عصبة الذيل
الشمال نيوز – عامر الشعار
عصبة الذيل
عصبة الذيل هم دائما من كبار القوم. هم من الفئة التي تتصدر المجالس. وتتصدرالمراكز. وتتصدر المناصب. لا يستطيعون الإنزياح عن مواقعهم، مهما جرى لهم. مهما رأوا ومهما شاهدوا. لا يستطيعون الإنزياح عن مهنتهم كعصابة خسيسة دنيئة، إرتضت لنفسها، أن تكون ذيلا، مهما رأت من جرائم. بل أن تكون في آخر شعرة رخيصة، خفيفة محتقرة في الذيل.
عصبة الذيل، إرتضت لنفسها أن تمضي عمرها ذيلا رخيصا. وأن ترهن وطنها ذيلا رخيصا. وأن تبني سياستها كلها، على ألا تكون غير ذيل، لا أكثر ولا أقل.
ما قيمة الإنسان حين يجعل نفسه ذيلا في مواقفه كلها. في طروحاته كلها. في طموحاته كلها، في جميع تمنياته. فلا يصدر عن رأي شجاع. ولا عن حكمة شجاعة. ولا موقف عنيد شجاع. ما قيمة الإنسان حين يتخلى عن حريته، عن كرامته، عن إرادته، ويصبح تابعا ذليل الرقبة. ظلا محترقا، محتقرا، محروقا، مثل ظلال الأوراق المحروقة في المكبات. ما قيمة الإنسان حين يستأخر نفسه. حين يستأخر بلده، حين يستأخر شعبه. ثم يجلس ينتظر، حتى يبلغ القرار، حتى يتم تبليغه بالقرار.
ما قيمة الإنسان حين يصير ظلا أسود، يتبع صاحبه في جميع دروبه. وفي جميعالشعاب الملتوية. في جميع مواقفه. في شروعه للإقبال والإدبار. في تقلبه ظلا باهتا لا معنى له، لا في الليل ولا في النهار.
عصبة الذيل، هم هؤلاء السادة ببزاتهم الأنيقة. بياقاتهم الأنيقة. هم هؤلاء السادة الكسبة الأذلاء. هم هؤلاء المأجورون الفاسدون المجرمون، بأثوابهم. بأثمالهم، بأنفاسهم التي تفوح منها رائحة الأقبية. رائحة المعالف. رائحة المرابط. رائحة الزرائب. التي تفوح منها روائح الإسطبلات. روائح أذيال الخنازير والثعالب والدببة والبغال والحمير ورائحة أبوال الخيل. كيف يرتضون لأنفسهم، أن يقطعوا العيش، وكأنهم يعيشون في مزرعة من مزارع الحيوانات. يتبعون أسيادهم، ويلهثون أمامهم، مثل كلاب الصيد. فيلقمونهم من الجيف المنتنة، ويدفعونهم لقضاء الليل: عسسا وحراس مقابر. مثل الذئاب المفترسة. مثل الذئاب المنفردة. مثل “قطط الإرمتاج”.
عصبة الذيل، تجدها عند كل حادثة تلتف على بعضها، تشد أزر بعضها. تنادي بصوت واحد، ولا صوت لمن يخالف صوتها. لأنه من طبيعة الأصوات المنكرة المستكرهة، المستنكرة.
عصبة سوداء، كل رجالها بيادق بيد غيرها. تستنشق الأخبار من بعيد، تشتمها بأنوفها المزكمة. تعضها، تعلكها. تجترها، ثم تستعيد صياغتها من جديد، في موقف، تريد أن تقول عنه: إنه موقفها. إن هذا الموقف الأسود، إنما هو أبيض، لأنه لها.
تعودت هذة العصبة النذلة الممقوتة. هذة العصبة الهجينة. هذة العصبة المستعبدة، المستأجرة، من فئة المرتزقة، أن تعيش بعيدة عن هموم شعبها. تعودت أن تضرب ذات اليمين وذات الشمال، تحرك من فوقها الذباب الأزرق والذباب الأسود، عن أنفها. تعودت حياة الذل. والعيش في الروث. صارت تستثيغ المذلات كل يومها. لأنها تعتاش، تتعيش من أرواث غيرها.
ما هذة العصبة اللعينة التي أطبقت علينا. ما هذة العصبة العميلة. ما هذة العصبةالرخيصة. ما هذة العصبة المحتقرة. خربت البلاد. أفسدت الحياة. أضرت بالعباد. أمضت كل حياتها في اللعب بنا. وكأننا جزءا من طعامها ومن شرابها. كإننا جزءا من ممتلكاتها. أين هم الأحرار الشرفاء، الذين يغارون على أهلهم، على بلادهم، على كرامة وطنهم، على كرامة أجيالهم القادمة. عصابة الذل، عصبة الذيل، متى تكف عن اللعب بنا.
تذهب للتسول بإسمنا. عند كل فاجر لعين. تراها تقبض منا الروح، وتقبض بالتالي ثمن روحنا. تقتلنا وتقبض ثمن قتلنا. تميتنا. وتقبض في اليوم منا، ثمن ألف ميتة. تقبض في اليوم التالي ثمن موتنا.
تؤجرنا لأعدائنا. وتدعي الدفاع عنا. تسوقنا للمهالك، ذلا وقهرا. ثم تقبع تصف لنا البطولات، وتقبض ثمن سوقنا.
عصبة الذيل، عصابة سوداء في تاريخ بلادنا. جماعة من عبيد السوء. من عبيد المال.من عبيد القوى المستأجرة. تسلمتنا نعاجا. وسلمتنا للذئاب. سلمت البلاد لأعدائنا. وإدعت رعايتنا. وإدعت الحفاظ على أمننا. إدعت أنها منا. وأنها تتكلم بإسمنا. جعلت في أعناقنا أغلالنا، وصارت تنادي علينا في سوق العبيد. في سوق النخاسة.
ما هذة العصابة السوداء التي بلينا بها. متى تنفك عنا. متى تنفك عن إحتلال إرادتنا.
عصابة سوء، أحكمت الطوق علينا، منعت عنا الطعام والشراب. سلبت منا الكرامة والإرادة والعدالة. وأرسلت علينا البوم والغربان، يسرقون المال من أيادينا. من أكفاننا. من أسناننا. عصبة الذيل، عصبة السوء هذة، فمتى تنفك عنا. متى نتحرر منها. متى نبلغ منها، حد الحرية. حد حريتنا.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.