خاص الشمال نيوز

الدرويش يمسح الغبار عن تاريخ طرابلس المملوكية:
كتابي يريد تأكيد هويتنا وليس هروباً من مواجهة الحاضر

الشمال نيوز – عامر الشعار

الدرويش يمسح الغبار عن “تاريخ طرابلس المملوكية”:
كتابي يريد تأكيد هويتنا وليس هروباً من مواجهة الحاضر

زائدة الدندشي_الرائد نيوز
من على مرمى حجرٍ من الجامع المنصوري الكبير، في العاصمة الثانية، يمسح الدكتور ماجد الدرويش، الغبار عن نقوش العصر المملوكي في طرابلس، الذي حطّ رحاله محرراً، يوم الثلاثاء ٢٦ نيسان لعام ١٢٨٩، الموافق له ٢٧ ربيع الأول لعام ٦٨٨ه‍.

النقوش التي كشف عنها الغطاء، فوق عتبات المساجد والدور والمدارس، تميطُ اللثام عن حقبة حضارية عريقة عاشتها طرابلس، وما أحوجَ إليها طرابلس اليوم، وهو إعادة تكريس الهوية التي وحدها، تعيد إنتاج الحضارة مرةً أخرى.

ليسَ جديداً كتاب الدرويش، حول المماليك في طرابلس، لكن “تاريخ طرابلس المملوكية ترويه حجارتها”، الذي يوقعه عصر اليوم في قاعة المكارم الإسلامية في طرابلس، يعيد ويثير النقاش مجدداً حول تلك الحقبة المضيئة من المدينة.

طرابلس اليوم لا تشبه تلك الحقبة سواء على المستوى العمراني او الإنتاج الفكري لتلك الحقبة، بل طرابلس اليوم تشهدُ واحدة من أسوأ الأزمات المالية والاقتصادية، والتقهقر العمراني على مستوى التنظيم المدني.
بكل تأكيد يريد الدرويش، إعادة هذه المدينة إلى مقامها، يوماً ما كانت سيدة المدن المتوسطية.
فطرابلس نهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية الاستقلال، كانت أهم وأكبر من بيروت في جميع المجالات، حتى إن الفرنسيين فكروا في جعلها عاصمةً للبنان، إلا أن زعيم طرابلس يومها رفض ذلك تماما. وكان لديها ما يشبه الاكتفاء الذاتي اقتصاديا، وكانت لا تستورد إلا الكماليات، لكن الأمر بدأ يتغير بعد الاستقلال.

يقول الدرويش “العصر المملوكي هو عصر الحضارة في طرابلس، فكل البناء الذي نراه اليوم هو بناء مملوكيّ والتنظيم الذي نظمت به، وأبنيتها وحتى قوائم المياه التي كانت موجودة و طريقة جرّها في ذلك الزمان دليل على حُسن التنظيم، فإذا نظرت إلى الأبينية تستطيع التفريق بين جمال البناء المملوكي والبناء الحديث”.

لا يعتبر الدرويش الذي يحتوي كتابه تحليلاً واسعاً عن النقوش والآثار المملوكية التي ما يزال جزءٌ منها يحيا حتى اليوم في أضلاع المدينة، وكأنّ العودة للعصر المملوكي بمثابة هروب من الحاضر للماضي، ولا يعتبر أن كتابه تعبير عن فشل العرب والمسلمين في التطور وصناعة المستقبل.
“هذا الأمر له شقّان اثنان فهو ليس بالعودة إلى التاريخ بقدر ما هو هوية فمن لا تاريخ له لا شخصية له فنحن لا نتكلم عن العصر المملوكي كوننا نفقد شيئًا بل بالعكس نضيء على هذه الحقبة وذلك لكثرة التصورات غير الصحيحة عنها أي المغلوطة، فالحقبة المملوكية كانت جيدة التنظيم بدليل تنظيم المدينة القديم التي تم بناؤه بعد تحريرها من الافرنجة والذي يدل على حضارة راقية وعلى مكانة طرابلس ذاتها في التاريخ، فإذا عدنا إلى رحلة ابن بطوطة مجد ما كتبه عن طرابلس وبساتينها وأنهارها وأبنيتها في العصر المملوكي”.

