فَتَجَرَد مِن كُل قانون وقِيمة انسانية سبيلاً لاسترداد السَطوَة واستمرار السيطَرة. كيف لا؟ وقد قام اقتصاد “فرنسا” ما بعد الحرب العالمَيِة الثانية على خيرات “الجزائِر” وغازِها؟؟ ليس مِن المبالَغَة القول أن خروج الفرنسيين مِن “الجزائر” كان أشَّد وطأة عليهم مِن مُغادَرة ارضِهِم “فرنسا”. أولَم يَقُل وزير داخليَتِها آنذاك ” فرنسوا ميتِران”: ” الجزائر ارضٌ فرنسية والتفاوُض الوحيد هُو الحَرب”؟؟
لقد عَرَّت حرب التحرير الجزائرية ” فرنسا” فأظهَرت أنها دولَة شعارات اقَله في التعاطي مع بلادٍ أخرى. بل أن المُفكِر ” البير كامو” داس فِكرَه الحُر” ومبادِءَهِ نُصرَةً لِبَلَدِه “فرنسا”. فإلى مَتى نُعَظِمُ “ثورةً فرنسية” لم تَجلب للبَشَر الا الويلات ولم تَجني البَشرِيَة مِنها إلا الشَر والبلاء؟ “ثورَةٌ” كان باعِثُها الحقيقي تراجَع وتيرة الاستعمار الفرنسي إزاء الاستعمار البريطاني, وكأن الاستعمار “حقاً” لبِعَضِ الشُعوب. “ثَورَةٌ”, كُتِبَ على” الجزائِر” أن تَتَحَمَل تبعاتِها زهاء مِئَة واثنين وثلاثين عاما. ومتى نَنزَعُ لَوَث ما يُسَمى ” الثورة الفرنسية” مِن عقول الناشِئة ونغرُسُ في انفُسِهِم مبادىء واخلاق ” الثورة الجزائرية” بِما تَتَضَمَن مِن تعاليم حَميدة نشأ وتربى عليها جيل الفاتح من ” نوفمبر” ؟؟