اخبار عكار والشمال

إخراج اسم محمد من ساحة النور: حدود الدولة وحدود المجتمع

الشمال نيوز  – عامر الشعار

*إخراج اسم محمد من ساحة النور: حدود الدولة وحدود المجتمع*

د. مصطفى قراعلي

جريدة اللواء، الثلاثاء 22 أيلول 2026
https://aliwaa.com.lb/share/duPszrQp/

*من ساحة النور إلى سؤال الدولة المدنية في طرابلس*

_كيف كشفت قضية ساحة النور مشكلةً في فهم الدولة المدنية؟ وهل حياد الدولة يعني أن تصبح حَكَمًا على رموز المجتمع الطرابلسي ومعانيه، أم أن تلتزم حدود اختصاصها؟_

بعد قرار بلدية طرابلس بإزالة المجسّم الذي يحمل اسم النبي محمد من ساحة النور، انفتح سؤال يتجاوز المجسّم والزينة والقرار البلدي نفسه: من يملك أن يصوغ معنى المدينة؟ وأين تنتهي سلطة الإدارة ويبدأ حق طرابلس في أن تصوغ رموزها وذاكرتها وحضورها في الفضاء العام؟

وخلال أيام، تجاوزت المواد الأربع الأولى التي نشرتها مبادرة طرابلس أولًا حول القضية خمسة ملايين مشاهدة في لبنان، مع أكثر من 250 ألف تفاعل ونحو 3000 تعليق. ومع اتساع الاعتراض على القرار، أُعلن حراك المحمديون لينقل القضية من ردّ الفعل على قرار بلدي إلى نقاش أوسع حول هوية المدينة وحدود السلطة فيها.

وكان الإسم قد وُضع في ساحة النور عام 2024 بموجب ترخيص بلدي، ضمن مشروع أطلقته طرابلس أولًا وتابعته منذ بدايته. ولذلك لم يعد الأمر بعد إخراجه متعلقًا بمجسّم طارئ في الساحة، بل بإخراج اسمٍ من موقع أُجيز وجوده فيه أصلًا، بدل معالجة ما أثير حول الموقع من مسائل تنظيمية وإدارية.

فسلامة الموقع وتنظيمه مسائل إدارية وهندسية لها أدواتها. أما إخراج الاسم فيطرح مسألةً من طبيعة أخرى: هل وظيفة الدولة أن تنظّم المجال المشترك، أم أن تمتد سلطتها إلى المعاني التي تصوغ بها طرابلس هويتها؟

عند هذه النقطة يبدأ النقاش الحقيقي. فالدولة المدنية تُطرح اليوم بوصفها مخرجًا من النظام الطائفي؛ لكن أيّ مدنية، وبأي حدود للدولة والمجتمع؟

ولطرابلس أن تصوغ جوابها من داخل تاريخها وتكوينها: دولة تعرف حدود اختصاصها، ومجتمع يستطيع أن ينظّم نفسه ويصنع معناه باختياره. فالمدنية، في هذا التصور، لا تبدأ بمحو الفوارق أو المعاني، بل بوضوح الحدود بين اختصاص الدولة ومجال المجتمع. ومن هذه الزاوية تُقرأ قضية ساحة النور.

*الرمز في ساحة النور*

اسم محمد في الساحة تعبير عن وجدان اجتماعي حي في مدينة لها تاريخ وذاكرة وهوية. ووجوده كرمز ديني في الفضاء العام لا يجعله، بذاته، قانونًا ملزمًا أو سلطةً على الآخرين.

ومن هنا يظهر معنى المدنية المحمدية في الممارسة. فالسؤال ليس ما إذا كان الرمز دينيًا، بل ما حدود الاختصاص: هل في وجوده إكراه أو اعتداء على الغير؟ وهل المسألة أصلًا مما يبرر تدخل الدولة في معناها؟

فما يتصل بالسلامة والتنظيم والنظام العام من اختصاص البلدية والدولة، ويُعالج بأدواته. أما الرمز الديني والاجتماعي، ما دام تعبيرًا حاضرًا في وجدان المجتمع ولا يفرض عقيدةً أو سلوكًا على أحد، فليس من وظيفة الدولة أن تصبح حَكَمًا على معناه أو أن تزيله لمجرد طابعه الديني.

وهذا ما عكسته موجة الاعتراض الواسعة في طرابلس: فالقرار لم يُقرأ كإجراء إداري محايد، بل كمساسٍ بمعنى اجتماعي يراه كثيرون جزءًا من هوية المدينة؛ ولذلك لم تُفهم الإزالة باعتبارها إزالة مجسّم فحسب، بل إخراجًا لرمز من مكانه في ذاكرة المدينة وحياتها.

بهذا المعنى، يقوم الحياد في المدنية المحمدية لا على إفراغ الفضاء العام من تدين المجتمع، بل على وضوح حدود سلطة الدولة: تنظّم ما يدخل في اختصاصها، من دون أن تجعل من نفسها سلطةً على معنى المجتمع أو رموزه.

*المدنية ومنهاج النبوة*

وعلى هذا الأساس نفهم، كمحمديين، معنى منهاج النبوة في زماننا.

ويجد هذا التصور جذورًا تمتد إلى المدينة النبوية، حيث نشأ مجالٌ مشترك ضمّ جماعات مختلفة، من دون أن يعني اشتراكها السياسي دمجها في جماعة عقدية واحدة؛ ونُظّمت شؤون العهد والمسؤولية والدفاع مع بقاء التمايز الديني والاجتماعي. وهذا الوصف له أساس تاريخي في صحيفة المدينة، وإن بقي بعض تفاصيل نصها موضع نقاش أكاديمي.

ومن هذا المنطلق، لا نفهم منهاج النبوة بوصفه عودةً إلى حقبة تاريخية ماضية، بل منهجًا يمكن تجسيده حديثًا: بناء مجالٍ مشترك يقوم على العدل ويُدار بالعلم، ومجتمع يستطيع أن ينتج معناه وينظّم نفسه باختياره.

عدلٌ • علمٌ • عمرانٌ

وبذلك تتضح المدنية المحمدية: دولة مدنية حديثة غير طائفية، تجعل الكفاءة أساسًا في إدارة الشأن العام، وتبني حيادها على وضوح حدود اختصاصها؛ فلا تتبنّى عقيدة، ولا تمنح مؤسسة دينية سلطة الدولة، ولا تجعل من نفسها سلطةً على تديّن المجتمع أو معناه.

وفي المقابل، يستطيع المجتمع المدني المحمدي أن ينشئ، باختيار أفراده، مؤسساته ومرجعياته وعلاقاته ومعاملاته الرضائية مباشرةً، من دون أن تمرّ كل رابطة أو تسوية عبر الدولة، ما دامت آثارها لا تُفرض على غير المشاركين ولا تتجاوز إلى ما يدخل في اختصاص الدولة.

ويختلف هذا التصور عن فهمٍ لحياد الدولة يجعل الفضاء العام مجالًا منزوعًا من المعاني الدينية، ويختزله في قاسمٍ مشترك تحدده السلطة العامة. ففي المدنية المحمدية، لا يعني الحياد أن تصوغ الدولة هويةً محايدة للمجال المشترك، بل أن تلتزم حدود اختصاصها؛ أما معناه ورموزه وذاكرته فتنبع من المجتمع نفسه.

وعلى هذا الأساس، لا يصبح الفضاء العام فضاءً حكوميًا من حيث المعنى لمجرد أن الدولة تديره. فساحة النور جزء من حياة المجتمع وذاكرته ورموزه، فيما تتولى الدولة تنظيم ما يدخل في اختصاصها من النظام والسلامة والخدمة. وإدارة الساحة لا تمنح الدولة ملكيةً معنويةً عليها؛ وهكذا يلتقي مجال المجتمع باختصاص الدولة من دون أن يبتلع أحدهما الآخر.

*من ساحة النور إلى لبنان*

لهذا تستطيع طرابلس أن تقدّم للبنان أكثر من اعتراض على قرار بلدي؛ تستطيع أن تقدّم تصورًا للمدنية.

فالسؤال الذي فتحته ساحة النور يتجاوز الساحة نفسها: كيف نخرج من الطائفية السياسية من دون أن نجعل المدنية مرادفًا لإخراج الدين من المجتمع؟ وكيف نبني دولةً واحدة من دون أن نختزل المجتمع في صورة واحدة، أو نسمح للجماعات بأن تتحول إلى سلطات داخل الدولة؟

ما تطرحه ساحة النور هو مسارٌ آخر: دولة مدنية غير طائفية تعرف حدود اختصاصها، فلا تتبنّى عقيدة ولا تجعل من نفسها سلطةً على تدين المجتمع؛ ومجتمع يستطيع أن يصوغ معناه وينظّم نفسه، من دون أن تتحول اختياراته إلى سلطة ملزمة على الغير.

وفي هذا التصور، لا يصبح الفضاء العام ملكًا معنويًا للدولة لمجرد أنها تديره. فالدولة تنظّم الساحة من حيث النظام والسلامة، أما معناها ورموزها فتتشكّل في حياة المجتمع وذاكرته.

لذلك يمكن تطوير التصميم، وتنظيم الموقع، وإعادة تصوّر الرمز بالفن والهندسة والمسابقة والابتكار. لكن معالجة مسألة إدارية لا تستلزم إخراج اسم محمد من ساحة النور.

أعيدوا الاسم إلى ساحة النور. فقد كشفت القضية مبدأً أبعد من المجسّم نفسه: الدولة للمشترك، والمجتمع للمعنى؛ ولكلٍّ حدود اختصاصه. فلا تستولي الجماعة على الدولة، ولا تستولي الدولة على معنى المجتمع. وهذه هي المدنية المحمدية التي نقترحها لطرابلس، ومنها إلى لبنان.

**دكتوراه في تاريخ وفلسفة العلوم – الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (IIUM)*

*محاضر سابق في جامعة هارفارد، ومؤسس مبادرة “طرابلس أولًا”*

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى