الدور المفقود 2
ميقاتي ومتاهة البحث عن دور مفقود -الحلقة 2
كتب عبد السلام تركماني
ان مقاربة موضوعية لاي مسار اختطه تيار او زعيم سياسي ، تفترض وضعه في سياق تاريخي وبالتالي لابد في متابعتنا لموضوع البحث ، من العودة الى سنة 1920 عام اعلان دولة لبنان الكبير، حيث رفضت طرابلس حينها بشخص زعيمها ومفتيها عبد الحميد كرامي الانضام الى الكيان الذي انشائه الانتداب الفرنسي ، مصرة على عروبتها ووطنيتها وانتمائها الى بلاد الشام .
ومنذ ذلك التاريخ ارتبطت هوية المدينة بمواقف البيت الكرامي وتماهت معه ، لان الفيحاء في وجدانها الجمعي مدينة عصية متعصبة لعروبتها ، قبلت على مر التاريخ ان تكون ثانية بعد دمشق عاصمة الامويين ،لكنهاوبناء على ارث تاريخي لا تقبل ان تكون ثانية بعد بيروت ،بل ان تكون في ثنائية متناوبة معها في الدور السياسي ،و كانت المدينة في لاوعيها تبحث عن زعيم من ابنائها يجسد هذا الدور في التنافس مع بيروت وهو ما قام به عبد الحميد كرامي مقابل رياض الصلح ، ورشيد كرامي مقابل صائب سلام وعبد الله اليافي وحسين العويني .
اذا طرابلس دائما بحاجة الى زعيم من ابنائها قادر ان يترجم دورها وموقعها في المعادلة السياسية الوطنية .لكن استمرارية هذا الدور مع البيت الكرامي واجهت تحديا صعبا بعد استشهاد الرئيس رشيد كرامي بعبوة خبيثة زرعت خلف مقعده في الطائرة المروحية التي اقلعت من مطار ادما العسكري ،فكان خيار نظام الوصاية السورية تفضيل الشقيق الاصغر للرشيد عمر على شقيقه الاكبر معن في تحمل امانة ومسؤولية المسيرة الكرامية ، لكن السوريين فوجئوا بان منسوب الوطنية والاستقلالية لدى عمر كرامي الموروث عن والده عبد الحميد وشقيقه الرشيد اكبر بكثير من قدرة النظام السوري على” استيعابه ” وصدموا بما واجهوه من صعوبات في محاولات تطويعه لمصادرة قرار المدينة ودورها ،فاتخذوا قرار بمحاصرته واضعاف زعامته بداية عبر ابراز زعامة ابن عمه احمد كرامي الذي تعاون معهم الى اقصى الحدود لكنه فشل في مهمته ، ولاحقا جرى البحث عن بديل ليستقر الراي على رجل الاعمال نجيب ميقاتي الذي كانت تربطه وشقيقه طه وابن شقيقه عزمي علاقات عمل وصداقة ، فتم تعيينه وزيرا للاشغال العامة عام 1998 في حكومة الرئيس سليم الحص الذي شارك والرئيس اميل لحود في اقصاء الرئيس الشهيد رفيق الحريري عن رئاسة الحكومة باسلوب موارب (عبر اعلان رفضه تكليفه في وقت كان فيه متجها الى قصر بعبدا لاعلان قبوله التكليف ) .
وفي انتخابات عام 2000 تم ترئيس نجيب ميقاتي لائحة بمواجهة عمر كرامي الذي فاز وحده من اعضاء لائحته . لكنه عاد الى رئاسة الحكومة عام 2004 التي اعلن استقالتها بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري ،تلبية لنداء شقيقته السيدة بهية الحريري ،وكان التوجه لاعادة تكليفه بتشكيل الحكومة لكن (اهل البيت السياسي الحليف ) بري وفرنجية افشلا ذلك ، فتم تكليف ميقاتي بتشكيل حكومة انتقالية بتوافق ودولي (قاده صديقه الشخصي تيري رود لارسن) مع النظام السوري ، وقد نجح الرئيس نجيب ميقاتي في تنفيذ كل ما اوكل اليه من مهام فاجريت الانتخابات النيابية عام 2005 التي حملت الى البرلمان اكبركتلة نيابية سنية لصالح تيار المستقبل وتم تفكيك ما اصطلح على تسميته بالنظام الامني عبر توقيف الضباط الاربعة .
الرئيس ميقاتي الناجح في تمرير الاستحقاق النيابي بسلاسة ، كان يامل العودة الى رئاسة الحكومة مرة اخرى ، لكنه صدم بتكليف فؤاد السنيورة( منافسه من اهل البيت كان بهيج طبارة ) بتشكيلها بايعاز سعودي باعتباره موثوقا في تحمل المسؤولية الى حين تهيئة الظروف والخبرة لتولي سعد الحريري رئاسة الحكومة .
المفاجاة السعودية تركت غصة ومراراة قوية لدى الرئيس نجيب ميقاتي الذي لا يترك مناسبة او فرصة لاغتنامها بارسال اشارات الود وتمني الثقة الملكية السعودية دون جدوى .وبعد احداث 7 ايار التي تحل ذكراها اليوم وتوقيع اتفاق الدوحة وعودة السنيورة الى ترؤس الحكومة ، راى الرئيس ميقاتي ان محاولة العودة الى رئاسة الحكومة في هذه الظروف غير مؤاتية ، فعاد الى صفوف “المستقبل ” مرشحا على لائحته في انتخابات عام 2009 عن دائرة طرابلس التي حملت اسم لائحة التضامن الطرابلسي ،وفي هذه المرة ايضا وبعد اكتساح الرئيس سعد الحريري التمثيل السني (خاض الانتخابات على لائحته الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي ) عادت رئاسة الحكومة الى زعيم المستقبل سعد الحريري ، فكان على الرئيس ميقاتي الانتظار حتى تسنح فرصة اخرى،وهو ما فعله اواخر عام 2011 عبر المشاركة مع النائب محمد الصفدي “بالانقلاب” على الرئيس سعد الحريري بالتنسيق مع حزب الله و التيار الوطني الحر و الرئيس بري والنائب ولي د د ببلدد جنبلاط .
غدا القسم الاخير من ثلاثية ميقاتي و متاهة البحث عن دور مفقود.. الى اللقاء .