اخبار عكار والشمال

حين تَخَلَفتُ عنِ الانفجار | المحامي عبدالله الحموي

الشمال نيوز – عامر الشعار

حين تَخَلَفتُ عنِ الانفجار | المحامي عبدالله الحموي

لم يُشبه قَيظُ ذاكَ الخميس غَيره مِن أيام آب . ناهيك عن دوامٍ وظيفي , زاد من تَسَرُبِهِ ضائقةً مالية دفعت بَعض الموظفين لتبرير التقصير عَبر موازنة أدائهم مع راتبٍ هو لأصحابِهِ مَوضِع تَذَّمُر. الأمر الذي أدخلني في سباقٍ مع توقيت غير رسمي, بُغية إنهاء مُراجعاتٍ أنالت البَدَن مِن التعب ما فَصَدَ عَرَقُه , فالتَمَس راحته في استراحة مبنى “العدلية” المُفتَتَح حديثاً . لكن ما ظننته يومها سؤا للطالع, تمثل بمصادفة زميل لو كنت عالما بوجوده لتحامَلَت على نفسي هربا من سماجة رأيت في هشاشة وجه صاحبها وبشاشته , ما ينبىء بوقوعي في فخ ثقل ظل طالما أظل المتصف به.
ما أن وطئت قدماي عتبة الإستراحة , حتى شعرت أن مجرد خطوتين تفصلان صحراء “الربع الخالي” عن جليد القطبين. ما جعلني أتحجج بقاعدة اقتصار الجسد على حرارة الطبيعة فحسب كسبيل خلاص , لكن رعونة الداعي أجبرتني على القبول باستثناء . غلب فارق السن الحياء , وألحق الصبر عندي بدورة تأهيل طالما ظننت بعدم حاجته لها , لولا رصيف كلمات خلت من هدف ومعنى , أقنعني بإعادة النظر. ساعة ونيف من التعذيب السماعي ندمت خلالها على ساعة التعارف , وتمترست وراء موعد غداء لم أتقيد به يوما تملصاً من مخالِبِ لِسانٍ وجد في تشمير ساعديه ما يفك عقدة إنفضاض الناس من ثرثرة صاحبه . وأمام ملل بلغ من التململ مداه , وإرسال العين لإشارات تحذير تدعو للإنكفاء , وجد مُجالِسي سلامته في تقليد فعل “شهرزاد” حتى قبل صياح الديك.
ما أن تلفحني الحر, حتى وكز الظهر ألماً لم أجد له تفسير . لكن إقفال العيادات ألزمني الإنتظار لغدٍ يوقظني في فَجرِهِ هِرٌ إعتاد مزامنة فطوره مع الأذان . فإذ بتحجر يصيب البدن يحول دون تلبية المواء . استذكرت ما أعرف وأجهل من أمراض أتحزر منها ما يوافق تشخيصا للحال . فاستبعد نشاط رياضي أواظب عليه مرض “الديسك” , أول احتمال . وأمام العجز عن النهوض زرع الوهم في الروع فرضية الشلل.

أكثر من ربع ساعة تطلبت عمليتي النهوض والوصول الى جهاز الهاتف لإقلاق راحة الطبيب ومطالبته تخصيص المستشفى لي بسرير . بعد الشرح وإفهامي بأن الألم الملم بي من أعلى الكتف الى أسفل الظهر يعود للسعة صقيع مصدرها جهاز تكييف , اشتعل الغضب على شخص أوصلتني مجالسته كرهاً لمعاناةٍ حرمتني ركوعاً وسجود . لم يحتج الأمر لفقيه يُذَكِرُني بقاعدة “ليس على المريض حرج” كي آخذ برخصةٍ تُعفيني من الذهاب الى المسجد جمعة هذا اليوم بالذات, دون إعفاء السخط من صب جامه على سلوك يُكَبِدُ الجَسد بكل حركة وَخزَة.
ساعات تَمُرُ كالسنين في انتظار تخفيف وجعٍ مقرونٌ بزيادة حنق , قبل صدوح دوي انفجار نَسَبتَهُ خطأ لقذيفةٍ إعتادت عليها الأسماع كل حين , إيذاناً ببدءِ جولة جنون , دقائق أخرى وتَهتَزُ الأرض , ليَعقِبَ الهَزَةَ دَوِيٌ ثان , بَيَّنَ عَصفُهُ عن قرب مَوضِعِه. واذ بكثافةُ دُخانٍ مُتَصاعِد يَحجُبُ قَرنَ الشمس, مُحَوِلاً ظهيرة الشارع الى ليلٍ حالك سواده , لتسود بلبلة البرج فوق جثث ودماء وأشلاء , دون اختلاط في اللغات.
رغم التَجَاوُر, لكن تَتَبُع الحَدَث عَبرَ التِلفاز كانَ أَخَفُ وَقَعاً لاستجلاء ضبابية مشهد تخيلته لأول وهلة تغطيةً لأحد أهوال جهنم . لولا عبثية المقارنة بين جحيم زائل لمجزرة تشهدها الأعين , وجحيم سرمدي خص الجُناة أنفسهم بأسفل دركاته فور قرع طبول جريمتهم لأبوابه السبع . ولتكشف لي اللحظة , بأن الشيطان يعجزُ أحياناً عن مجاراة شر طواغيت لا يَحُد بَغيهم حدود. لست أدري إن كنت قد شفيت من الوعكة, أم أنسانيها هول الفاجعة . لكن ما تبادر لذهني وسط حال الهلع والصراخ , أن الله قد مَنَّ علي بالبُعد . ليس مداً في عُمرٍ تمدنا قصة وزير النبي سليمان فيه بعبرة , أو نجاةً من إصابةِ كم نجا منها مُجانِبٌ لمُصاب . بل تبياناً لأدوار البشر في اتِباع المقدمات المُحَقِقة لإرادة المُسَبِب , دون فرض مسالك الخير والشر, وإظهاراً لقصور الإنسان في تقييم المفهومين . فسبحان من تجلت إرادته بتهيئة الاسباب التي حالت دون أدائي لصلاة الجمعة في “مسجد السلام” يوم استهدافه بالتفجير, وأبرزها … سماجة زميل .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى