إغتراب

ما وراء صورة الدويهي الشعرية – قصيدة بيضلّ عندي تذكار لمريم رعيدي

الشمال نيوز – عامر الشعار

مريم رعيدي الدويهي: ما وراء صورة الدويهي الشعرية – قصيدة “بيضلّ عندي تذكار”
1- القصيدة:
مِن بعْد ما كان الوحِي برْدان
واصفرّ لون الحِبْر عالدفتَر
رِجْعتْ إلي عصفورة الوِديان
وصار القمَر بجْنينتي يسْهَر…

فستان أزرق شو إلو عْليّي
ولو كنتْ أذْكى من الحَراميّه؟…
وشو خصّْني لولا حصَل إشكال
بين الحَرير وبين عينيّي؟

الخيّاط حظّو كبير… يا ريْتو
بدّو مُساعِد… كنتْ حاكَيْتو…
ولو كنت متخرّج من السوربُون
شِغْل الدَّرِز عن جَدّ حَبّيْتو.

نازل عرَق من قلب كلْماتي
من كترْ ما طالت مُعاناتي…
عم انطرِك عا كرسِة الهزَّاز
تا ضيّفك من خَوخ بَوْساتي.

وبترجَعِي عا بيتِك العَالي
منْسول خيْط بلوزِك الغَالي…
وبيضَلّ عندي من الكحْل تذكار
وشْفاف متل الخَتْم عا شالي.


2- قراءة مريم رعيدي الدويهي:
لفتتني قصيدة الشاعر المبدع، عميد أدباء المهجر، د. جميل الدويهي “بيضلّ عندي تذكار”. وأبدي إعجابي بها لأنّني لو فعلت غير ذلك لتنكّرت لحسّي الأدبيّ، وذوقي، ومعرفتي بأسرار الكلمة.
قصيدة هي صورة زيتيّة، تبدأ بالأمل، بعدما بردَ الوحي، واصفرّت الكلمات، فقد عادت عصفورة الوديان – الحبيبة إلى عالم الجميل، وعاد القمر (النور- الجمال – الحياة – شعاع القصيدة…) ليسهر في جنينة الإبداع الشعريّ الذي يحلّق فيه شاعرنا أبعد تحليق.
والمقدّمة الجميلة للقصيدة، تتحوّل تباعاً إلى صور متتالية، أبعد من الأبعد، فيتركنا جميل لكي نفكّر ونحلّل، ونصل إلى ما وراء الوراء. ونواجه مشكلة بين جميل الأذكى من السارقين والفستان الأزرق. فنراه في مشهد اللص المحترف الذي “يتسرّق” على الفستان وما يحتويه أو يفصح عنه، ثمّ يبرّئ نفسه أمام القاضي في المحكمة قائلاً: عفواً سيّدي القاضي، فإنّني بريء ممّا حدث، لأن الإشكال وقع بين الحرير من جهة، وبين عينيّ من جهة أخرى، فليس لي شأن فيه.
إنّها طرافة الدويهي الجميلة… وهو يرى أن شعر الزجل يجب أن يكون على طرافة، وصوره سهلة ممتنعة قد لا يفكر بها أحد. والشعر الذي يخلو من الطرافة، يخلو من الجاذبية أيضاً. ولعل المقطع الثالث هو قمّة القصيدة، حيث يصوِّر الدويهي الخيّاط على أنه صاحب حظ كبير… لماذا؟ لأنه تمكّن من وضع يديه على رخام الجسد. ويتبرع الدويهي بأن يكون “مساعد خيّاط”، فهو وإن كان يحمل شهادة جامعية كبيرة، معجب بالدَّرز، إكراماً للجسد الذي يتعشّقه.
ويعود الدويهي إلى بعض من خيبة الأمل، فالعرق يتصبّب من كلماته وهو منتظر لكي تزوره الحبيبة، ويقدّم لها خوخاً من قبلاته. والخوخ يحتمل شيئين: اللون الأحمر، والطعم اللذيذ. ولكم أن تفكّروا بالمعنى الذي في قلب الشاعر. ظاهر وغير ظاهر في الوقت نفسه.
وبعد أن يتخيل الشاعر أنّ المرأة زارته وقبّلها وقبّلته، يصوّرها عائدة إلى بيتها وخيط قميصها منسول، كما نُسلت ثياب فاطمة بنت العبيد العنزيّة من ثياب امرئ القيس على ذلك الهودج في دارة جُلجل. وماذا يبقى عند الشاعر بعد اللقاء سوى تذكار من كحل الحبيبة، وشفتين مطبوعتين كختم على شاله؟ ويا لهذا من تعبير ظريف محبّب، تشبيه الشفتين بالختم لاستدارتهما أولاً، ولأنّهما تحفران عميقاً في المكان والزمان ثانياً!
وما وراء الوراء في القصيدة أيضاً سؤال: هل القصيدة عذريّة أم إباحية؟ هذا وحده يستوجب لجنة من النقاد. وقد يتصايحون ويختلفون، لأنّ الدويهي إباحيّ وعذري معاً، فلا هو مقذع في إباحيته، ولا هو بريء كالملائكة في عذريّته.


مشروع الأديب د. جميل الدويهي “أفكار اغترابيّة” للأدب الراقي – سيدني 2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى