ثقافة وفنون

من سيجرؤ على كتابة التاريخ الحديث

الشمال نيوز

​من سيجرؤ على كتابة التاريخ الحديث؟

“تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا  أيُّهَا  العَـرَبُ فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ”

بقلم ربيع مينا

———————————————-

حتى الآن لم تحظ المواد التي تتضمنها كتب التاريخ على إجماعٍ لبنانيّ، وذلك لأن النظر إلى ذلك التاريخ يختلف بين شخص وآخر تبعاً لانتمائه السياسي والطائفي والمذهبي، ومن هنا فإن مادة التاريخ عندنا تعود إلى عهود الأشوريين والكلدانيين والكنعانيين والبيزنطيين… أما التاريخ غير البعيد فإنه موضع خلاف، وعلى سبيل المثال قسم من اللبنانيين يعتبرون الدولة العثمانية امتداداً للخلافة الإسلامية، وقسم آخر يقول أن حكم السلطنة العثمانية هو استعمار، حتى أن هناك من يقول الإستعمار الفرنسي ومن يقول الإنتداب الفرنسي.

أما التاريخ الحديث فإنه مادة خلافية كبيرة وحادة، ولذلك لم يتفق اللبنانيون، وخاصة المؤرخين على إعداد كتاب مادة التاريخ المدرسي، بالرغم من تغيير المناهج القديمة واعتماد المنهاج الحديث، فلماذا؟

حوالي 27 سنة مرّت على اتفاق الطائف الذي وضع حداً، ولو بالشكل النظري، للحرب التي اندلعت سنة 1975 واستمرّت بأشكال مختلفة حتى سنة 1989، وبالرغم من أن اتفاق الطائف نصّ على أن لبنان عربيّ الإنتماء فإن الأمر ما يزال موضع انقسام، حيث يتنكّر البعض للهوية العربية ويدّعي أن اللبناني فينيقيّ الأصل وأن العرب هم غزاة إحتلوا لبنان.

حتى الحرب تعددت تسمياتها، بحسب الإنتماء السياسي والطائفي والمذهبي، البعض يعتبرها حرباً أهلية، والبعض حرباً لبنانية، والبعض حربَ الغرباء على أرض لبنان. وكذلك الأمر بالنسبة لضحايا تلك الحرب، فكل فريق يسمّي ضحاياه شهداء بينما يسميهم الآخر قتلى، وحتى التحالف أو العلاقة مع طرف خارجي يحمل تسميات مختلفة ما بين العمالة لإسرائيل أو العمالة لهذا البلد العربي أو ذاك. واختلف اللبنانيون ما بين تسمية الإحتلال السوري والشقيق السوري، وما بين العدو الفلسطيني والحليف الفلسطيني، وهكذا، لدرجة أن العمالة للعدو صارت وجهة نظر لها ما يبررها هنا أو هناك.

أما محاربة المحتل الإسرائيلي فالبعض اعتبرها مقاومة والبعض الآخر اعتبرها إرهاباً، وتفاوتت الآراء حول مسألة التحرير فألبسوها صفات ومسميات متناقضة.

هذا على الصعيد اللبناني، أما على الصعيد العربي فإن الوضع أكثر تعقيداً وانقساماً، ولم نعد نعرف إن كان وما حصل في بعض الدول العربية مثل: تونس، مصر، ليبيا، اليمن، العراق، سوريا هو ثورات، هو ربيع عربي، أم هو تمرّد وخريف عربي دامٍ.

إن ما يحدث اليوم في العديد من البلدان العربية هو بمثابة تدمير كامل وممنهج في إطار صناعة شرق أوسط جديد، وما دفعته الشعوب العربية من أثمان باهظة أكبر بكثير من الشعارات التي رُفعت، وما ارتكبته الأنظمة من مجازر وتدمير أغلى بكثير من الكراسي والمناصب، فقد وصلت الأمة العربية إلى أسوأ حال، أمة ممزقة، مدمرة، غارقة بالدم والدمار، غارقة بالأفكار والمعتقدات المتطرفة، غارقة في بحور من الظلمات والظلم والإضطهاد والإرهاب.

في هذا الزمن العربي الرديء لم تعد فلسطين القضية المركزية، لا بل تناسوها كلياً، ولم يعد الكيان الصهيوني هو العدو، لا بل صرنا أعداءَ بعضنا البعض، يَنشُد البعض السلام مع عدو الأمة التاريخي ويمد له يد التعاون، ويسعى للحرب مع أخيه وابن جلدته، وهكذا إرتاح عدونا لما نحن فيه غارقون ولأننا تشرذمنا فلم نعد نُشكّل أي خطر عليه.

أمام هذا الواقع المؤلم من يجرؤ على كتابة التاريخ الحالي، وماذا ستقول عنا الأجيال القادمة، بل ماذا تركنا لهذه الأجيال سوى تاريخ أسود، مخجل، معيب، سيكون لعنة علينا جميعاً لأننا شركاء فيما يحصل إن بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهنا تحضرني قصيدة للشاعر إبراهيم اليازجي بعنوان: “تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب”، ومما جاء فيها:

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا  أيُّهَا  العَـرَبُ فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا  المَنَـامُ  فَقَـدْ شَكَاكُمُ  المَهْدُ  وَاشْتَاقَتْـكُمُ  التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ  وَلَسْتُمْ  تَشْتَكُونَ  وَكَمْ تُسْتَغْضَبُونَ  فَلا  يَبْدُو  لَكُمْ  غَضَـبُ

أَلِفْتُمُ الْهَوْنَ حَتَّى صَارَ  عِنْدَكُمُ  طَبْعَاً وَبَعْـضُ  طِبَـاعِ  الْمَرْءِ  مُكْتَسَـبُ

وَفَارَقَتْكُمْ  لِطُولِ  الذُّلِّ   نَخْوَتُـكُمْ فَلَيْسَ  يُؤْلِمُكُمْ  خَسْفٌ  وَلا  عَطَـبُ

خَلُّوا التَّعَصُّبَ عَنْكُمْ  وَاسْتَوُوا  عُصَبَاً عَلَى  الوِئَـامِ  وَدَفْعِ  الظُّلْمِ   تَعْتَصِبُ

هَذَا الذِي قَد رَمَى بِالضَّعْفِ قُوَّتَـكُمْ وَغَادَرَ الشَّمْلَ مِنْكُمْ  وَهْوَ  مُنْشَعِـبُ

وَسَلَّـطَ الجَوْرَ فِي  أَقْطَارِكُمْ  فَغَدَتْ وَأَرْضُهَا دُونَ أَقْطَـارِ  الْمَلا  خِـرَبُ

بِاللهِ  يَا  قَوْمَنَـا  هُبُّـوا  لِشَأْنِـكُمُ فَكَمْ  تُنَادِيكُمُ  الأَشْعَـارُ  وَالْخُطَـبُ

أَلَسْتُمُ مَنْ سَطَوا في  الأَرْضِ وَافْتَتَحُوا شَرْقَـاً وَغَرْبَـاً وَعَـزّوا  أَيْنَمَا  ذَهَبُوا

فَمَا لَكُم  وَيْحَكُم  أَصْبَحْتُـمُ  هَمَلاً وَوَجْـهُ  عِزِّكُمُ  بِالْهَـوْنِ   مُنْتَقِـبُ

لا  دَوْلَـةٌ  لَكُمُ  يَشْتَـدُّ  أَزْرَكُـمُ بِهَا، وَلا  نَاصِرٌ  لِلْخَطِـبِ   يُنْتَـدَبُ

وَلَيْسَ  مِنْ  حُرْمَـةٍ  أَوْ  رَحْمَةٍ لَكُمُ تَحْنُـو عَلَيْكُم إِذَا عَضَّتْـكُمْ النُّـوَبُ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى