ثقافة وفنون

السلوك إلى الإنضباط

الشمال نيوز – عامر الشعار

السلوك إلى الإنضباط

في اليوم الأول، من السنة الجديدة 2022، لا بد من الوقوف ولو وقفة بسيطة مع الذات. لا بد من مراجعة الملفات التي رحلت إلى هذا العام. لا بد من إعادة النظر بكل ما جرى لبلادنا، لا في العام الماضي وحسب، بل في كل الحقبة التي عشناها، وعاشتها البلاد، منذ تأسيس الكيان، حتى الآن. فليس الإنهيار الذي وصلنا إليه، هو وليد ساعة. ولا وليد عهد. ولا وليد ذنب. ولا وليد ذئب منفرد. وإنما هو وليد سلوك إتبعناه، على مدى عقود وعقود. وليد مجموعة عابثة من الذئاب

لم يكن الجاني شخصا واحدا منا، حتى نحمله، تبعات كل هذا الإنهيار. ولم يكن الخارج بلدا واحدا، مسؤولا وحده، حتى نجعله مشجبا، نعلق عليه، كل وجوه الكارثة التي سقطت علينا. فجعلتنا نرزح تحتها، بلا حراك. وإنما جميع من عاش من الزعماء والحكام والمسؤولين في لبنان، كان شريكا آثما، إما لإقترافه جرما، أو لسكوته عن وقوع الجريمة، وعدم مبالاته بها. وربما مشاركته في التغطية عليها. والإفادة منها، بشكل من الأشكال.
كذلك فإن الخارج كله كان مسؤولا. من الدول صاحبة القرار والنفوذ، إلى مجلس الأمن، إلى الأمم المتحدة. إلى سائر المجالس والمنابر الدينية والمدنية، التي ناورت ولا تزال تناور على مستقبل لبنان، وحريته وإستقلاله. وعلى نظامه الحر. وعلى العدالة والديمقراطية . وعلى السيادة، بحيث لا يكون له شريك خارجي في إدارة دفة البلاد.

هذة أمور بديهية، لكل بلد يريد أن ينهض بشؤونه، بكل مسؤولية، فلا يرمي عجزه، لا على عتبات الداخل ولا على عتبات الخارج، وإنما على جميع من أداروا شؤون البلاد، طوال كل هاتيك العشرة من عقود السنين المتواليات.

كان “التفلت” من القضاء، هو الذي حكم لبنان. كان هو المسؤول عن كل هذا الخراب. وكان جميع الحكام الذين شاركوا في الحكم، هم المسؤولون عن هذا “التفلت” بكل تأكيد. فهم، إما مارسوا “التفلت” في الحكم، لطمع أو جشع أو إرتهان. أو لأنهم غطوا هذة الجريمة، وسكتوا عنها، ولم يبادروا لدفعها، بما ملكت يدهم. أو بما كان يملك لبنان من عدالة وقضاء، وقوى ترعى القضاء وتحميه عن الإنحراف، وتغطية المجرمين والفاسدين، في أي وقت من الأوقات. وفي اي موقف من المواقف المشرفة للقضاة وللقضاء.

أما أهل الخارج، فكلهم كانوا سواء إزاء لبنان. فما كان هذا الوطن الصغير يعنيهم، أكثر من كونه ورقة في أيديهم، للبيع وللشراء. فكل دول العالم ساومت على لبنان. حتى أن ولادته، كانت في عصر الصفقات. وفي عصر السمسرات. وفي عصر المساومات. مسكين هذا الوطن الصغير. هذا البلد الجميل. لم ينل حظه من الخارج، إلا بناء للأهواء والشهوات والمكاسب والضغوطات. وهو لا يزال حتى اليوم، يمضغ لعنة الدول الكبرى، ولعنة الدول الصغرى، بكل ألم. ويعيش برهته اليومية والسكاكين في عنقه، حتى الوصول إلى شفير الهاوية. حتى الوصول ألى الذبح.

بلد صغير بحجم لبنان، لم يلق رحمة لا من حكامه أنفسهم، ولا من سائر الحكام في الخارج، طيلة هاتيك العقود العشرة الماضية من عمر الكيان. يقف اليوم أبناؤه مثل ذبائح الأعياد. ينظرون إلى السكاكين، وهي تسيل بالدماء. يقفون عراة و جوعى، مثل الخراف الخائفة من الذئاب، لا عن بطالة كانوا يعيشونها، ولا عن كسل. ولا عن قلة علم وحيلة. لا عن تخاذل وخذلان، وإنما عن قلة حكمة. وعن تهاون. و عن عدم حسن السلوك إلى الإنضباط.

تسلم زعماؤه البلاد في فترة مبكرة، بلا حسن إدارة. وبلا حسن سياسة. وبلا حسن كياسة. لعبت الخمر في رؤوسهم. طاشت عقولهم. وما أدركوا ولا وعوا حدود مسؤولياتهم، عن إضاعة وطن، في برهة التأسيس، كما في برهة الإستقلال. تصرفوا بلبنان كإرث عقاري، لا يشاركهم فيه أحد. ظنوا أن ألاعيبهم السياسية. وأن التشاطر والتذاكي الابله البليد، وأن اللعب على الحبال، لمما يزيد من أرباحهم. وما حسبوا حسابا للخسارة القاتلة. كانوا يقامرون بالبلاد أكثر مما يحكمون البلاد. كانوا يغامرون في البلاد، أكثر مما يرعون شؤون الناس. كانوا يظنون أن الملك سوف يدوم لهم ولأبنائهم وأحفادهم، ولا يحسبون حسابا، أن الوطن سوف يقع على رأسه. سوف يقع على رأسهم، وعلى رؤوس أبنائهم وأحفادهم، وعلى رؤوس الأجيال القادمة في يوم من الأيام.

جميع حكام لبنان، كانوا سواء في نهب المال العام. جيع حكام لبنان كانوا سواء، في الإعتداء على الأملاك العامة، والخاصة أيضا، بتزوير الأحكام. جميع المسؤولين، جعلوا التجارات والإدارات والصناديق، وكذلك الهبات الداخلية والهبات الخارجية، وجميع العائدات، حتى الريعية منها، أقول : جعلوا لها جميعا، أبوابا ونوافذ، يدخلون منها سرا، تماما كما يدخلون إلى “عنبر النترات”. لحصد ما فيها، لهم ولعوائلهم، بلا حساب.

حكام لبنان، طيلة العقود العشرة من عمر الكيان، تجاوزوا العدالة. تجاوزوا القضاء. أبطلوا الأحكام. إحتالوا على الديمقراطية. أفسدوا الإدارة. أفسدوا المناصب. أفسدوا الرئاسات. ما تركوا شناعة إلا أتوا بها، وسيدوها على الناس. كانوا أهل الشناعات بالمطلق، بلا حساب.

حكام لبنان، لم تشبعهم “طست” الدولة. كانوا يأخذون من طستها، ويتصدقون عليها.ولا أشبعتهم طست الجمهورية. كانوا يأخذون من طستها، ويتصدقون عليها. ولا أشبع نهمهم للمال، بحكم البلاد كلها بما فيها وما عليها، من أرزاق وخيرات. دخلوا في مناورات مع الخارج. دخلوا في صفقات، مع العدو والصديق والشقيق. كانوا بلا شفقة. كانوا بلا رحمة. كانوا بلا مسؤولية. كأنهم كانوا من الغرباء.

زعماء لبنان، وحكام لبنان، ما تمتعوا بحس المسؤولية. ولا بالحس الوطني، ولا بالحس الإنساني. ما تمتعوا بشجاعة أدبية. ولا عرفوا برقة ولا بعاطفة. كانوا جلاوزة من هذا العصر ، الذي أتى به الطغاة بعد حربين عالميتين، أوغلت سكاكينها في رقاب العباد.

اليوم ينظر اللبنانيون، فيما تقدم من ذنوبهم، وما تأخر. لا يجدون مناصا، من السلوك إلى الإنضباط. يضعون قدمهم على أول الدرب. في اليوم الأول من السنة الجديدة، وهم يأملون من الحكام، أن يكونوا قد إتعظوا مما قادوا البلاد إليه من الأذية، طيلة هاتيك الأعوام.
دعوة للإتعاظ وللإنضباط، هي دعوة كل مواطن لبناني، يذوق الأمرين اليوم، بعد سرقة كل شيء في البلاد، من قطرة الماء وشمعة الكهرباء، حتى تفكيك الجسور، وتفكيك سكك الحديد. وتجفيف المعامل وتجفيف السدود، وتفجير البلاد.

في أول العام الجديد، هناك فرصة للمسؤولين، أن يكفوا عن بيع الوطن للشياطين. أن يحفظوا حدوده، وأن لا يجعلوا بلادهم، ممرا أو مقرا للمعتدين. ممرا أو مقرا للخارجين على القانون. ممرا أو ممرا للطامعين بأرضه، من عدو وصديق وشقيق.
اللبنانيون اليوم مطالبون بالسلوك إلى الإنضباط. فلا يسرقون ولا يغشون ولا يخادعون ولا يخدعون. لا يشاركون في مؤامرة على بلادهم، ولا على بلاد غيرهم. ولا يتآمرون. ولا يتعامون عن الأعداء إذ السلوك إلى الإنضباط، وحده دون غيره من السبل بل أكثر من غيره من السبل، لمما يعد لبنان بنفض ركامه. ونفض أحزانه. بالنهوض من جديد.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى