ثقافة وفنون

الأسواق المظلمة

الشمال نيوز – عامر الشعار

الأسواق المظلمة

جميع الأسواق، صارت مظلمة في لبنان، حتى سوق الكهرباء. ذهبت ميليارات الدولارات سدى، في سوق الكهرباء. نهبتها الأيدي الخفية في وزارة الطاقة والمياه. وبات إعتماد المواطنين على السوق السوداء، حيث “الأمبير” الواحد بمئة الف ليرة للمشتركين، عدا تامين الخط والديجانتير والقلاب، فهذا كله على حساب المشتركين.
جميع الأسواق صارت مظلمة في لبنان، حتى
سوق المحروقات. ترى السيارات طوابير طوابير، على المحطات. شمر السائقون عن سواعدهم، وإصطفوا إلى جانب سياراتهم، يطلبون البنزين والمازوت. يشحذون الزجاجات والغالونات، من أصحاب الموتورات، علهم يصلون إلى المحطة، قبل نفاد سيارتهم من الوقود، وتوقفها في عرض الطريق.
المواطنون يحرقون أعصابهم في الشمس، قبل الوصول إلى دورهم، أمام المحطات. السائقون، يحرقون سياراتهم. يحرقون فاناتهم. يحرقون أوتوبيساتهم، قبل أن يحترقوا مع عائلاتهم، في رحلة البحث عن الوقود.
جميع الأسواق صارت مظلمة في لبنان، حتى سوق الدواء. يمضي المريض وقته، في إنتظار الوصول إلى حبة دواء. إلى زجاجة دواء. يمضي المريض المزمن وقته، في إنتظار تناول جرعة فاتته، لفقدان الدواء.
الأسواق كلها، باتت مظلمة في لبنان، حتى سوق النقل. حتى بدل الإنتقال. لم يعد هناك من “تعريفة” لدى السائقين. لفقدان مادة البنزين. صارت التسعيرة تتغير، ساعة بعد ساعة، لأن السائق، قطع وقته كله، في البحث عن قطع الغيار، وعن حاجات سيارته، من الزيت والفرام والوقود. صار السائق ينتظر الركاب داخل سيارته، حتى يستبد بهم: شرحا وتفصيلا وتقلبا، وعدم تقبل المعلوم”. صار يضاعف “المعلوم”.
الأسواق المظلمة، صارت ظاهرة طبيعية في لبنان، بعد أن كانت مشعة مشعشعة، تلبس أحلى حلل الزينة، وتتباهى على سائر الأسواق في العالم: في الشرق وفي الغرب، على حد سواء.
إنظروا ماذا حل بأسواق بيروت. ماذا حل بأسواق طرابلس وصيدا وصور. ماذا حل بأسواق بعلبك وزحلة، وشتورة وجونية وجبيل وشكا وأنفة والقلمون.
إنظروا ماذا حل ب”كازينو لبنان”: مررت به منذ أيام، فكأنني كنت أمر على سوق الأحد، أو على سوق الجمعة، أو على “سوق الطيب”. أو على سوق الخردة و البالات.
أسواق مظلمة، أسواق لبنان هذة الأيام.
فجأة إختفت السلع الضرورية من الواجهات. صارت في الأفنية الخلفية، تجر جرا، من أذنها، كدابة حرون، لا تنقاد لغير صاحبها. أو كغلام أو جارية، في السوق النخاسية. لا تزعن إلا للسعر المطلوب.
لست في صدد الحديث، عن “السلع المدعومة”، التي نهبتها الزبائنية السياسية من مصرف لبنان بقانون. لست في معرض الحديث عن “المدعوم” من الأجبان والألبان والسكر والحليب والبن والزبادي، وأنواع السمن، وسائر الأصناف من البرغل والأرز.
لكنني أتحدث، عن إرتفاع الأسعار اليومي: قبل الظهر وبعد الظهر وفي الفترات المسائية، وتحليقها، بتحليق سعر الدولار.
مررت ظهرا، على أحد المولات الكبيرة. وجدت غالون زيت الزيتون الأخضر، بزنة2,800كلغ، بسعر243,000ل. ل.
ماكنت أحمل هذا المبلغ. أجلته للمساء. فإذا هو ب 300,000ل. ل.
سألت وتسألت. ما إقتنعت بالجواب. ما أقنعني الجواب.
عرفت بعد ذلك، أن الوطن يباع على الشاشات، في الأسواق المظلمة. حمله السياسيون وعرضوه أمام السفراء الأجانب للبيع في سوق النخاسة.
يبيعون جحفلا لجبا، بلقمة بطنه في الأسواق المظلمة. يبيعون شعبا عظيما، نادوه ذات يوم: “يا شعب لبنان العظيم”، بلقمة بطنه، في السوق السوداء.
صار الأباء والأمهات، سيرتهم “سيرة”، حين يعرضون أولادهم برغيف، وبزجاجة حليب. حين يعرضون أسرتهم، بربطة خبز، أو بدزينة فلافل، أو بكيس تشيبس أو بعلبة بطاطا.
ما هذا الزمن، الذي أحال الناس، كل الناس، دفعة واحدة، إلى السوق السوداء، إلى الأسواق المظلمة.
وطن شركة، بين السياسيين والمهربين، يباع في الأسواق المظلمة العابرة للحدود.
فجروا المرفأ وإستدرجوا عروضه للبيع، في الأسواق المظلمة.
تجار الهيكل محترفون، في “بيع جلد الدب”، قبل قتله. ها هم كانوا البارحة في السرايا الحكومي، ينعون لبنان، وهو حي. يشحذون على شعبه الإغاثات والإعانات والحوالات، ولا يشكلون له حكومة ترعاه.
سياسيون عتاة، رعناء، بطرة، باعوا قنن لبنان، قواعد. باعوا طلوله دشما. باعوا سواحله وموانئه، للمنصات. تخلوا عنها، لحاملات الطائرات.
حولوا تلاله ثكنا.
تأخذها الربيئة تلو الربيئة، حتى يمضي بنا الزمن، وهم لا يشعرون.
ساسة مغفلون، يبيعون الوطن بأهله. بأمه وأبيه، في الأسواق المظلمة، ولا تندى جباههم من الخزي والعار. لا يندى جبينهم، من الخزي والعار.
أسواق مظلمة، هي كل أسواق لبنان، من أسفل الهرم إلى أعلاه. وأما حكامه، فهم السماسرة واللصوص والمهربون.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى