أوثان الأرق
الشمال نيوز – عامر الشعار
أوثان الأرق
نعيش اليوم على الأرق من حياتنا، في حاضرها وفي مستقبلها. نشكو من الفأس في رأسنا. نشكو من الجرس الذي يقرع في داخلنا. يقبل الحاضر علينا مثل الناظر العبوس، حين نقف في الصف، ويجشأ في وجوهنا. فترانا في الثانية والدقيقة والبرهة غير الأكيدة من نفسها، قصب روض، تهزه الريح، بلا ريح يضربها. ترانا وقد إرتسم الوجوم على وجوهنا، نغرق في أيامنا القادمة، قبل قدومها إلينا. تصيح فينا الأحشاء والأمعاء مثل ذئب، يقبع في المغارة ، يرقب النجمة.
دخلت إلى الجوف كل أوثان الأرق. أقامت حراسها، وشددت الحراسة. لم يعد القلب قلبا. ولا اليد يدا. ولم تعد العين عينا. ولا القدم قدما. لم يعد النظر بوصلة الروح إلى الطريق يأخذنا إلى غدنا. صرنا هياكل، معابد، أعمدة، أوثانا، تمشي، تتنفس أرقها من شدة الخوف.
أوثان الأرق الدائم نحن: حولنا الريح تصرخ في وجوهنا. خلفنا النهر ينبح علينا. تحتنا الأودية تشتهي أن تغيبنا في أعماقها، وتطعم لحمنا للقنفذ. تدعو جراء الذئاب والثعالب، لتعرق من العظم. حولنا الجبال العالية، تدركب الصخور، وكذا الأشجار، تعرت. كشفت عن ساقها. تأمرنا بالركوع.
أوثان الأرق نحن، ضاعت البساتين من أيدينا والحقول. ضاعت طواحين الماء. تهدمت أرقا علينا. ضاعت دروب الصيادين ورعيان الماعز، تتسلق الأعالي، تنتظر غيمة، لتنطحها. ضاعت الخيول المحمحة. تحتك بقوس قزح، في المروج. ضاعت التلة تحضن رفات الأهل وزفة العروس. والسنديانة تنشر السكينة، وثمرة البلوط دمعة ساخنة. والجذع السخين يقوى على الريح، والأغصان تنوح.
جرت الليالي قدامنا. الماضي يسكن الحجارة الرصينة. يسكن الصخر الوقور. تلتف العباءات السود. تنشر بيارقهم. مضوا بلا وداع. تركوا الحزن في الوجوه. والودع. مضوا بلا رحمة. بصمتهم، دفتر الذكريات. صكوك بيع. قاسية قاتلة. جرح قلم ينز الخوف. يرجف السطور. زحمة الليالي على بابي. تختنق من شدة البرد. تسود مثل دم سائل على جلد. ترتفع فوق قبو الروح، تلبسني. ثم لا تنصرف. قطعة من العتم، تمتص آخر نقطة من الضوء. تمتص أصيص البوابة والنافذة. والفرجة بين الأصابع وورق العريش.
طقس البلاد الجنائزي، هبة ريح أخذت الأحلام معها في الطريق إلى الليالي الماضية. تركتنا أوثان القلق الدائم، على عريشة نائحة، على كتف البوابة الجنوبية. على كتف البوابة الشمالية. على الحائط الذي ينشف غمامات الأهل، وأجنحة الحمام. شجر اللوز يبيض حاجب الشيخ العجوز من فوق. والقرميدة الحمراء تخلع قلبها، حين تطرق العكاز، على البلاطة الشاهقة.
أوثان الأرق، نحن كلما خيم الليل علينا. قلاع قديمة خربة. ينتشر فيها اللصوص. ضاعت العيون في الأفق. ذرفت النجمة فوق القرميدة الحمراء دمعتها. فارقت الدار. الأمس يصنع اليوم. اليوم يصنع الغد. والبريد خيول السهوب.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.