ترحيل الأزمات
الشمال نيوز – عامر الشعار
ترحيل الأزمات
يرحل العام2021، جميع أزماته إلى ثنائيه العام2022. للأسف، لم يجد حلا واحدا، لجميع ما نزل على رأسه من مصائب جسام. قرر ترحيل جميع الأزمات التي نزلت عليه، إلى العام الجديد. من البحث عن حل لإستفحال كوفيد كورونا وأوميكرون المتحور عنه، إلى البحث عن حل، لإستفحال الطيش السياسي. نزلت على أم رأسه أزمة “إجتماع الحكومة”، فكانت أثقل عليه، من القشة التي قصمت ظهر البعير. ومن قطرة الماء التي طفحت بها الكيل. كوفئت جهود الرئيس نجيب ميقاتي، وهو في أول الدرب، بأخذ الحكومة إلى الحجر. إلى الحجز. حتى خروج القاضي بيطار، من محبس المرفأ. صارت الحكومة رهينة المساومات، من هنا ومن هناك. فلم يعد لها معنى إلا في الإسم. لم تعد قادرة حتى على وعد. لم تعد قادرة على “تهريب” إجتماع يتيم، ولو لأجل البت في الملفات الضرورية، لصحة المواطن، ولقمة عيشه الكريم. كان لا بد إذن، أن يرحل هذا الهم، إلى العام الجديد، حتى لا ينتشر الوباء.
العام 2021، عام ترحيل الملفات بإمتياز: ملف ترحيل التحقيق في إنفجارمرفأ بيروت، من عام لعام. ملف ترحيل القاضي طارق البيطار، وكف يده عن عبث العابثين.
ملف تصحيح الأجور، بعدما كاد العمال والموظفون في القطاعين: الخاص والعام، أن يموتوا من شدة القهر. من شدة الجوع. فلم تعد “الدريهمات” كافية، لإنارة البيت، ولا لشربة ماء، ولا لطشت غسيل. صار الماء عزيزا على اللبنانيين في المدينة وفي الجبل، حتى في عز الشتاء. صارت الكهرباء “قعيدة عتبة بيتها” في المعامل، بلا عمل، مثل ناطورة المفاتيح.
الملف التربوي، ما وجد له حل، طوال هذا العام. كان مخاضه عسيرا للغاية. سرقت أموال الدعم التربوي، سرقت أموال تعليم أبناء النازحين. سرقت أجور المعلمين. ولم يحسب حساب، لمدرسة متعثرة عن فتح أبوابها في فصل الشتاء. ولا لجامعة متعثرة، عن إستقبال الأساتذة والطلاب. ولا للإمتحانات والشهادات. ولا لخطة تربوية. ماتت جميعها، قبل أن تبصر النور في العام الجديد.
رحل ملف النفايات أيضا، من هذا العام إلى ثنائيه. فما وجدوا حلا للمكبات التي فاضت عن قدرة إستيعابها. لا في مطمر الناعمة. ولا في مطمر برج حمود. ولا في مطمر طرابلس. ولا وجدوا حلا كذلك، للشركات التي تهدد بين الحين والآخر، أنها ستسرح عمالها، وأنها ستسيل النفايات في الشوارع. وأنها ستوقف العمال وتتوقف عن الأعمال.
تعرض هذا العام، لأعظم هزة مالية. قوضت بنيانه الذي كان مفخرة البلدان. إنهار الإقتصاد الوطني دفعة واحدة. إنهار القطاع التجاري. إنهار القطاع الصناعي. إنهار قطاع الخدمات. فلا أسواق للميلاد ولا أسواق في البلاد. أغلقت المحال أبوابها. وأغلقت المصانع أبوابها. وأغلقت المكاتب أبوابها. سرحوا العمال والموظفين والباعة والمستكتبين. تكدست هموم هذة القطاعات حتى لفظت أنفاسها.فشيعها هذا العام إلى ثرى العام الجديد، في مأتم يقطع الأنفاس.
عام الكبتغون، هو العام الذي يمضي “ثقيلا” على صدور الناس. كابتغون الرمان. كابتغون الليمون. كابتغون الأخوة العربية، للأصدقاء وللأشقاء، كاد أن يفجر العلاقات، ويودي بالبلاد إلى التهلكة. لم يجدوا له حلا، حتى اليوم الأخير. ولم يتوصلوا إلى حلول، تقضي على هذة الآفة التي تفتك بالناس، هنا وهناك. كاد عام الكبتغون، أن يقطع العلاقات مع الأشقاء من دول الخليج، لولا نباهة النابهين.
عام المازوت الفالت، عبر الحدود، هذا العام. عام الطوابير على الصيدليات والسوبرماركت والمستشفيات. عام الطوابير على محطات الوقود. عام قوارير الغاز. عام أنابيب الغاز، من مصر إلى الأردن وسوريا فلبنان ودير عمار، برعاية الأميركان. ملفات كلها من نار. فمن يوقف النيران عند إشتعالها على الحدود.
لأول مرة في تاريخ البلاد، يتعرض الشعب للتجويع. للجوع. يتعرض الجيش للتجويع، للجوع. يتعرض الوطن للتجويع، للجوع. ملف الجوع من أثقل الملفات. فما إنتبهوا إليه. ولا حملوه حتى الآن على محمل الجد. رحلوه إلى العام الجديد. فما وجدوا له حلا حتى الآن. وكل البلاد تسير من هوان إلى هوان. تهوي إلى الحضيض، كما تهوي الصخور على رؤوس الناس من أعالي الجبال.
ملف ترسيم الحدود، توقفت مركبته فجأة قبل إقلاعها، في أول الطريق. وتم ترحيل حقول النفط والغاز في الشمال والجنوب، حتى كادت راحلة هذة السنة الراحلة، أن تنوء بأثقالها، أن تموء، مثل جراء هرة خائفة، تسقط بين أهلها. فرحلوها إلى العام الجديد.
تحدثوا وحادثوا، عن صندوق النقد. عن الدعم الأممي. عن الدعم الأخوي. تحدثوا عن ملفات الفساد. عن أنواع العلاجات. عن التدقيق الجنائي. تحدثوا عن المحاكمات، عن الإتهامات. تحدثوا عن لوائح العقوبات. تحدثوا عن الأمولل المهربة، وعن أموال المودعين. تحدثوا عن نجدة الفقراء. عن نجدة المعوزين والجائعين. تحدثوا عن نجدة أهل الريف في لبنان، أن يظلوا حراسا للثلج طيلة العام. مضى العام على رؤوس الأشهاد، ولا تزال البلاد تشهد على نفسها، في أعظم مشهدية للظلم في التاريخ.
أين الدعوة، إلى نبذ السلاح الفالت على رؤوس الأشهاد، في كل مكان. أين الدعوة لتجنب الحرائق الغامضة والضربات الغامضة. أين الحلول للغوامض في البلاد، فلا تجر على الناس النكبة تلو النكبة ولا تحترق البلاد.
اللبنانيون تعودوا الرحيل. تعودوا الترحيل. تعود إستقبال المرحلين، تعودوا ترحيل الأزمات. على مدى عقود وعقود. ظلوا على تسامحهم طيلة هاتيك الأعوام. ظلوا على إصرارهم، مهما تعاقبت السنون. ظلوا متمسكين بالتراب، متعلقين بالصخور. ظلوا يقاومون الجوع والتجويع والتهديد. ظلوا على إيمانهم: لبنان لا بد أن يعود.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.