يتحدث الدرويش عن كتابه، بروح الواثقِ وبحميمية كبيرة، عن تلك الحقبة، ولكن الذي يخطر في البال كيف يريد الدرويش، ادخال العصر المملوكي في العصر الحالي والإفادة منه، فهل تحتمل طرابلس التي تتداخل فيها سياسات أثرت فيها كثيراً وعلى مدى عقودٍ من الزمن، فشوّهت كثيراً.

“الاستفادة من الحضارة المملوكية، عي بإلقاء الضوء على تلك الحضارة حيث أن الحضارة فعل تراكمي، والمماليك استفادوا من حجارة طرابلس القديمة لبناء طرابلس الجديدة فإذا لاحظت حمام الباب الرئيسي لحمام عز الدين تجد على “البرطاش” رسم حمل وكتابة لاتينية، هذا الحجر كان موجودًا في الكنيسة وجاؤوا به ليضعوه هنا. كذلك المساجد فعندما بنيت لم يكن لها قباب ولا محاريب”. يجيب الدكتور الدرويش.

لا ينفعل سلباً الدرويش، حين تقول له: المؤلفات كثيرة حول العصر المملوكي وما الجديد الذي يتضمنه كتابه، بل يكمل في حديثه برويةِ العاقل المتزن، ما ربما سقط سهواً من الكتابات، أو ربما إعادة التذكير، او ربما تصحيح معلومات قد أُخِذت من مستشرقين.
“اللافت هو وجود كتابات على الجدران محفورة على الحجر والكثير من الناس لا تعرف ماهيتها حيث أن اكثرها فرمانات سلطانية لها علاقة بالضرائب التي كانت تجبيها الدولة على الصناعات الموجودة، والزكاة، وإيجارات الأوقاف، وقد كنت أقوم بتفريغ هذه الكتابات وفوجئتُ بأنه قد تم تفريغها قديمًا من قبل مستشرق ألماني اسمه سوبرنهايم والذي كان سفير ألمانيا في مصر وكان ضمن الفريق الذي شكله المركز الثقافي الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر حيث قاموا بتفريغ كل المكتوبات في بلاد الشام ضمن ١٤٠ مجلدًا، وهو كان مختصًا بالمجلد ٢٥ أي مدينة طرابلس ومكتوباتها، حيث يعتبر اول من فرغ تلك المكتوبات ولكن ما اكتشفته وجود فروقات بين ما تم تفريغه والموجود على الحيطان، ربما يُعذر لأنه ألماني لكن من جاء بعده أخذ عنه، فالدكتور عبد العزيز سالم الأستاذ بجامعة بيروت العربية، كتب في مطلع الستينيّات بحثًا مهمًا عن آثار طرابلس المملوكية وكرر نفس أخطاء سوبرنهايم وواحدة منها أن المدرسة الشمسية الموجودة على الجانب الشمالي للجامع الكبير هي نفسها القرطاوية وأن القرطاوية ليس لها وجود رغم أنها اهم مدرسة مملوكية في طرابلس، أضف لذلك أنه في جامع طينال على الباب الثاني من الداخل هناك فرمان مكتوب له علاقة بأوقاف المسجد، وعلى الناحية المقابلة له هناك فرمان ثانٍ عن أوقاف التربة التابعة للمسجد وانتبه لذلك الدكتور عمر تدمري”.
يضيف الدرويش “الكتاب ركز على طرابلس قبل الاستقلال حيث انها كان اهم من بيروت بكثير حيث كانت فيها مصانع للصلب والحديد والاسمنت ومعامل للسكر والملح والزيت ومرفأها لم يكن هناك غيره على ساحل المتوسط”.

“طرابلس مليئة بالطاقات وفي لقاء الأحد الثقافي قمنا بتكريم ١٦٠ شخصية طرابلسية يعيشون خارج لبنان، ولهم أعمال رائدة وآخرهم رامي بيتيّة رئيس إدارة مجلس كارفور في فرنسا، وغيرهم من آل زمرلي، وآل السنكري، لكن للأسف الدولة تتعامل مع طرابلس كأنها تعاقبها تاريخيًّا على موقفها من دولة لبنان الكبير، حيث أن طرابلس لم تكن تعترف بدولة لبنان الكبير لذلك وبعد الاستقلال وإنشاء ما يسمى بلبنان الكبير كان هناك تدمير ممنهج ومتعمَّد لطرابلس بكل مقوماتها فهي مظلومة ومحاربة ومهمَّشة وكل من تولى عرشها سياسيًّا أخذ منها ولم يقدّم لها”. يختم الدرويش حديثه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى